أعادت وفاة المستشار أحمد الزند اليوم فتح الدفاتر القديمة لواحد من أكثر فصول الخصومة السياسية والقضائية حدة في التاريخ المصري الحديث. ولطبيعة الرجل ومواقفه المثيرة الجدل، كان من الطبيع أن ينعكس ذلك قي التبيانات الحادة على وفاته وردود الفعل عبر الفضاء الرقمي والمنصات الإعلامية، فبينما ذكّرت المعارضة بمواقفه الصدامية، تبارى أنصاره والموالون لسلطة الانقلاب في الدفاع باستماتة عنه.

 

ومما لاشك فيه، فقد برز اسم وزير العدل ورئيس نادي قضاة مصر الأسبق في مرحلة مفصلية من تاريخ مصر، وكان من أشد معارضي حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، ويوص بأنه أحد مهندسي" مرحلة ما قبل 30 يونيو 2013. 

 

 

الإعلان الدستوري لعام 2012

 

وقاد الزند وقتما كان رئيسًا لنادي القضاة، جموع القضاة في معركة التصدي للإعلان الدستوري لعام 2012، ودوره في الترتيب لعودة النائب العام الأسبق عبد المجيد محمود، وحشد القضاة لتعطيل المحاكم احتجاجًا على حصار المحكمة الدستورية العليا.

 

فضلاً عما اشتهر به من تصريحات نارية ضد "الإخوان المسلمين" إلى حد قوله في تصريحات أدلى بها، إنه "لن يهدأ له بال حتى يتم تصفية 10 آلاف من الإخوان مقابل كل شهيد من الجيش والشرطة"، وهي التصريحات التي تكشف إلى أي حد كان ينظر الزند إلى "الإخوان"، وتتقمص روحه شخصية انتقامية، على غير ما يفترض أن يكون القاضي، في تحري الحقيقة والانحياز المطلق للعدل. 

 

من هنا، جاءت ردود الفعل التي رفضت التعامل مع الأمر من منظور "اذكروا محاسن موتاكم"، وأعادت التذكير بمواقفه الصادمة في كثير من الأحيان، ومن بين هؤلا مراد علي، المستشار الإعلامي لحزب "الحرية والعدالة"، الأمر الذي برر رد فعله، بقوله: "احترام الموت لا يعني أن نصمت عن تزوير التاريخ، أو نسمح بتقديم شخصيات فاسدة كرموز وطنية".

 

 

وعلق قائلاً: "أحمد الزند لم يكن شخصية عابرة؛ لعب الرجل دوراً أساسيًا في إفساد القضاء وفي إفشال التحول الديمقراطي في مصر. يكفي دفاعه الصريح عن تعيين أبناء القضاة، وقوله إنه لن يستطيع قوة وقف "الزحف المقدس" لأبناء القضاة إلى القضاء".

 

وهي العبارة التي يرى علي أنها "تكشف عقليةً ترى مؤسسات الدولة إرث تتوارثه فئات بعينها"، مذكرًا بالتصريح الذي كان سببًا في إقالته من منصب وزير العدل، مضيفًا: "ووصلت غطرسته قمتها عندما تطاول على النبي ﷺ في حواره التلفزيوني الشهير". 

 

وشدد علي أنه من حق الشباب الذين لم يعيشوا عصر مبارك، ولا سنوات الثورة وما أعقبها، أن يعرفوا الحقيقة كاملة: "من قال ماذا؟ ومن وقف مع أي قيم؟، ومن دافع عن المساواة وتكافؤ الفرص، ومن دافع عن الامتيازات المغلقة؟"، معتبرًا أن "فضح المواقف السيئة ليس شماتة، وتوثيق التاريخ ليس إساءة إلى الموتى. فالسكوت هو الذي يسمح بإعادة إنتاج النماذج نفسها مرة بعد مرة".

 

 

"البطل المقاتل"

 


في المقابل، شن الإعلاميون المؤيدون للانقلاب هجومًا مضادًا على هذه التعليقات، ووصفوا الزند بـ "البطل المقاتل" الذي حمى القضاء المصري من محاولات الأخونة، واعتبروا أن هجوم الإخوان عليه بعد وفاته هو "شهادة صريحة على نجاحه في كسر شوكتهم وحماية هوية الدولة وقضائها". 

 

وقال الإعلامي مصطفى بكري عبر حسابه في منصة "إكس": الذين لايكفون عن التطاول علي الأموات، لايعرفون أحكام الدين، ولا الأخلاق الحميدة. القاضي الجليل أحمد الزند خلد اسمه في صفحات التاريخ بمواقفه ودفاعه عن استقلال القضاء ورفض أخونته. لقد تصدي لهم بكل جسارة وفضح مخططاتهم ضد الوطن ومؤسساته. لم يعرف الانكسار أو أنصاف الحلول ، لم يرضخ للتهديدات.عاش ومات بطلاً. رحم الله فقيدنا الغالي، الذي ستظل مسيرته الخالدة مصدر إلهام لكل شرفاء الوطن".
 

 

الزند من أدوات دولة مبارك 

 

غير أن الكاتب سليم عزوز يرفض الحكم على الزند من خلال العام الذي أمضاه "الإخوان" في السلطة، قائلاً عبر حسابه في "إكس": "يزعجني هؤلاء الذين يرون أن بدء الخليقة كان في 2013، وقبل الثورة كان العدم، ومن كافة الأطراف نحن مع الذين لم يكن لهم وجود قبل هذا التاريخ، وقد تصدروا المشهد الآن!".

 


وتابع "وعليه، فلا يمكن اختزال مسيرة المستشار أحمد الزند في سنة حكم الرئيس محمد مرسي، فينقسم حوله الملأ بين من يرونه أسد القضاة، وبين من يحطون من قدره انطلاقًا من الموقف من الحكم حينذاك..".


إذ وصف عزوز الزند بأنه "أداة للسلطة التنفيذية في تأميم نادي القضاة في عهد مبارك، بعد انتفاضة تاريخية بزعامة المستشارين محمود الخضيري في الإسكندرية، وزكريا عبد العزيز في القاهرة، رفضت الإشراف المنقوص على الانتخابات، وطلبت إشرافًا كاملًا على العملية الانتخابية.. الشرارة بدأت من الإسكندرية، ووجدت قلبًا من حديد في القاهرة وعموم القطر المصري، هو المستشار زكريا عبد العزيز وإخوانه".


وقال: "وفي أول جمعية عمومية للقضاة بعد هذه الشرارة، أمام ناديهم بالقاهرة، حضرها أكثر من 8 آلاف قاض، وقد حضرناها، انحازت الجمعية إلى الإشراف القضائي الكامل في مشهد تاريخي، واندلعت ما عُرف بانتفاضة القضاة!"

 

وذكّر عزوز بما انتهت إليه الجمعية العمومية في مواجهة السلطة التنفيذية ثلاثة أمور:

 

1- أنها أحالت القاضيين هشام البسطويسي ومحمود مكي للتحقيق للترهيب، تمهيدًا لفصلهما، ولم ينقذهما من الفصل إلا خطاب لحمدين صباحي في يوم المحاكمة: إذا خسرنا قاضيين، فقد كسبنا مرشحين لرئاسة الجمهورية.


2- أنها عدلت قانون الانتخابات، وأعادتنا إلى زمن إشراف الموظفين، فلا إشراف جزئي ولا كامل للقضاة.


3- إنها دفعت بأحمد الزند في انتخابات نادي القضاة، ووقفت خلفه بكل إمكانيات الدولة المصرية، لتضمن له الفوز على قضاة الاستقلال، الذين سافر بعضهم للعمل بالخارج، واعتزل بعضهم الانتخابات.


4- إن تقييم الزند يبدأ من هنا، فالرجل من أدوات السلطة، وعنوان على استبدادها، وهامش مجهول في كتاب الديكتاتورية الأسود، وما فعله في سنة حكم مرسي هو امتداد لدور قام به في تدجين النادي، وفي أن يمكن نظام مبارك منه، فهو استكمل مسيرته، والذين صفقوا له في سنة حكم مرسي خانوا مسيرتهم.


5- رحمه الله إن شاء!