تقود عُمان تحركًا دبلوماسيًا متواصلًا لمنع انهيار مسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، واضعة أمن الملاحة في مضيق هرمز واحتواء القتال في مقدمة اتصالاتها الإقليمية والدولية خلال اجتماعات نيويورك.
وتضع مسقط ثقلها الدبلوماسي خلف صيغة تقوم على الحوار وحماية حركة التجارة والطاقة، بينما يتزامن تحركها مع رفض دونالد ترامب العرض الإيراني الأخير واستمرار طهران في التمسك بشروطها لإعادة فتح المضيق.
مسقط تتمسك بخيط التفاوض
وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إن المنطقة شهدت حربًا كان يمكن تجنبها، محذرًا من امتداد آثارها إلى أمن الدول وحركة الملاحة.
كما شدد البوسعيدي على أن تعطيل المرور عبر هرمز لا يقتصر أثره على دول الخليج، بل يمتد إلى أسواق الطاقة والأسعار وسلاسل الإمداد والثقة في استقرار النظام الدولي.
وفي الوقت نفسه، أكدت عُمان استمرار العمل لحماية الملاحة في المضيق وفق القانون الدولي، مع دعوة الأطراف المعنية إلى التعاون ومراعاة مصالح الدول التي تعتمد على هذا الممر البحري الحيوي.
ومن جهة أخرى، التقى البوسعيدي نظيره الإيراني عباس عراقجي في نيويورك، وتركزت المحادثات على استمرار الاتصالات الدبلوماسية وبناء الثقة والوصول إلى حلول عملية للقضايا العالقة بين الأطراف.
كذلك تناول اللقاء سلامة الملاحة في مضيق هرمز وضمان حرية المرور بما يدعم التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وهو ملف تعمل مسقط عليه منذ شهور عبر اتصالات متكررة مع طهران.
وسبق ذلك أن ناقشت عُمان وإيران في أغسطس إطارًا مرحليًا لاستئناف الملاحة الآمنة، شمل مقترح إنشاء ممر ملاحي مؤقت ومشروعًا مشتركًا لإزالة الألغام، مع استمرار المفاوضات الفنية بشأن ترتيبات دائمة.
وفي امتداد لهذا المسار، ناقشت مسقط مع عواصم أخرى آثار اضطراب هرمز على أمن الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد، مع تأكيد متكرر على الحلول التوافقية وتخفيف التوتر الإقليمي.
وبالتوازي، حافظت مسقط على قنوات اتصال مع واشنطن، إذ بحث البوسعيدي مع مسؤولين أمريكيين احتواء التصعيد وتهيئة الظروف لاستمرار الجهد الدبلوماسي ومنع اتساع المواجهة في المنطقة.
ولهذا تركز الجهود العُمانية الحالية على إبقاء مسارات الاتصال مفتوحة، مع أولوية لإعادة الملاحة ومنع انتقال الخلاف السياسي إلى تعطيل طويل للمضيق ينعكس على المنطقة والأسواق.
عرض إيراني ينتظر الرد
وفي المقابل، طرحت طهران صيغة تقوم على إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا نفذت واشنطن مجموعة من الشروط، بينها تخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.
كما تضمنت الصيغة وقف القتال على جبهات متعددة والانتقال بعد ذلك إلى مفاوضات أوسع، مع تمسك إيران بأن تبدأ الخطوات الأمريكية أولًا قبل فتح المضيق واستئناف التفاوض.
وإلى جانب ذلك، شملت المطالب الإيرانية تخفيف القيود على صادرات النفط والإفراج عن أصول مجمدة، بينما ربطت طهران أي تقدم سريع بوقف القتال وإعادة ترتيب مسار التفاوض.
ووفق ما أعلنه عراقجي، جرى نقل المقترح إلى الجانب الأمريكي عبر وسطاء، بينما قالت طهران إن الترتيبات التنفيذية يمكن أن تبدأ فور قبول واشنطن الإطار المطروح.
لكن ترامب أعلن رفض المقترح، معتبرًا أن الشروط الإيرانية غير مقبولة، في وقت واصلت طهران القول إنها لم تتلق بعد عبر الوسطاء موقفًا أمريكيًا رسميًا نهائيًا بشأن العرض.
وبعد ذلك، أوضح عراقجي أن إيران تنتظر وصول الرد عبر قنوات الوساطة قبل تحديد خطواتها التالية، مؤكدًا أن إعادة فتح المضيق مرتبطة بتلبية الشروط التي قدمتها بلاده.
وفي الملف النووي، ظهرت روايات متباينة بشأن المخزون عالي التخصيب؛ إذ قال مسؤول إيراني إن طهران ترفض إخراجه، بينما تحدثت تقارير أخرى عن مقترح لتخفيفه ونقله لطرف ثالث.
ومن ناحية أخرى، ربطت طهران العرض الحالي بتفاهمات سابقة تعثرت بعد فترة قصيرة، في محاولة لإحياء مسار تفاوضي سريع يمنع استمرار الحرب ويعيد حركة الملاحة إلى مستويات أكثر انتظامًا.
ومع ذلك، تستمر الضغوط الاقتصادية والعسكرية بالتوازي مع الخلاف التفاوضي، بينما ترى طهران أن فتح المضيق يجب أن يكون نتيجة لاتفاق متبادل لا خطوة منفردة تقدمها قبل تنفيذ شروطها.
قطر وعُمان توسعان الوساطة
وفي مسار موازٍ، تتحرك قطر إلى جانب عُمان للحفاظ على قنوات التفاوض، بعدما لعبت الدوحة دورًا في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن خلال الاتصالات غير المباشرة الأخيرة في نيويورك.
كما شاركت قطر في تمرير المقترح الإيراني إلى الجانب الأمريكي، بينما جرت اتصالات شملت عراقجي والمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ضمن مسعى لتقريب المواقف حول شروط التهدئة.
وفي السياق نفسه، طرحت الدوحة فكرة إطار أمني إقليمي يضم دول الخليج وإيران، يقوم على ضمانات أمنية وتعاون اقتصادي أوسع، في محاولة لبناء ترتيبات تقلل احتمالات عودة المواجهة.
ومن جانبها، تركز عُمان في اتصالاتها على الجانب العملي المرتبط بالملاحة، مستندة إلى موقعها الجغرافي وخبرتها الطويلة في الوساطة، مع إبقاء باب التفاوض السياسي مفتوحًا بين واشنطن وطهران.
وفي المقابل، تتقاطع جهود البلدين عند هدف منع انهيار الاتصال المباشر وغير المباشر، لأن تعثر الوساطة يعيد ملف هرمز إلى دائرة التصعيد العسكري ويزيد الضغوط على التجارة والطاقة.
كذلك يضع استمرار اضطراب الملاحة دول الخليج أمام تحديات تتجاوز الخلاف الأمريكي الإيراني، إذ يرتبط المضيق بتدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد وأمن الموانئ والأسواق المرتبطة بحركة الشحن الدولية.
وعلى المستوى الدولي، تتحرك فرنسا لإعداد مشروع داخل مجلس الأمن يتعلق باستعادة حرية الملاحة في المضيق، بالتنسيق مع واشنطن، وسط مساعٍ للحصول على دعم أوسع داخل المجلس.
وفي موازاة ذلك، يعكس التحرك الدولي اتساع القلق من بقاء هرمز ورقة ضغط عسكرية واقتصادية، فيما تسعى الوساطات الخليجية إلى إبقاء الحل السياسي سابقًا لأي ترتيبات أكثر تصعيدًا.
وفي النهاية، يظل نجاح التحرك العُماني مرتبطًا بقدرة الأطراف على تحويل الرسائل المتبادلة إلى التزامات عملية، بينما تبقى مسقط متمسكة بالتفاوض كوسيلة لمنع اتساع الحرب وإعادة فتح هرمز.

