يضع حديث ضياء رشوان عن «أزمة وجودية» تضرب الإعلام المصري سؤالًا أبعد من ضعف المحتوى أو تراجع العائدات، لأن الأزمة كما تصفها الأصوات الواردة في النص تبدأ من شروط العمل نفسها وحدود المعلومة والمساحة المتاحة للرأي المختلف.

 

وتضع المقارنة بين كثافة المؤسسات المنظمة للمشهد وبين تراجع الثقة العامة مفارقة يصعب تجاوزها، فكلما اتسعت الهياكل والهيئات والموازنات بقي السؤال معلقًا حول قدرة الصحفي على نشر ما يعرفه حين تتعارض المعلومة مع الرواية الرسمية.

 

 

من صنع أزمة الثقة الإعلامية

 

وينطلق الباحث والسياسي أسامة رشدي من هذه المفارقة مباشرة، معتبرًا أن الدولة راكمت خلال سنوات أدوات واسعة للتأثير والتنظيم، ثم انتهت إلى إعلام يعاني تراجع الاهتمام بالشأن العام وضيق المساحات المتاحة للرأي المخالف.

 

وفي تغريدته، يصوغ رشدي المسألة باعتبارها أزمة بيئة سياسية قبل أن تكون أزمة تدريب أو تمويل، ويربط بين الخوف والقيود وبين عجز الصحفي عن أداء دوره الطبيعي في الرقابة والمساءلة وطرح الأسئلة الصعبة.
 

 

ومن ثم، لا يرى رشدي نقصًا في المؤسسات أو الموارد، بل يرى أن المشكلة في استخدام هذه الأدوات داخل مجال ضيق للحركة، حيث يصبح السؤال السابق للنشر هو حجم المخاطرة لا قوة المعلومة أو أهميتها العامة.

 

وبالمثل، يضع الصحفي ومهندس الرؤية البصرية أحمد عبد العزيز فقدان المصداقية في قلب الأزمة، ويرى أن الجمهور لا يمكن أن يستعيد ثقته في إعلام لا يملك مساحة كافية للتحقق والموضوعية والشفافية والاستقلال المهني.

 

وفي تغريدته، يربط عبد العزيز بين ضعف الثقة وبين انتشار معلومات غير دقيقة، ثم يدفع النقاش إلى ما وراء أخطاء المهنة اليومية، معتبرًا أن استعادة المصداقية تتطلب بيئة تسمح أصلًا بممارسة هذه القواعد.

 

 

وعلاوة على ذلك، يعتبر عبد العزيز أن المنصات الرسمية المخصصة للحوار أو الاتصال السياسي لا تكفي وحدها لإثبات الانفتاح، لأن القيمة الحقيقية لأي منصة تقاس بما تسمح بطرحه وما تتيحه من مساءلة فعلية.

 

وفي المقابل، تظهر المفارقة الأشد عندما يصبح المسؤول عن تنظيم المجال الإعلامي طرفًا حاضرًا في الدفاع عن السياسات الحكومية بملفات اقتصادية وأمنية وخارجية، بما يطمس الحدود بين الإعلام المهني والاتصال الحكومي المباشر.

 

ومن هنا، تتحول عبارة «الأزمة الوجودية» من وصف لحالة مهنية إلى سؤال عن وظيفة الإعلام نفسه، هل هو مساحة للتحقق والمساءلة وتعدد الروايات، أم جهاز لنقل الرسائل الرسمية مع هامش محدود للجدل المسموح.

 

 

الرأي الآخر تحت سقف الخوف

 

ويطرح الحقوقي جمال عيد سؤالًا سابقًا على كل حديث عن تنويع الأصوات، وهو مصير صاحب الرأي المختلف بعد أن يتحدث، لأن وجود المنابر لا يساوي تعددية حقيقية إذا ظل التعبير نفسه محفوفًا بالعقوبات.

 

وبحسب الطرح الوارد في النص، يعترض عيد على الدعوات إلى الحوار من دون ضمانات تحمي أصحاب الآراء المختلفة من الحبس أو الملاحقة بتهم مرتبطة بالنشر والانتماء، معتبرًا أن الحرية شرط سابق لجودة البرامج.

 

كذلك، يرى أن كثرة البرامج والحوارات لا تعني تلقائيًا وجود مجال إعلامي مفتوح، فالمعيار الأكثر صرامة يتعلق باتساع المساحة التي يستطيع الصحفي والكاتب التحرك داخلها بأمان عندما يصطدم رأيه بالسلطة.

 

وفي السياق نفسه، يركز الصحفي قطب العربي على الفجوة بين خطاب الإصلاح والممارسة، ويرى أن الكلام عن فتح المجال لا يكتسب قيمة عملية ما دامت هناك حالات حبس وحجب ومنع من الكتابة والظهور.

 

وفي تغريدته، يختصر العربي موقفه بعبارة تطالب بعلامة عملية، ثم يحدد أمثلة مثل الإفراج عن الصحفيين المحتجزين ورفع الحجب وإتاحة التراخيص وعودة الممنوعين من الكتابة إلى المجال العام.

 

 

ومن ثم، لا يرفض العربي الحديث عن إصلاح الإعلام من حيث المبدأ، لكنه يشترط أن يظهر الإصلاح في قواعد العمل ومصير العاملين بالمهنة ووضع المؤسسات، لا أن يبقى خطابًا يعاد تدويره بلا نتائج.

 

وفي زاوية مختلفة، يقدم الصحفي سلامة عبد الحميد تفسيرًا لوظيفة رشوان داخل المجال العام، فيصفه بأنه «ممتص صدمات سياسي» يحول الغضب إلى اجتماعات والمطالب إلى توصيات والتوصيات إلى آليات متابعة.

 

وفي تغريدته، يعرض سلامة هذه الوظيفة بوصفها طريقة لإدارة الاحتكاك بين السلطة وخصومها، حيث يجري استيعاب الاعتراض داخل مسار مؤسسي مضبوط الإيقاع بدل تركه يتحول إلى ضغط سياسي مفتوح.

 

 

وبذلك، يصبح الخلاف هنا حول جدوى الحوار لا حول وجوده فقط، فالمشكلة عند المنتقدين تبدأ عندما يتحول الحوار إلى غرفة انتظار تمنح شعورًا بالحركة بينما تبقى أسباب الاحتكاك الأساسية خارج نطاق التغيير.

 

 

التحول السياسي واختبار الأرقام

 

ويعود الكاتب وائل قنديل إلى مسار رشوان السياسي منذ انتخابات نقابة الصحفيين عام 2009، حين ارتبط اسمه بتيار الاستقلال، ثم يقارن تلك المرحلة بموقعه اللاحق داخل مؤسسات الدولة وخطابه تجاه المعارضة.

 

وفي تغريدته، يستدعي قنديل مواقف رشوان من جماعة الإخوان والحوار الوطني، ويرى تناقضًا بين انفتاحه السابق على شخصيات إسلامية وبين اللغة الأكثر صرامة التي استخدمها لاحقًا تجاه الجماعة ووجودها السياسي.

 

ومن جهة أخرى، يستحضر النص مقابلات قديمة شارك فيها رشوان بصفته باحثًا في الحركات الإسلامية، ويستخدمها منتقدوه لإبراز تغير المسافة بينه وبين الجماعة بين مرحلة كانت فيها قوة سياسية صاعدة ومراحل لاحقة.

 

ومع ذلك، تبقى هذه المقارنة تفسيرًا سياسيًا يقدمه أصحابها لا حقيقة مستقلة عنهم، لكنها تكتسب وزنها داخل النقاش لأنها تضع مسألة الثبات على المبادئ في مواجهة تغير المواقع والوظائف واللغة المستخدمة.

 

وفي مسار أكثر قابلية للفحص، تنتقل منصة «صحيح مصر» من تقييم المواقف إلى اختبار رقم محدد ذكره رشوان بشأن الفلسطينيين المقيمين في مصر، وتقارنه بأرقام منسوبة إلى منظمات دولية.

 

وفي تغريدتها، تقول المنصة إن رشوان تحدث عن نحو 60 ألف فلسطيني مقيم في مصر قبل 7 أكتوبر، بينما أوردت بيانات دولية رقمًا يتجاوز 135 ألفًا، لتصبح المسألة اختبارًا مباشرًا لدقة المسؤول الإعلامي نفسه.

 

ولهذا، تضع هذه الواقعة المصداقية في موضع عملي لا شعاري، فالإعلام الذي يطالب الجمهور بالثقة يحتاج إلى إظهار قواعد واضحة لتدقيق الأرقام وتصحيحها، خصوصًا عندما تصدر من مسؤول يشغل موقعًا مؤثرًا.

 

وفي النهاية، يجمع حساب «تكنوقراط مصر» في التغريدة الأخيرة الخيوط السابقة حول موقع رشوان داخل منظومة السلطة، مقدّمًا قراءته بوصفه نموذجًا للتداخل بين التنظيم الإعلامي والدفاع السياسي والاتصال الحكومي.

 

 

وبهذا، لا تعود الأزمة مرتبطة بضعف المحتوى وحده، بل تتسع إلى الثقة والحرية وتدفق المعلومات وحدود التحقق وتعدد الأصوات، وهي عناصر تجعل أي حديث عن الإصلاح بلا تغييرات ملموسة عرضة للشك.

 

وأخيرًا، يبقى الاختبار الأكثر وضوحًا هو ما إذا كان الصحفي يستطيع نشر معلومة صحيحة وغير مريحة للسلطة من دون أن يخسر عمله أو حريته، لأن الإجابة عن هذا السؤال تحدد معنى الإعلام قبل أي خطة تطوير.