ارتفعت أسعار الأجبان بنحو 20% خلال شهرين أو ثلاثة، بينما تتسع موجة الغلاء في الغذاء، لتدفع الأسر ثمن خامات أغلى ودولار أقوى وسوق محلية شديدة الحساسية لأي صدمة خارجية.

 

وفي المقابل، يضع تبرير الزيادة بالعوامل العالمية وحدها جانبًا من الصورة، لأن تكلفة الغذاء في مصر تتحرك أيضًا مع سعر الصرف، وهيكل الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، وتراجع القوة الشرائية.

 

 

الأسعار العالمية ليست القصة كاملة

 

وفي هذا السياق، قال محمد الدماطي، نائب رئيس غرفة الصناعات الغذائية، إن طن اللبن البودرة صعد من نطاق 2400 و2600 دولار مطلع العام إلى أكثر من 3600 دولار حاليًا.

 

كما أرجع الدماطي ارتفاع الجبن إلى صعود اللبن البودرة والبروتين والألبان الطبيعية، بالتوازي مع زيادة تكاليف الزيوت والسكر والقمح ومركزات العصائر والتعبئة والتغليف والشحن المرتبط بتقلبات الطاقة.

 

ومع ذلك، فإن حركة الأسعار العالمية لا تفسر وحدها حجم الضغط على المستهلك المصري، إذ ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمي 1.9% في أغسطس و2.5% فقط على أساس سنوي.

 

وعلاوة على ذلك، سجل مؤشر الألبان العالمي زيادة شهرية 2.3% في أغسطس، بينما بقي أقل 21.7% من مستواه قبل عام، ما يجعل تمرير الزيادة المحلية بحاجة إلى قراءة أوسع.

 

وفي الوقت نفسه، ارتفع القمح عالميًا 2.6% خلال أغسطس وكان أعلى 15% عن العام السابق، وهي ضغوط حقيقية، لكنها تصطدم محليًا بعملة أضعف واعتماد كبير على الخامات المستوردة.

 

ومن جهته، يرى الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين الأسبق، أن المشكلة أعمق من صدمة خارجية عابرة، وترتبط بهشاشة بنيوية أصابت الاقتصاد المصري.

 

وبحسب عبد الخالق، فإن تراجع الوزن الإنتاجي وتصفية كيانات صناعية والاعتماد المفرط على التدفقات الخارجية أضعف قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وجعل ارتفاعات الخارج تنتقل إلى الداخل بسرعة أكبر.

 

ومن ثم، يصبح وصف الجميع بأنهم في مركب واحدة غير كافٍ لتفسير توزيع الفاتورة، لأن المستهلك محدود الدخل لا يملك أدوات تحوط من الدولار أو الشحن أو تغير الخامات.

 

ولهذا، تتحول أي زيادة في مدخل مستورد إلى عبء مضاعف عندما تدخل سوقًا محلية أنهكتها موجات تضخم متتالية، وأصبحت فيها مساحة الأسر لامتصاص ارتفاع جديد أضيق من السابق.

 

 

الدولار يضخم فاتورة كل عبوة

 

وفي الجانب المحلي، يبرز سعر الصرف كعامل مباشر لا يمكن وضعه خارج الحسابات، بعدما تحرك الدولار من مستويات 46 و47 جنيهًا مطلع العام إلى نحو 52 جنيهًا.

 

وبالتالي، لا تدفع الشركات زيادة سعر الخام بالدولار فقط، بل تدفع أيضًا تكلفة شراء الدولار نفسه بسعر أعلى، وهو ما يرفع القيمة بالجنيه قبل إضافة النقل والطاقة والعبوات.

 

وفي أغسطس، سجل التضخم الحضري السنوي 14.5% والتضخم الأساسي 14.9%، بما يعني أن الأسعار العامة ما زالت ترتفع رغم تباطؤ المعدلات مقارنة بفترات سابقة.

 

ومن ناحية أخرى، أشار الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب عن حزب العدل، إلى أن ضعف القوة الشرائية أصبح عاملًا يحد من قدرة الأسواق على تمرير زيادات بلا سقف.

 

وبحسب فؤاد، فإن استمرار الفائدة المرتفعة يضغط كذلك على الموازنة والنشاط الاقتصادي، بينما يظل سعر الصرف والطاقة والفائدة ملفات مترابطة تحدد قدرة الاقتصاد على احتواء موجات الغلاء.

 

وفي تقدير فؤاد، لا يكفي الاكتفاء ببرنامج اقتصاد كلي يركز على سعر الصرف والتضخم ورفع دعم المحروقات، بل تحتاج مصر برنامج إصلاح وطني ينطلق من الأبعاد الاجتماعية والإنتاجية.

 

ومع ذلك، يظل المستهلك الحلقة الأضعف؛ فالشركة تستطيع إعادة التسعير، والمستورد يستطيع تحميل جزء من التكلفة، بينما الأسرة التي لم ترتفع دخولها بالنسبة نفسها تضطر إلى تقليص الكميات.

 

وفوق ذلك، فإن ارتفاع مواد التعبئة المرتبطة بالنفط يعني أن السلعة الغذائية لا تحمل فقط تكلفة مكوناتها، بل تتراكم فوقها فاتورة البلاستيك والطاقة والنقل والتمويل وسعر العملة.

 

وعليه، فإن اختزال المشهد في عبارة «الزيادات خارج أيدينا» يتجاهل أن إدارة سعر الصرف، وعبء الديون، وترتيب الإنفاق العام، وسياسات الحماية الاجتماعية كلها عوامل محلية تؤثر في النتيجة.

 

 

الاستيراد يحول الصدمات إلى غلاء

 

وفي العمق، تكشف أزمة الجبن مسألة أكبر تتعلق بدرجة اعتماد الصناعة الغذائية على خامات ومدخلات مستوردة، بما يجعل كل اضطراب خارجي قادرًا على الوصول سريعًا إلى رفوف المتاجر.

 

ومن هنا، لا يصبح السؤال فقط لماذا ارتفع اللبن البودرة عالميًا، بل لماذا يظل تأثير ارتفاعه بهذه القوة على منتج أساسي في سوق يضم قاعدة زراعية وصناعية واسعة.

 

وفي هذا الإطار، يرى الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي والوكيل السابق لوزارة التجارة الخارجية للبحوث الاقتصادية، أن الاعتماد على الخارج يظل حاضرًا بقوة في مدخلات الصناعة والزراعة.

 

وبحسب عبد المطلب، فإن ارتفاع تكلفة الزراعة وضعف الحوافز المحلية أبقيا التوسع في إنتاج القمح دون الطموحات، بينما لا تدفع السياسات القائمة بما يكفي نحو تقليص الاعتماد على الاستيراد.

 

وبالمنطق نفسه، فإن استمرار الاعتماد على اللبن البودرة والزيوت والخامات الوسيطة يجعل الأمن الغذائي أكثر ارتباطًا بالدولار والموانئ والمضايق وأسعار النفط، بدل ارتباطه بتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي.

 

وفي المقابل، لا يعني ذلك تجاهل الحرب أو اضطرابات الشحن؛ فمنظمة الأغذية والزراعة ربطت ارتفاع أسعار أغسطس بمخاطر الطقس والتوترات الجيوسياسية واضطراب مسارات التجارة في البحر الأسود والشرق الأوسط.

 

لكن الفارق، مع ذلك، يتحدد في قدرة كل اقتصاد على امتصاص الصدمة، فالدول ذات الإنتاج المحلي الأوسع والعملات الأكثر استقرارًا تستطيع تخفيف انتقال الزيادة إلى المستهلك بدرجة أكبر.

 

ولهذا، فإن وصول الجبن إلى زيادة 20% خلال فترة قصيرة يصبح مؤشرًا على هشاشة الحلقة بين الاستيراد والتصنيع والدخل، لا مجرد رقم يمكن إرجاعه إلى الخارج ثم إغلاق النقاش.

 

وفي الوقت نفسه، يقر الدماطي نفسه بأن القوة الشرائية للمستهلكين تثير القلق لدى المنتجين، لأن استمرار الغلاء يضغط الطلب ويهدد نمو السوق، حتى لو كانت الشركات قادرة على تبرير التكلفة.

 

ومن ثم، تدخل السوق دائرة ضيقة؛ خامات أغلى ترفع السعر، وسعر أعلى يضعف الطلب، وطلب أضعف يقلص فرص التوسع، بينما يبقى علاج جذور الاعتماد على الخارج أبطأ من موجات الزيادة.

 

وفي النهاية، لا تلغي الأزمات الدولية مسؤولية السياسات المحلية عن تخفيف أثرها، كما لا تلغي زيادة التكلفة حق الشركات في حماية استمرارية الإنتاج، لكن الفاتورة لا ينبغي أن تستقر دائمًا عند المستهلك.

 

وبالتالي، فإن اختبار أي سياسة غذائية جادة يبدأ من تقليل حساسية السوق للدولار، وتعميق الإنتاج المحلي، وضبط حلقات التسعير، وحماية الدخول، حتى لا تتحول كل أزمة عالمية إلى موجة غلاء مصرية.