يفتح المنشور العاجل الصادر عن الشركة المصرية لتجارة الجملة بابًا واسعًا للقلق، بعدما ألزم الفروع بحصر السلع الراكدة وبطيئة التصريف وقريبة انتهاء الصلاحية، والتحرك لتصريفها قبل نهاية كل شهر.

 

ويضع القرار موظفي المنافذ أمام ضغط زمني مباشر، لأن الخطاب يربط التأخر في الحصر أو ظهور سلع قاربت صلاحيتها دون إبلاغ أو تصريف بالمساءلة القانونية وتحميل الممتنعين المسؤولية الكاملة.

 

 

ضغط البيع قبل انتهاء الصلاحية

 

وفي جوهر المنشور، تبدو الفكرة الإدارية مفهومة من زاوية منع الهدر، لكن تحويل قرب انتهاء الصلاحية إلى هدف مبيعات شهري يخلق تعارضًا حساسًا بين حماية المال العام وحماية المستهلك.

 

كما أن الخطاب يطلب بيانات دقيقة عن اسم الصنف والكمية وتاريخي الإنتاج والانتهاء، ثم يدفع باتجاه إجراءات تسويقية فورية، من دون أن يوضح للرأي العام قواعد التخفيض أو الإفصاح للمشتري.

 

كذلك لا يحدد النص المتاح علنًا حدًا أدنى للفترة المتبقية عند طرح السلعة، ولا يبين إن كانت بعض الأصناف سريعة التلف ستخضع لمعايير مختلفة عن المعلبات والسلع الجافة.

 

ومع ذلك، فإن مجرد اقتراب السلعة من نهاية صلاحيتها لا يعني قانونًا أو علميًا أنها فاسدة، لكن المسألة تتغير جذريًا عندما يصبح الزمن المتبقي قصيرًا مقارنة بطبيعة الاستهلاك والتخزين.

 

ولهذا يؤكد الدكتور عدنان محمد خضر، الخبير والمستشار الدولي المعتمد في سلامة الغذاء، أن العمر التخزيني يجب أن يستند إلى دراسة علمية موثقة تضمن سلامة المنتج وجودته طوال فترة التداول والتخزين.

 

ومن ثم تصبح المشكلة ليست في بيع منتج ما زال صالحًا، وإنما في إدارة المخزون بطريقة تمنع دفع الأسر إلى شراء كميات يصعب استهلاكها قبل نهاية المدة المتبقية.

 

وعلاوة على ذلك، فإن التخفيضات الكبيرة على السلع القريبة من انتهاء الصلاحية قد تكون وسيلة تجارية مشروعة، لكن عدالتها تتوقف على وضوح البيانات وعدم إخفاء المدة المتبقية أو تشويشها.

 

وفي هذا السياق، يلزم قانون حماية المستهلك المورد بوضع تاريخ الإنتاج ومدة الصلاحية وشروط التداول والتخزين بوضوح، كما يحظر وضع بيانات من شأنها خداع المستهلك أو تضليله.

 

وبذلك فإن أي حملة تصريف مسؤولة تحتاج إلى إعلان ظاهر بأن السلعة قريبة الصلاحية، مع سعر يعكس هذه الحقيقة، بدل تمريرها وسط المعروض المعتاد وكأن عمرها المتبقي لا يختلف.

 

 

تواريخ العبوات تحت ضغط الخسائر

 

أما السؤال الأخطر فيتعلق بما قد يحدث إذا بقيت كميات لم تُبع رغم اقتراب نهاية الشهر، خصوصًا مع تهديد الفروع بالمساءلة عند عدم التصريف أو عدم الإبلاغ في الموعد.

 

لكن لا توجد في المنشور المتاح علنًا واقعة تثبت تغيير تواريخ إنتاج أو صلاحية، ولذلك لا يجوز تحويل هذا الاحتمال إلى اتهام، بينما يبقى خطر التلاعب سببًا كافيًا لتشديد الرقابة.

 

وفي المقابل، تجعل القواعد القانونية أي تلاعب محتمل مسألة بالغة الخطورة، لأن البيانات يجب أن تكون واضحة ويصعب إزالتها، كما يحظر طرح الأغذية الفاسدة أو منتهية الصلاحية مع العلم بذلك.

 

كذلك يعاقب قانون قمع التدليس والغش على عرض أو بيع أغذية انتهى تاريخ صلاحيتها مع العلم بذلك بالحبس والغرامة، وتشتد العقوبة إذا كانت السلعة ضارة بصحة الإنسان.

 

ولهذا لا ينبغي أن يتحول الخوف من الخسارة أو المساءلة الداخلية إلى حافز لإخفاء المشكلة، بل يجب أن تكون هناك سلسلة توثيق مستقلة تبدأ من المخزن وتنتهي عند نقطة البيع.

 

وفي هذا الإطار، يكتسب كلام محمود العسقلاني، من جمعية مواطنون ضد الغلاء لحماية المستهلك، أهمية خاصة بعدما طالب سابقًا بوضوح تاريخي الإنتاج والصلاحية على السلع الغذائية المرتبطة بسرعة التلف.

 

ومن ناحية أخرى، سجلت جهات الرقابة خلال العام نفسه وقائع ضبط منتجات منتهية الصلاحية، كما تلقت بلاغات تضمنت اشتباهًا في التلاعب بتواريخ بعض المنتجات داخل منشآت بيع غذائية.

 

وبالتالي فإن التخوف من التلاعب ليس خيالًا مجردًا على مستوى السوق، لكنه لا يصبح اتهامًا لأي فرع أو موظف بعينه إلا بدليل وفحص وتوثيق رسمي قابل للمراجعة.

 

ثم إن حماية الموظفين أنفسهم تقتضي وضوح المسؤوليات، لأن المنشور يتحدث عن مساءلة قانونية ومسؤولية كاملة، لكنه لا يشرح علنًا ما إذا كانت المسؤولية إدارية أو مالية أو جنائية.

 

ومن هنا يبرز سؤال عملي: هل سيُسمح للفرع بإعدام السلعة قبل انتهاء صلاحيتها إذا تعذر بيعها، أم إعادتها للمورد، أم تخفيض سعرها، ومن يتحمل الفارق المالي الناتج؟

 

 

المستهلك لا يتحمل خسائر المخزون

 

وبينما تسعى أي شركة تجارية إلى تقليل الراكد، فإن المنفذ الحكومي يحمل مسؤولية إضافية، لأن المستهلك يتعامل معه باعتباره جزءًا من شبكة يفترض أن تخضع لرقابة أشد لا أخف.

 

كما أن تصريف المخزون لا يجب أن يعني نقل عبء سوء التخطيط من دفاتر الشركة إلى مطابخ الأسر، خصوصًا إذا اشترى المستهلك سلعة رخيصة ثم اكتشف أنه لا يملك وقتًا لاستهلاكها.

 

وفي هذا السياق، حذر الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الاقتصاد الزراعي والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة، من سرعة تلف بعض الأغذية مثل البيض، وربط ذلك بطبيعتها القابلة لنمو الميكروبات.

 

ولذلك فإن معيار الأمان لا يمكن أن يكون عبارة عامة مثل «ما زالت داخل الصلاحية»، لأن الأيام المتبقية قد تكون كافية لمنتج جاف، وغير عملية لأسرة تشتري منتجًا سريع التلف.

 

وفوق ذلك، فإن جهاز حماية المستهلك نفسه ينصح المشترين بالتأكد من تاريخ الصلاحية قبل الشراء، وفحص سلامة السلعة، وعدم الانسياق وراء الإعلانات المغرية أو الاكتفاء بجاذبية السعر.

 

وعليه فإن أي تخفيض على سلع قريبة الصلاحية يجب أن يصاحبه تنبيه ظاهر وموحد، بحيث يعرف المشتري عدد الأيام المتبقية ويقرر بحرية إذا كان التخفيض يستحق سرعة الاستهلاك المطلوبة.

 

وإلى جانب ذلك، تحتاج الشركة إلى تطبيق صارم لمبدأ صرف الأقرب انتهاءً أولًا داخل المخازن، لا انتظار الأيام الأخيرة ثم إطلاق سباق مبيعات لإنقاذ الكميات التي لم تتحرك مبكرًا.

 

ومن ثم فإن أصل الأزمة يبدأ قبل وصول السلعة إلى الرف، عند قرارات الشراء والتخزين وتوزيع الكميات بين المحافظات، لأن تراكم الراكد يعني أن التنبؤ بالطلب لم يعمل بالكفاءة المطلوبة.

 

كما ينبغي نشر قواعد واضحة لما يحدث إذا فشل التصريف: عزل المنتج، وقف بيعه فور انتهاء المدة، توثيق الكمية، ثم الإعدام أو الإرجاع وفق الإجراءات القانونية دون تحميل المستهلك الفاتورة.

 

وفي النهاية، لا تحتاج حماية المال العام إلى بيع كل عبوة بأي ثمن، بل إلى إدارة تمنع تراكمها أصلًا، ورقابة تمنع التلاعب، وإفصاح يحمي المستهلك، ومحاسبة لا تدفع الموظف إلى إخفاء الخسارة.