تشهد إثيوبيا تصعيدًا عسكريًا جديدًا في الشمال، مع اتساع المواجهات بين القوات الفيدرالية ومقاتلي جبهة تحرير تيجراي إلى إقليمي أمهرة وعفر، بالتزامن مع اضطراب خدمات الإنترنت والاتصالات في مناطق من تيجراي وشمال البلاد.
ويأتي هذا التصعيد بعد أيام من سيطرة قوات تيجراي على ثلاثة مطارات في الإقليم، وشن هجمات على مواقع في المناطق المجاورة، في تطور يمثل أخطر تصعيد منذ الحرب التي اندلعت بين عامي 2020 و2022 وانتهت باتفاق بريتوريا للسلام.
القتال يمتد إلى إقليم عفر
تركزت أحدث المواجهات في مدينة أبالا بإقليم عفر، حيث خاضت القوات الفيدرالية الإثيوبية معارك ليلية ضد مقاتلي تيجراي في محاولة لمنعهم من دخول المدينة.
وأفاد مصدر إنساني لوكالة الصحافة الفرنسية بأن القتال كان عنيفًا طوال الليل، وأن القوات الفيدرالية تمكنت من دفع مقاتلي تيجراي بعيدًا عن المدينة، مشيرًا إلى استخدام الجيش طائرة مسيرة في الدفاع عن أبالا. وتقع المدينة في منطقة جبلية على الحدود بين إقليمي عفر وتيجراي، ما يمنحها أهمية ميدانية في مسار المعارك الحالية.
ولا تقتصر أهمية عفر على موقعها الجغرافي، إذ ترتبط المنطقة بشبكات الطرق التي تصل إثيوبيا بموانئ جيبوتي، التي تمثل منفذًا رئيسيًا للتجارة الخارجية الإثيوبية. ولذلك فإن امتداد القتال إلى عفر يثير مخاوف بشأن حركة الإمدادات، خصوصًا الوقود والسلع المستوردة، إذا استمرت المعارك أو توسعت إلى الطرق الرئيسية.
وكان مقاتلو تيجراي قد أعلنوا أن تحركاتهم العسكرية جاءت ردًا على هجمات شنتها القوات الفيدرالية، فيما تقول السلطات المركزية إن الجبهة بدأت هجومًا واسعًا على مواقع حكومية في عفر وأمهرة.
أمهرة تدخل دائرة المواجهات
بالتزامن مع معارك عفر، امتدت المواجهات إلى منطقة وولو الشمالية في إقليم أمهرة، حيث اندلعت اشتباكات قرب مدينة لاليبيلا، المعروفة بكنائسها المنحوتة في الصخر والمدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.
وأفادت مصادر محلية بأن القتال قرب المدينة أدى إلى تعليق الرحلات الجوية إليها، في مؤشر على تأثير التطورات الأمنية على حركة النقل في المنطقة. كما تحدثت تقارير عن استخدام القوات الفيدرالية أسلحة ثقيلة في محيط مواقع قريبة من لاليبيلا.
وتكتسب أمهرة أهمية إضافية بسبب موقعها بين تيجراي والعاصمة أديس أبابا، فضلًا عن استمرار التوترات المسلحة فيها منذ سنوات. وكان إقليم أمهرة مسرحًا لصراع منفصل بين القوات الحكومية وميليشيات فانو، التي كانت حليفة للحكومة خلال الحرب السابقة قبل أن تتحول إلى القتال ضدها في 2023.
ومع انضمام فصائل من أمهرة إلى التحالف الجديد المناهض للحكومة، أصبحت المنطقة جزءًا من المشهد العسكري الأوسع الذي يتشكل في شمال إثيوبيا.
مخاوف من تكرار حرب تيجراي
ويعيد التصعيد الحالي إلى الأذهان الحرب التي اندلعت في تيجراي عام 2020 بين الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، واستمرت حتى اتفاق السلام الموقع في بريتوريا عام 2022.
وتسببت الحرب السابقة في أزمة إنسانية واسعة، وقدرت أعداد ضحاياها بنحو 600 ألف شخص وفق تقديرات منسوبة إلى الاتحاد الأفريقي، كما أدت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وتدمير البنية التحتية وتعطيل الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من شمال إثيوبيا.
ويزيد التصعيد الحالي المخاوف من عودة الظروف التي رافقت الحرب السابقة، خصوصًا أن سكانًا في تيجراي بدأوا بالفعل في تخزين المواد الغذائية والنقد تحسبًا لتدهور الوضع الأمني وانقطاع الإمدادات.
وأشارت وكالة رويترز إلى أن سكانًا في الإقليم اتجهوا إلى شراء المواد الغذائية والاحتفاظ بالنقد، وسط مخاوف من أن تؤدي المعارك الجديدة إلى حرب واسعة النطاق.
الإنترنت والاتصالات تحت الضغط
تزامن التصعيد العسكري مع اضطرابات واسعة في خدمات الإنترنت والاتصالات شمال إثيوبيا، خصوصًا داخل تيجراي.
وقالت منظمة «نت بلوكس» المعنية بمراقبة خدمات الإنترنت إن بيانات الشبكة أظهرت اضطرابًا على مستوى إقليمي في شمال إثيوبيا، بالتزامن مع تقارير عن انقطاع الاتصالات في تيجراي. كما أكدت تقارير صحفية وجود صعوبات في الاتصال بأشخاص داخل الإقليم مع تصاعد القتال.
ويمثل انقطاع الاتصالات أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق بالنسبة للسكان، بسبب التجربة السابقة خلال حرب 2020-2022، عندما أدى انقطاع خدمات الاتصالات والإنترنت إلى عزل تيجراي عن العالم الخارجي لفترات طويلة، وصعّب وصول المعلومات والمساعدات الإنسانية.
وأفادت وكالة رويترز بأن اضطرابات الإنترنت وشبكات الهاتف ظهرت الجمعة في تيجراي، بعد اندلاع القتال هذا الأسبوع، فيما أكدت «نت بلوكس» وجود اضطراب في الشبكة شمال البلاد.
تحالف مسلح يوسع دائرة الصراع
ولا يأتي التصعيد الحالي بمعزل عن تطورات سياسية وعسكرية أوسع داخل إثيوبيا، إذ أعلنت سبع جماعات مسلحة معارضة للحكومة الفيدرالية خلال الأيام الماضية تشكيل تحالف جديد يهدف إلى إزاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
ويضم التحالف جبهة تحرير تيجراي، إلى جانب فصائل من أمهرة وأوروميا ومناطق أخرى، في خطوة تجمع أطرافًا كانت في السابق على جبهات مختلفة خلال الحرب الإثيوبية السابقة. وتشير التقارير إلى أن أعضاء التحالف لا يتفقون بالضرورة على جميع القضايا السياسية أو territorial، لكنهم يجتمعون في معارضتهم للحكومة المركزية.
وتقول الحكومة الإثيوبية إن بعض هذه الجماعات حصلت على دعم من إريتريا، بينما تنفي أسمرة هذه الاتهامات. وفي المقابل، تتهم الجماعات المسلحة الحكومة باستخدام القوة ضد مناطقها، بينما تقول السلطات الفيدرالية إنها تواجه تمردًا مسلحًا يهدد وحدة الدولة.
ويجعل هذا التداخل بين الصراعات المحلية والتحالفات المسلحة من الصعب حصر المواجهة في إقليم تيجراي وحده، خصوصًا مع امتداد القتال بالفعل إلى عفر وأمهرة.
ثلاثة مطارات تحت سيطرة تيجراي
وكانت جبهة تحرير تيجراي قد أعلنت خلال الأسبوع سيطرتها على ثلاثة مطارات في الإقليم، في تطور أدى إلى تعليق الرحلات الجوية من وإلى عدد من المناطق.
وأكدت تقارير أن قوات تيجراي سيطرت على مطارات كانت تحت إدارة أو سيطرة القوات الفيدرالية، بينما أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية تعليق رحلاتها إلى ثلاثة مطارات في تيجراي بسبب الوضع الأمني.
وتشير هذه التطورات إلى أن المواجهة لم تعد مجرد اشتباكات محدودة على الحدود، بل أصبحت تشمل مواقع استراتيجية وطرق إمداد ومنشآت للنقل الجوي، بالتزامن مع انتقال العمليات إلى أقاليم مجاورة.
كما أن وصول المعارك إلى محيط لاليبيلا وأبالة، إلى جانب اضطراب الاتصالات، يرفع مستوى المخاوف من تحول التصعيد إلى أزمة أوسع تؤثر في الحركة التجارية والإنسانية داخل شمال إثيوبيا.
وفي الوقت نفسه، يحذر مراقبون من أن استمرار القتال قد يفرض ضغوطًا إضافية على السكان الذين لم يتعافوا بالكامل من آثار الحرب السابقة، خصوصًا مع استمرار النزوح في مناطق من شمال البلاد. وتشير تقديرات حديثة إلى بقاء نحو مليون شخص نازحين في المنطقة بعد الحرب السابقة.
وبينما تؤكد جبهة تحرير تيجراي أنها تخوض مواجهة دفاعية ضد هجمات القوات الفيدرالية، تقول الحكومة الإثيوبية إن الجبهة شنت هجومًا واسعًا على مواقعها في عفر وأمهرة. وفي ظل تضارب الروايات حول بداية التصعيد، يبقى المؤكد أن المعارك تجاوزت حدود تيجراي بالفعل، وأن عفر وأمهرة أصبحتا جزءًا من المواجهة، بالتزامن مع اضطراب الاتصالات وتصاعد المخاوف من عودة أزمة إنسانية واسعة في شمال إثيوبيا.

