يبدأ الحاج متولي، 64 عامًا، يومه أمام صيدليات الإسكندرية باحثًا عن دواء الغدة لجرعته المعتادة، ثم يعود إلى منزله بروشتته المجعدة والعبارة نفسها التي بات يسمعها باستمرار: الدواء غير متوفر ولا بديله.

 

ويحوّل اختفاء بعض الأصناف وارتفاع أسعار أخرى رحلة العلاج إلى استنزاف يومي لمرضى الأمراض المزمنة، بينما تتسع الفجوة بين حديث الاستقرار الرسمي وتجربة أسر تبحث عن جرعة لا تحتمل التأجيل أو الانتظار.

 

 

النواقص تحاصر مرضى الأمراض المزمنة

 

وفي الصيدليات، لم تعد الشكاوى تدور حول مستحضر مستورد نادر فقط، بل تمتد إلى أدوية للضغط والسكر والجهاز التنفسي والهضمي والمناعة والهرمونات، بما يجعل النقص أكثر التصاقًا بحياة الأسر اليومية.

 

كما تتضاعف القسوة حين يتعلق الأمر بأدوية لا يملك المريض رفاهية وقفها، لأن تأخر الجرعة قد يحول نقص العبوة من أزمة سوق إلى خطر صحي مباشر لا تعالجه بيانات التطمين.

 

وبينما رصد المركز المصري للحق في الدواء في سبتمبر 2026 صعوبة الحصول على أصناف حيوية، حذر من اتساع الأزمة قبل الشتاء، مؤكدًا أن حق المريض يبدأ بتوافر العلاج في المكان والوقت المناسبين.

 

ويقول محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء، إن استمرار نقص الأدوية لا يمكن اختزاله في السعر، لأن المشكلة تبدأ حين يفقد المريض القدرة على العثور على المستحضر أصلًا.

 

ويضيف فؤاد أن اعتماد الصناعة على نسبة كبيرة من المواد الخام المستوردة يجعل انتظام الإنتاج مرتبطًا بتدبير العملة الأجنبية، بينما يترك غياب خريطة واضحة للنواقص المرضى يدورون بين الصيدليات بحثًا عن جرعاتهم.

 

وفي المقابل، تتحول البدائل من حل نظري إلى مأزق عملي حين تكون غير متوافرة، أو تحتاج إلى مراجعة الطبيب، أو تأتي بسعر أعلى لا تستطيع الأسر محدودة الدخل استيعابه.

 

ولهذا تصبح قصة متولي وزوجته، التي تحتاج إلى الإنسولين، صورة لخلل أوسع؛ فالمعاش المحدود لا يواجه ارتفاع الطعام والفواتير فقط، بل يتحمل أيضًا تكلفة البحث عن علاج قد لا يُعثر عليه.

 

ثم تظهر فاتورة أخرى غير مكتوبة على علبة الدواء، تشمل الانتقال بين الأحياء والمحافظات، والانتظار أمام المنافذ المركزية، وخسارة ساعات العمل، وربما شراء المستحضر من قناة غير رسمية بأسعار أعلى.

 

 

الصيدليات تدفع ثمن اختناقات التوريد

 

وفي الصيدليات الصغيرة، يتلقى الصيدلي غضب المريض بينما لا يملك هو الآخر مخزونًا كافيًا، فتتحول واجهة البيع إلى نقطة احتكاك بين طرفين يدفعان معًا ثمن اختناقات التوريد والتسعير والتوزيع.

 

كما يقول صيادلة إن بعض الموزعين يربطون الحصول على أصناف مطلوبة بشراء منتجات أخرى، ما يحمّل الصيدليات الصغيرة أعباء إضافية ويضعف قدرتها على الاحتفاظ بمخزون منتظم من الأدوية الضرورية.

 

ويؤكد محمد أنسي الشافعي، نقيب صيادلة الإسكندرية، أن القرارات المنظمة لسوق الدواء يجب أن تراعي التركيبة والاستخدام العلاجي الفعلي، لأن الإجراءات غير المحسوبة يمكن أن تنعكس على توافر بعض المستحضرات.

 

وفي الميدان، تبدو المشكلة أبعد من خلاف مهني؛ فالصيدلي مطالب بتوفير الدواء بالسعر الجبري، لكنه يواجه تشغيلات بأسعار مختلفة وكميات محدودة ومريضًا لا يعنيه تفسير السلسلة بقدر ما يعنيه العثور على علاجه.

 

وبالتزامن، تؤدي اختناقات التوريد إلى دفع المرضى نحو السلاسل الكبرى أو المنافذ المركزية، وهو ما يترك الصيدليات الأصغر أمام طلب متزايد وقدرة أقل على الحصول على الأصناف التي يبحث عنها الجمهور.

 

ومن ناحية أخرى، يفتح نقص بعض الأدوية بابًا لسوق غير رسمية لا تضمن ظروف التخزين أو مصدر العبوة، بينما يدفع اليأس بعض الأسر لقبول سعر مضاعف بدل العودة مرة أخرى بلا علاج.

 

ولهذا لا يصبح الصيدلي مجرد بائع في الأزمة، بل شاهدًا يوميًا على تراجع القدرة الشرائية، وعلى أسر تقسم الروشتة إلى نصفين، فتشتري الأهم وتؤجل دواء آخر لأن المال لا يكفي.

 

وفي الجيزة، تلخص أمل عبد المجيد هذه المعادلة حين تعيد ترتيب ميزانية أسرتها كلما مرض أحد أطفالها، بعدما اضطرت إلى شراء بديل لدواء تنفسي بسعر يقارب ضعف السعر المعتاد.

 

وبذلك يتحول السؤال من أي دواء يحتاجه المريض إلى أي احتياج ستتخلى عنه الأسرة مقابله، في معادلة تجعل العلاج منافسًا للطعام والمواصلات وفواتير المنزل بدل أن يكون حقًا صحيًا مضمونًا.

 

 

التسعير والتوريد يضغطان على العلاج

 

وفي خلفية النقص، تتراكم ضغوط مالية داخل منظومة الشراء والتوريد للمستشفيات، حيث يمكن لتأخر المستحقات أو اضطراب التدفقات المالية أن ينعكس سريعًا على انتظام وصول الأدوية والمستلزمات إلى الجهات الحكومية.

 

كما أن أي تعطل داخل المستشفى لا يعني مجرد زيارة صيدلية أخرى، لأن بعض الأدوية مرتبطة بجراحة أو علاج أورام أو حالة حرجة، وتأخيرها قد يبدل المسار الطبي بالكامل.

 

ويقول محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، إن نظام التسعير الحالي يستند إلى قواعد قديمة، بينما أصبحت الطاقة والنقل والتغليف وسعر الصرف عوامل تضغط بقوة على تكلفة الإنتاج.

 

ويضيف رمزي أن ربط التسعير بعامل واحد لا يستوعب المتغيرات التي تواجه الصناعة، وهو ما يضع بعض الأصناف منخفضة السعر أمام معادلة إنتاج لا تغطي تكلفتها بصورة واقعية.

 

وفي هذه المعادلة، تصبح زيادة الأسعار وحدها وصفة ناقصة، لأن المريض قد يتحمل السعر الجديد ثم يكتشف أن العبوة غير موجودة، بينما تبقى أسباب النقص في الإنتاج أو التوزيع أو التوريد قائمة.

 

كما تظهر المفارقة حين تمتلك مصر قاعدة تصنيع كبيرة، لكن نسبة معتبرة من مدخلات الإنتاج تأتي من الخارج، فتظل الصناعة المحلية معرضة لاضطرابات سعر الصرف وتكاليف الشحن وتدبير العملة الأجنبية.

 

ومن ثم لا يكفي اتساع عدد المصانع أو خطوط الإنتاج إذا ظل المريض يبحث عن دوائه بين عشر صيدليات، لأن نجاح الصناعة يقاس في النهاية بوصول العبوة للمحتاج إليها دون رحلة بحث شاقة.

 

وفي الوقت نفسه، تحتاج السوق إلى قوائم دورية واضحة بالنواقص والبدائل المعتمدة وأماكن التوافر، حتى لا يبقى المريض أسير سؤال يومي يجيب عنه كل صيدلي بطريقة مختلفة.

 

وبالنسبة لمرضى المحافظات، تبدو صيدليات الإسعاف والمنافذ المركزية حلًا ناقصًا حين يتطلب الحصول على عبوة سفرًا إلى القاهرة، وانتظارًا طويلًا، ثم العودة أحيانًا بكمية أقل من الاحتياج.

 

وأخيرًا، تضع أزمة الدواء الدولة أمام اختبار لا تقيسه بيانات الإنتاج ولا أرقام المصانع وحدها، بل تقيسه قدرة مريض الغدة والسكري والأورام على الحصول على جرعته وقت الحاجة وبسعر يمكن احتماله.

 

وفي النهاية، يظل المواطن الطرف الذي يدفع كل الفواتير معًا: زيادة السعر، ونقص التوريد، وتكلفة الانتقال، ووقت البحث، بينما قد يدفع الثمن الأكبر حين يتحول تأخر الدواء إلى تدهور صحي كان يمكن تجنبه.