نور الدين العلوي
أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية
من بين صفحات بيع الأواني ومراهم الحنظل لعلاج المفاصل وبيع أعشاب القوة الجنسية؛ يحدث أن تثار نقاشات جادة في السوشيال ميديا وقد رمي في النقاشات التونسية سؤال أثار جدلا وحرض المشاركة، والسؤال جاء على صيغة خلاصة تقريرية ترى أن حركات الإسلام السياسي كانت إجابة خاطئة عن سؤال خاطئ، لأن ظهور هذا التيار وانتشاره عمل على إعاقة بناء الديمقراطية في الوطن العربي، إذ حرف النقاش إلى قضايا غير مطروحة وصرف الجهود في الرد على أوهام الهوية، ومن هنا كان دوره تحريف التقدم على طريق الديمقراطية. نساهم من زاوية واضحة لدينا وهي أن كل الشعوب باختلاف ثقافتها لديها إجابة تامة عن سؤال "من نحن؟"، وهي تشتغل باستمرار على توضيح إجاباتها وترسيخ مضامينها بالتفاعل الدائم مع المتغيرات التقنية، وخاصة في عالم صارت وسائل التواصل مؤثرة بشكل دائم على إعادة تشكيل صورة الذات أمام الآخر(ين).
حركات الإسلام السياسي لم تأت من فراغ
نقدم سببين هامين لظهور حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي منذ قرن على الأقل؛ أولهما الاستعمار العسكري والثقافي الذي تعرضت له المنطقة والذي بلغ درجة عالية من الألم بتفكيك دولة الخلافة الإسلامية التي كانت -رغم كل ما يؤاخذ به الأتراك في عقود دولتهم الأخيرة- مظلة هوية واسعة وحامية، وما تبع ذلك من تدمير لقدرات الشعوب وتفكيك كياناتها السياسية وتخريب ثقافتها المستقرة.
وثانيهما، أن الدول المستقلة التي أقيمت بعد انتهاء الاستعمار المباشر لم تعمل على تبيان مشروع ثقافي يجذب شعوبها، ولم تعمل بالخصوص على بناء أنظمة ديمقراطية تصرف فيها الشعوب طاقاتها إلى البناء. لقد أعلنت هذه الدول مشاريع تنموية كمية بالأساس، مقدمة الشبع المادي على "الشبع الثقافي"، بل مضحية بالثقافي باعتباره عائقا. وقد وضعت الدين (الإسلام) ضمن مفردات الهوية القاتلة التي يجب محوها لتنعتق الشعوب من الرجيعة والتخلف.
من هنا ظهرت إجابة هوياتية قدمت فكرة الأمة الجامعة (أو الجامعة الإسلامية) ذات الهوية الراسخة في الإسلام والعربية. لذلك يُقرأ مشروع حركات الإسلام السياسي الأصلي كرد فعل على مشروع تفكيك سياسي وهوياتي، وقد انطلق من فكر عصر النهضة الذي كان إجابة مبكرة ثم تبلور في شكل تنظيمات سياسية ليسد الفراغات التي ظهرت في مشاريع الدول الوطنية (والتي نحتار بعد في تسيمتها بين الوطنية وما بعد الكولونيالية).
لقد ظهر فراغ وجب ردمه بقوة داخلية فكانت حركات الإسلام السياسي، وهي لم ترد بظهورها على خطاب الدولة التنموي الكمي فحسب، بل على تيارات علمانية مجايلة لها قدمت بدورها صيغة واحدة للتقدم وهي محو الهوية التاريخية للشعوب وإحلال هوية بديلة من جنس ما كان يستورد من الغرب من فكر وثقافة ويسيطر على الأكاديميا والإعلام ومؤسسات تشكيل الوعي. وهذا التميز/التموقع سيجعل تيارات الإسلام السياسي في صراع دائم مع الدولة الجديدة ومشروعها ومع التيارات العلمانية التي تزعمت التحديث بنفس الصيغ التي تحتاجها الدول، فيكون تحالف موضوعي وأحيانا مصنوع بقوة الدولة نفسها ضد تعبيرات الإسلام عامة، بما فيها التيارات الدعوة (المسالمة) والسياسية المتحزبة الطامعة إلى المشاركة على قواعد الديمقراطية؛ مع تفصيلات كثيرة عن صراعات الأنظمة العربية البينية تحت شعارات التقدمية ضد الرجعية والتي تقع فلسطين المحتلة في قلبها، وما جرّته من تحالفات خارجية واصطفافات كانت تجري كلها تحت عين الاستعمار غير المباشر وبتحريض منه، فكل صراع داخلي كان يصب في سلة الغرب فيحرض على المزيد منها. والغريب أن كل القوى الخارجية كانت تتفق مع الأنظمة العربية رجعييها وتقدمييها على دعم تصفية تيارات الإسلام السياسي بكل أشكال المَحْق.
الأنظمة المعادية للديمقراطية أوجدت عدوها الضروري
القائلون بأن الإسلام السياسي كان إجابة خاطئة تعطل بناء الديمقراطية؛ يستهينون بالصبر الطويل الذي مارسته هذه الحركات وهي تعلن عن نفسها وترسخ رغبتها في المشاركة بلا مغالبة وتطلب الاعتراف القانوني، مستبعدة بقوة الجنوح إلى العنف المسلح ضد الدول التي ظهرت فيها، ومحرمة بنص الدين القتل أو الفتح الجديد بقوة السلاح. لقد كان القمع المنهجي المستمر منذ الخمسينات سببا لخروج أجنحة منها فقدت الأمل في العمل السياسي السلمي فجنحت إلى القوة، لكنها كانت تُستبعد من التنظيمات الأم تحت فكرة واضحة (لا يتعلق الأمر بفتوحات إسلامية في مجتمعات مسلمة).
لكن هذا الاعتدال والسلمية لم يشفعا لحركات الإسلام السياسي فظلت محل مطاردة دائمة، فهي في دورات متلاحقة من السجون والإفراج ثم السجون، وتربت أجيال منها أمام أبواب السجون تزور معتقليها وتتأسى، وهي تشاهد التيارات العلمانية تحظى بالقبول والتمكين وتشارك في بناء الدولة وتغنم منها مواقع وقوة.
ليست حركات الإسلام السياسي من أعاق بناء الديمقراطية، والمؤرخ المنصف يحسب لها صبرها ومطالباتها السلمية بالمشاركة دون مغالبة، لكن الدول التي تحولت إلى مشاريع استبداد وفشل اقتصادي وعسكري شامل اتخذت منها عدوا تبرر به مواصلة القمع. لذلك وفي كل دورة قمع كانت تبدأ بالإسلاميين ثم تثنّي ببقية التيارات إذا نطقت عبارات المشاركة والديمقراطية؛ ولنا في تجربة بن علي مثال ساطع في ربع قرن. لقد كان القمع سياسية تصدر عن أنظمة الحكم لا عن معارضيها، وبالخصوص لا يمكن أن تتهم بها حركات الإسلام السياسي التي لم تحكم أبدا. لقد كانت الإعاقة الديمقراطية بتعبير تشومكسي صناعة أنظمة استبدادية وكان الإسلاميون ضحاياها، والقول الآن بأن الإسلاميين أعاقوا بناء الديمقراطية هو تحويل النتيجة إلى سبب، أي تحميل الضحية سبب بلائها، وهذه تصنف في الجرائم الفكرية.
وفي فجوة مسروقة من تاريخ القمع العربي صنعتها الشعوب بثورة سلمية حكم الإسلاميون لبرهمة قصيرة من الزمن فكانوا حُماة حرية، وفي حكمهم عرفت الشعوب الذهاب إلى صندوق اقتراع غير مغشوش. وكان ذلك سببا رئيسيا في قمعهم واستعادة الاستبداد بتواطؤ كامل من منظومات حكم فاشلة، ومن قوى غربية تبين أنها العدو الحقيقي لبناء الديمقارطية في الوطن العربي. لقد حمى الإسلاميون الحريات، وهذا في رصيدهم لدهر طويل ولا ينكره إلا موتور.
لكن الديمقرايطة لم تقم بعد
هذا معطى واضع، لكن ليس بسبب وجود إسلاميين في مشهد سياسي عربي بل بسبب الاستبداد المسنود غربيا وصهيونيا. والمسنود داخليا بتيارات العلمانية التي تبين ضعفها الفادح أمام صناديق الاقتراع. ويبدو لنا أن هذه السيرة ستدوم طويلا، حتى بعد الردة على الربيع العربي وفشلها في كل وعودها التنموية. من هنا نرى الدخول على سؤال مختلف. كيف يمكن قطع ذريعة الأنظمة الاستبدادية المنافح الكاذب عن الديمقراطية؟
إن المثابرة على طلب المشاركة بشكل سلمي كما تفعل كل حركات الإسلام السياسي لم يُفض إلى نتيجة، وقد سبق تحريم الثورة المسلحة بحيث لا يمكن تحويل ساحات الدول إلى غزة التي أسست حقها في الكفاح المسلح لأن لها عدوا واضحا لا يُختلف حوله؛ هنا تطرح مناورة فكرية وتنظيمية تحتاج خيالا عبقريا في قيادة العمل الفكري والسياسي دون تنظيمات حزبية تقف على باب سلطة لن تفتح صندوق اقتراع منصف (لأن فيه موتها المحتم)، وقد قالت تجربة الربيع العربي ذلك بوضوح لا لبس فيه.
هل يمكن ممارسة العمل السياسي دون تنظيم حزبي معلن يشارك ويربح وقد يخسر طبقا لقواعد الديمقراطية؟ ألا يُفهم ذلك كمناورة لعمل سري إجرامي؟ كيف تعود تنظيمات الإسلام السياسي إلى حالة من اللاتنظيم وقد بذلت عقودا من حياتها تنظم نفسها وتبني شبكات العمل؟ هل يمكن التخلي عن كل ذلك التراث الذي بذلت فيه أرواح كثيرة؟
ليس لدينا إجابة جاهزة، ولكن لدينا فكرة قد تكون مادة لنقاش طويل وصبور، وفيها ابتكار لا يخلو من عبقرية نعرف أن لها نتيجة مباشرة في مدى منظور. لن تجد الأنظمة عدوها المفضل لتبرر به وجودها وقمعها للشعوب، ولن تجد التيارات العلمانية سببا للبقاء واللغو الحداثي؛ خروج تيار الإسلام السياسي من المشهد اليومي يسقط حجة الأنظمة الاستبدادية في البقاء، ويسقط أحزمة دعمها الأيديولوجي لأنه يسحب من بين يديها المهمة الوحيدة التي تقوم عليها منذ أكثر من نصف قرن. هنا نبدأ البحث عن إجابة مختلفة لا إثبات إجابة خاطئة عن سؤال صواب.

