ياسين التميمي

كاتب صحفي وباحث سياسي يمني

 

الدعوة إلى التعبئة العامة والنفير العام في اليمن، مؤشر مهم من جملة مؤشرات عديدة وحاسمة تؤكد أن مسار الحرب في اليمن قد يمضي هذه المرة باتجاه أهدافه الصحيحة والمؤجلة، وفي طليعتها استعادة الدولة، وتصفير التسويات والهدن والتنازلات، وذلك استنادًا إلى قناعة سعودية غابت طيلة السنوات الماضية، وساهمت في منح الحوثيين فرصًا هائلة للتموضع والتوسع وتعزيز البنية التسليحية والحشد المثابر للموارد البشرية، على أن الرياض حرصت على تمرير رسالتين مهمتين في خطاب رئيس مجلس القيادة اليمني ودعوته للتعبئة والنفير العام.

 

ومن أهم المؤشرات التي تؤازر دعوة الرئيس العليمي للتعبئة العامة، البيان الصادر عن مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، الشيخ صالح فوزان الفوزان، الذي وصف فيه جماعة الحوثي بأنها "فرقة ضالة وجماعة منحرفة" و"عصابة شر ودسيسة الأعداء"، ودعا إلى "الجهاد والتصدي الحازم للجماعة". يضاف إلى هذا الموقف، الاجتماع الطارئ لرؤساء هيئات الأركان العامة وقادة الجيوش للدول الأطراف في "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، الذي عُقد في العاصمة السعودية، وأعلن فيه قادة الجيوش للبلدان الثلاثة: السعودية وباكستان وتركيا، "عزمهم المشترك على البدء الفوري في ترجمة الالتزامات السياسية الواردة في اتفاقية مكة إلى تعاون عسكري وميداني فعّال على الأرض".

 

المتابع لطبيعة الأداء السعودي في الساحة اليمنية، يعرف جيدًا أنه لا يمكن لرئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد العليمي، أن يدعو من الرياض للتعبئة والنفير العام، في أول خطوة حقيقية وملموسة لتأكيد خيار الحرب الشاملة في مواجهة التصعيد الحوثي، دون ضوء أخضر سعودي أملته حاجة الرياض لتوجيه مسار الحرب نحو أهدافها اليمنية، في مقابل إصرار حوثي وإيراني على تنميط هذه الحرب بصفتها مواجهة بين اليمن والسعودية، وهو خطاب يكاد يثبت هذه السردية كقناعة لدى شريحة واسعة من المجتمع العربي.

 

وقد مررت الرياض رسالتين مهمتين، الأولى تتعلق بالقضية الجنوبية، والأخرى تتعلق بتوسيع نطاق التدخل الدولي في الحرب. في الرسالة الأولى أكد الرئيس العليمي باسمه وباسم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة؛ الالتزام الكامل بما سيفضي إليه الحوار الجنوبي- الجنوبي الذي ترعاه المملكة العربية السعودية، وبما يضمن حلًا عادلًا وشاملًا للقضية الجنوبية، بدعوى "أن المحافظات الجنوبية تحملت أعباءً كبيرة وقدمت تضحيات جسيمة في سبيل استعادة الدولة ومواجهة المشروع الانقلابي"، مما يستوجب حسب قوله "الوفاء الكامل لأبناء الجنوب واستحقاقاتهم الوطنية".

 

وهذا المنطق الذي يغفل أن التضحيات دفعها اليمنيون جميعًا؛ إن لم يكن مبرره سلامة الجبهة الداخلية للشرعية، في حرب تستهدف دحر الحوثيين وإنهاء مشروعهم، فإنه سوف يتحول إلى خديعة كبرى، يتم تمريرها في صخب التعبئة العامة والنفير العام، إذ يجري تسليم الجنوب إلى العهدة السعودية دون قيد أو شرط.

 

على أن الرسالة الأكثر أهمية التي مُررت عبر خطاب الرئيس رشاد العليمي، هي دعوته "الدول الشقيقة والصديقة التي تريد الاستقرار في اليمن والبحر الأحمر والمنطقة والعالم" إلى "الوقوف إلى جانب الشعب اليمني وحكومته وقواته المسلحة ومساندة التحالف بقيادة المملكة لتخليص بلادنا من المليشيات الحوثية الإرهابية"، لأن استعادة مؤسسات الدولة كما قال الرئيس العليمي، "ليست مصلحةً يمنية فقط، بل مصلحة لكل دول المنطقة والعالم". وتكمن أهمية هذه الدعوة التي تم تمريرها في صخب النفير العام، في أنها قد تفتح المجال لتدخل عسكري دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، في اليمن، وهذا قد يكون له صلة وثيقة بالاتصال النادر الذي أجراه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس رشاد العليمي قبل أكثر من أسبوع.

 

الدعوة إلى التعبئة العامة والنفير العام وإعلان الحرب من قبل القيادة اليمنية تأخرت كثيرًا، إلى درجة أن المقاومة الشعبية كانت سابقة إلى هذه الدعوة. ومع ذلك أحدث خطاب الرئيس العليمي ودعوته للنفير العام ارتياحًا واسعًا لدى معظم اليمنيين، في حين قوبل بردود أفعال سلبية من قبل الحوثيين ومن قبل المحسوبين على المجلس الانتقالي (انفصالي منحل)، قد تنعكس سلبًا على قابلية القوات المحسوبة على هذا التيار في التفاعل والانخراط في النفير العام، لأن التيار الانفصالي يتبنى مقاربةً ثأرية ترى في التصعيد الحوثي ضغطًا مستحقًا على المملكة التي أفشلت خطة الانتقالي العسكرية للانفصال، بعد هجوم واسع شنته قواته في الثالث من ديسمبر 2025