تدفع الحرب المستمرة في السودان أزمة النزوح إلى مرحلة أشد قسوة، مع دعوة بريطانية لمجلس الأمن إلى التوحد خلف وقف لإطلاق النار، بالتزامن مع تسارع عبور اللاجئين نحو تشاد وتراجع قدرة الإغاثة.

 

وتضع الأرقام الجديدة أزمة اللاجئين أمام اختبار متجدد، بعدما تجاوز عدد الفارين إلى شرقي تشاد منذ بداية العام 55 ألف سوداني، بينما ارتفع معدل العبور اليومي خلال الأسبوع الأخير إلى أكثر من 400 شخص.

 

 

وقف إطلاق النار بوابة كبح النزوح

 

وفي هذا السياق، قالت نائبة الممثل الدائم للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة كيت فوستر إن معالجة النزوح لا يمكن أن تقتصر على إدارة نتائجه، بل يجب أن تبدأ بمواجهة أسباب الفرار نفسها.

 

وبحسب ما طرحته فوستر أمام مجلس الأمن، فإن الحروب وعدم الاستقرار والقمع تظل من المحركات الأساسية للنزوح، بينما يمتلك المجلس أدوات للتعامل مع هذه التهديدات لكنه يحتاج إرادة سياسية لاستخدامها.

 

ومن ثم، ربطت المسؤولة البريطانية الوضع في السودان بالحاجة إلى موقف دولي موحد خلف وقف لإطلاق النار، معتبرة أن إنهاء القتال يمثل المدخل المباشر لوقف النزوح الذي تسببه الحرب.

 

وفي الوقت نفسه، يحمل هذا الطرح رسالة واضحة بشأن حدود الاستجابة الإنسانية وحدها، إذ يمكن للمخيمات والمساعدات تخفيف المعاناة مؤقتًا، لكنها لا تمنع موجات فرار جديدة ما دامت العمليات العسكرية مستمرة.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح وقف إطلاق النار أكثر من مسألة تفاوض سياسي، لأنه يرتبط مباشرة بقدرة المدنيين على البقاء في مناطقهم، واستعادة الخدمات، وتقليص المخاطر التي تدفع الأسر إلى عبور الحدود.

 

وبالتوازي، تؤكد التطورات الميدانية أن أزمة السودان لم تعد محصورة داخل حدوده، لأن دول الجوار تتحمل جانبًا متزايدًا من الكلفة الإنسانية والاقتصادية كلما طالت الحرب واتسعت مناطق القتال.

 

ومن جهة أخرى، بدأت الحرب في إبريل 2023، ومنذ ذلك الحين توالت موجات النزوح الداخلية واللجوء الخارجي، بينما استمرت محاولات وقف القتال دون الوصول إلى تسوية قادرة على تثبيت الأمن.

 

ولذلك، فإن الحديث البريطاني داخل مجلس الأمن يعيد وضع جذور الأزمة في صدارة النقاش، بدل الاكتفاء بالتركيز على أعداد اللاجئين أو حجم الاحتياجات بعد وصول الفارين إلى دول الجوار.

 

وفي المقابل، تبقى فعالية أي دعوة دولية مرتبطة بقدرة أعضاء المجلس والأطراف المؤثرة على تحويل المواقف المعلنة إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ، يحد من العمليات العسكرية ويوفر ضمانات لحماية المدنيين.

 

 

تشاد تحت ضغط تدفق متسارع

 

وبينما تتصاعد الدعوات لوقف القتال، سجلت الحدود الشرقية لتشاد زيادة حادة في أعداد الوافدين من السودان، مع عبور أكثر من 400 شخص يوميًا خلال الأسبوع الأخير عبر منطقتي أدري والطينة.

 

ووفق الأرقام المعلنة، يمثل المعدل الحالي نحو عشرين ضعف المتوسط اليومي المسجل خلال الأشهر السابقة، وهو ارتفاع يعكس سرعة تدهور الأوضاع في المناطق التي يغادرها اللاجئون بحثًا عن الأمان.

 

كما تجاوز عدد السودانيين الذين وصلوا إلى شرقي تشاد منذ بداية العام 55 ألف شخص، بينما اقترب عدد من عبروا إلى البلاد منذ اندلاع الحرب من مليون لاجئ سوداني.

 

وفي هذا الإطار، يأتي كثير من الوافدين من مناطق دارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث تدفع المعارك والغارات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة مزيدًا من السكان إلى ترك منازلهم والتحرك نحو الحدود.

 

وفوق ذلك، تؤدي صعوبة وصول المساعدات داخل مناطق النزاع إلى تضييق الخيارات أمام المدنيين، إذ يصبح البقاء أكثر خطورة مع تراجع الخدمات الأساسية، بينما يزداد اللجوء إلى الخارج باعتباره طريقًا للنجاة.

 

وبالإضافة إلى القتال، تزيد الصدمات المناخية من هشاشة المجتمعات المتضررة، مع تأثير نقص المياه وتراجع الأمطار في سبل المعيشة، بما يضيف ضغوطًا جديدة فوق الخسائر المباشرة التي تفرضها الحرب.

 

ومن ناحية أخرى، تستقبل تشاد هذه الموجات الجديدة وهي تواجه أصلًا ضغوطًا اقتصادية وإنسانية كبيرة، ما يجعل كل زيادة مفاجئة في أعداد الوافدين تحديًا إضافيًا لخدمات المياه والإيواء والصحة والحماية.

 

ولهذا، لا تتوقف الأزمة عند لحظة عبور الحدود، لأن اللاجئين يحتاجون بعد الوصول إلى تسجيل ومأوى وغذاء ومياه ورعاية صحية وحماية، وهي احتياجات تتسع سريعًا عندما ترتفع وتيرة التدفق.

 

وفي الوقت ذاته، يضع استمرار دخول مئات الأشخاص يوميًا المجتمعات التشادية المضيفة أمام ضغوط متزايدة، خصوصًا في المناطق الحدودية التي تعاني أصلًا محدودية الموارد والبنية الأساسية وفرص العمل والخدمات العامة.

 

وبالتالي، تتحول الحرب السودانية تدريجيًا إلى أزمة إقليمية ممتدة، حيث تنتقل آثار القتال عبر الحدود في صورة لجوء واسع، واستنزاف للموارد، واحتياجات إنسانية تتجاوز قدرة دولة واحدة على تحملها.

 

 

التمويل الضعيف يضاعف مخاطر العودة

 

وفي موازاة ذلك، تواجه خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السودانيين فجوة تمويل كبيرة، إذ لم يصل سوى نحو 18% من مبلغ يقارب 1.6 مليار دولار مطلوب لتغطية الاحتياجات خلال العام.

 

وبسبب هذه الفجوة، تصبح قدرة المفوضية وشركائها على توفير الغذاء والمياه والمأوى وخدمات الحماية أكثر محدودية، بينما تستمر أعداد الوافدين في الارتفاع وتتسع الاحتياجات داخل مواقع الاستقبال والمجتمعات المضيفة.

 

ومن ثم، يؤدي نقص التمويل إلى تقليص خيارات الاستجابة في لحظة تحتاج فيها العمليات الإنسانية إلى التوسع، سواء عبر زيادة مراكز الاستقبال أو تحسين المياه والصرف أو نقل الوافدين إلى أماكن أكثر استقرارًا.

 

وفي هذا السياق، حذرت الجهات الأممية من أن استمرار ضعف التمويل قد يدفع بعض اللاجئين إلى العودة نحو السودان قبل توافر ظروف آمنة، أو البحث عن طرق هجرة أبعد وأكثر خطورة.

 

كما أن العودة غير الآمنة لا تمثل حلًا للنزوح، لأنها قد تعيد الأشخاص إلى مناطق ما تزال تشهد قتالًا أو تعاني انهيار الخدمات، بما يفتح الباب أمام موجات فرار جديدة بدل إنهاء الأزمة.

 

وعلاوة على ذلك، فإن الرحلات الطويلة نحو بلدان أخرى قد تعرض الفارين لمخاطر الاستغلال والاتجار والعنف، خصوصًا عندما يشعر اللاجئون بأن البقاء في مناطق الاستضافة لا يوفر حدًا أدنى من الاستقرار.

 

وفي المقابل، يظل توفير التمويل الإنساني وحده غير كافٍ لإنهاء الأزمة، لأن المساعدات تستطيع حماية اللاجئين وتحسين ظروفهم، لكنها لا تعالج العامل الذي دفعهم إلى النزوح ما دامت الحرب مستمرة.

 

ولذلك، تتقاطع الدعوة البريطانية داخل مجلس الأمن مع التحذير الأممي من نقص التمويل عند نقطة واحدة، هي أن إدارة آثار الحرب من دون وقف أسبابها ستبقي أعداد النازحين واللاجئين مرشحة للارتفاع.

 

وفي المحصلة، يواجه السودان وتشاد معادلة شديدة التعقيد، فاستمرار القتال يدفع مزيدًا من المدنيين إلى الحدود، بينما يحد ضعف التمويل من القدرة على استقبالهم، وتبقى التسوية السياسية الشرط الأهم لوقف النزيف.