تدخل الحرب في السودان مرحلة جديدة من التصعيد مع اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيرة في استهداف المدن والمناطق الواقعة على خطوط المواجهة، بالتزامن مع موجات نزوح جديدة وتدهور متواصل في الأوضاع الإنسانية، بينما تتزايد الخلافات السياسية بشأن مسارات السلام والجهة التي تمثل الدولة السودانية.

 

وفي ولاية شمال كردفان، قال سكان إن قوات الدعم السريع كثفت خلال الفترة الأخيرة هجماتها بالطائرات المسيرة على مدن تخضع لسيطرة الحكومة، في تطور أعاد المخاوف بشأن أمن المدنيين إلى الواجهة، بعد أسابيع بدا خلالها أن حدة تلك الضربات قد تراجعت تحت ضغوط دولية.

 

وتشير المادة إلى أن الطائرات المسيرة أصبحت من أبرز أدوات القتال في الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023، حيث يستخدمها طرفا الصراع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في هجمات بعيدة المدى، بما يعكس انتقال تقنيات الحرب الحديثة إلى ساحات القتال السودانية.

 

 

هجمات تطال المدن والمنشآت المدنية

 

شهدت مدينة أم روابة، الواقعة في شمال كردفان، واحدة من أبرز الهجمات الأخيرة، بعدما أصابت طائرة مسيرة في الثامن من سبتمبر قاعة محكمة كانت مكتظة بالمدنيين.

 

وقالت هيئة «محامو الطوارئ»، وهي كيان مهني تطوعي مستقل معني بالدفاع عن الحقوق، إن الهجوم أسفر عن مقتل نحو عشرة أشخاص وإصابة العشرات، فيما أظهرت مشاهد لاحقة حجم الدمار الذي لحق بمبنى المحكمة.

 

وعند وصول رويترز إلى الموقع، كانت واجهة المبنى قد دمرت بالكامل، بينما تناثرت أجزاء من أعمدته، في مشهد يعكس حجم القوة المستخدمة في الهجوم وتأثيرها المباشر على منشأة مدنية داخل مدينة مأهولة.

 

ولم يقتصر التصعيد على أم روابة، إذ تعرضت كلية في مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، لهجوم بطائرة مسيرة بعد يوم واحد من استهداف المحكمة.

 

وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ إن الهجوم أدى إلى مقتل حارس أمن وتدمير ثماني قاعات للمحاضرات، إضافة إلى أضرار واسعة طالت أجزاء أخرى من المنشأة.

 

ويعكس استهداف منشآت تعليمية وقضائية حجم المخاطر التي بات المدنيون يواجهونها في المدن الواقعة بالقرب من جبهات القتال، خصوصا مع اتساع نطاق الهجمات الجوية بالطائرات المسيرة.

 

وقالت طالبة كانت قد أدت امتحانا في الكلية قبل يوم من الهجوم إن الدمار أصاب مبنى الكلية وأصاب الطلاب بحالة من الصدمة، معتبرة أن ما جرى لا يمثل خسارة لمبان فقط، وإنما تهديدا لأحلام الطلاب ومستقبلهم.

 

 

شمال كردفان تتحول إلى جبهة ساخنة

 

لا تتوقف تداعيات التصعيد عند حدود الخسائر المادية وسقوط الضحايا، إذ باتت الهجمات تدفع المدنيين إلى البحث عن مناطق أكثر أمنا، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتغير خطوط المواجهة.

 

وفي الأيام الأخيرة، أدت هجمات اتُّهمت قوات الدعم السريع بتنفيذها إلى نزوح آلاف السكان من بلدة أم بادر في ولاية شمال كردفان.

 

وأعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح 3650 شخصا من البلدة الواقعة في محلية سودري خلال ثلاثة أيام، نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية.

 

واتجه النازحون إلى محلية شيكان في شمال كردفان، إضافة إلى مدينة أم درمان غرب العاصمة الخرطوم، وسط تحذيرات من استمرار حالة التوتر والتقلب الأمني في المنطقة.

 

وجاءت موجة النزوح عقب اتهامات وجهتها هيئة طوارئ دار حمر إلى قوات الدعم السريع بقتل خمسة مدنيين وإصابة 27 آخرين خلال هجوم على سوق أم بادر.

 

كما اتهمت الهيئة القوات بنهب متاجر الذهب ومحال تجارية داخل السوق، بينما لم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع بشأن هذه الاتهامات.

 

وفي بلدة جبرة الشيخ، أعلنت هيئة محامي الطوارئ عن نزوح واسع بالتزامن مع حشود عسكرية لقوات الدعم السريع وعمليات عسكرية في محيط المنطقة.

 

وتشير هذه التطورات إلى اتساع نطاق الاضطراب في ولايات إقليم كردفان الثلاث، في وقت يواصل فيه الجيش السوداني تقدمه في مناطق كانت خاضعة لقوات الدعم السريع.

 

 

أكثر من ألف قتيل بالمسيرات

 

أصبح استخدام الطائرات المسيرة أحد أبرز ملامح الحرب السودانية، مع اعتماد الجيش وقوات الدعم السريع على تقنيات عسكرية متطورة لضرب أهداف في مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة.

 

وبحسب الأمم المتحدة، أسفرت هجمات الطائرات المسيرة التي نفذها طرفا الحرب عن مقتل أكثر من ألف مدني خلال النصف الأول من العام الجاري.

 

ويكتسب هذا الرقم أهمية خاصة في ظل انتقال المعارك إلى مناطق مأهولة، حيث يمكن للهجمات الجوية أن تصل إلى منشآت مدنية ومراكز تجمع السكان، بما يزيد من مخاطر سقوط ضحايا بين المدنيين.

 

كما أشار تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية والمقاتلين وشبكات الدعم اللوجستي القادمة من الخارج تساعد في استمرار الحرب وتوسع قدرة الأطراف المتحاربة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى باستخدام الطائرات المسيرة.

 

 

واشنطن تضغط لوقف القتال

 

وبالتزامن مع التصعيد الميداني، تتواصل الخلافات السياسية بشأن مسار التسوية والجهات التي يمكن أن تقود عملية السلام في السودان.

 

وأكدت وزارة الخارجية السودانية تمسكها بسيادة البلاد ووحدتها، ورفضت تصريحات صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية شككت في شرعية الحكومة السودانية.

 

ودعت الخرطوم واشنطن إلى التعامل بشكل إيجابي مع الحكومة، مؤكدة أن أي مبادرة سلام ناجحة ومستدامة يجب أن تقوم على احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية، إلى جانب معالجة الأسباب التي أدت إلى استمرار الحرب.

 

وتضع الحكومة السودانية التدخل الخارجي ضمن الأسباب التي ترى أنها ساهمت في استمرار الصراع، بينما تدفع الولايات المتحدة باتجاه وقف لإطلاق النار باعتباره خطوة أساسية نحو إنهاء الحرب.

 

وفي هذا السياق، أفادت مصادر لرويترز بأن الولايات المتحدة امتنعت عن منح قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وربطت حضوره بالموافقة على وقف لإطلاق النار لمدة 90 يوما.

 

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وقادتهما لا يمثلون حكومة شرعية ودستورية للسودان.

 

كما وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو جهود الوساطة لإنهاء الحرب بأنها محبطة، مشيرا إلى أن أطرافا سبق أن وافقت على التزامات ووقعت اتفاقات، لكنها لم تنفذ تلك الالتزامات، وأن فرص التقدم تتراجع عندما يعتقد أحد طرفي الحرب أنه قادر على تحقيق النصر.

 

 

الحرب تدفع الملايين إلى النزوح

 

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، تحولت أزمة النزوح إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية المرتبطة بالصراع.

 

وتشير المادة إلى نزوح أكثر من 14 مليون شخص منذ اندلاع الحرب، في وقت تتوزع فيه أعداد كبيرة من النازحين بين مخيمات ومناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

 

ولا تقتصر آثار النزوح على فقدان المساكن، إذ فقد كثير من السودانيين مصادر دخلهم وأعمالهم في الزراعة وتربية الماشية والتجارة، وهي قطاعات كانت تمثل أساسا لمعيشة ملايين الأسر.

 

ومع استمرار القتال للعام الثالث، أصبح الحصول على الغذاء اليومي تحديا متزايدا بالنسبة للأسر النازحة، بينما تتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على مواكبة حجم الاحتياجات.

 

 

سوء التغذية يهدد الأطفال

 

في مخيمات النازحين، تبدو آثار الحرب بصورة أكثر قسوة على الأطفال، الذين يواجهون مخاطر سوء التغذية والأمراض ونقص الرعاية الطبية.

 

وتعرض المادة حالة أسرة مكونة من ستة أفراد تعيش داخل مساحة ضيقة للغاية في مخيم «قوز السلام» بمدينة كوستي في ولاية النيل الأبيض، بعد فقدان الأب والمعيل.

 

وفي حالة أخرى، تعاني الطفلة نور الشام من سوء التغذية، واضطرت إلى دخول المستشفى عدة مرات، بينما قالت والدتها إنها لم تتناول الطعام لمدة يومين وتحتاج إلى دم لا تستطيع الأسرة توفيره.

 

وتوضح هذه الحالات كيف يمكن أن يمنع نقص الغذاء الأطفال المرضى من استكمال التعافي، حتى بعد تلقي الرعاية الطبية، لتصبح التغذية جزءا أساسيا من معركة البقاء داخل المخيمات.

 

وتشير تقارير أوردتها المادة إلى أن أكثر من 20 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يهدد سوء التغذية مئات الآلاف من الأطفال.

 

 

المساعدات تواجه فجوة متزايدة

 

تحاول المنظمات الوطنية ومبادرات التكافل الاجتماعي سد جزء من الاحتياجات المتزايدة عبر توزيع الوجبات وتوفير الأدوية ودعم مخيمات النازحين.

 

لكن اتساع رقعة النزوح واستمرار المعارك يجعلان عمليات الإغاثة أكثر صعوبة، في وقت تتراجع فيه مستويات الاستجابة مقارنة بحجم الاحتياجات المتنامية.

 

ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن نقص التمويل يزيد الفجوة بين ما يحتاجه السكان وما تستطيع المنظمات توفيره، بينما يؤدي استمرار القتال إلى إنتاج موجات جديدة من النازحين بصورة متكررة.

 

وتزداد المخاطر بالنسبة للأطفال، خصوصا مع انتشار سوء التغذية الحاد ونقص الأدوية واللقاحات وضعف قدرة المرافق الصحية على توفير الحد الأدنى من الخدمات.

 

 

حرب تدمر سبل الحياة

 

لم تقتصر آثار الحرب على تدمير المباني والمنشآت أو السيطرة على المدن والمناطق، بل امتدت إلى مصادر رزق السكان وقدرتهم على إنتاج الغذاء وتأمين احتياجات أسرهم.

 

وتشير شهادات النازحين إلى أنهم فقدوا الزراعة والماشية والتجارة، وهي الأنشطة التي كانوا يعتمدون عليها في حياتهم اليومية، ما جعل تأمين وجبة واحدة للأسرة مهمة شاقة.

 

ويرى بعض النازحين أن الحل لا يكمن في استمرار الاعتماد على المساعدات، بل في العودة إلى مناطقهم واستعادة قدرتهم على الإنتاج، وهو ما يتطلب أولا توفير الأمن والاستقرار وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

 

وبذلك تتداخل الأزمة العسكرية مع أزمة اقتصادية وغذائية وصحية واسعة، تجعل أي تصعيد جديد عاملا إضافيا في تعميق معاناة المدنيين.