مرّت الأحد 27 سبتمبر 2026 الذكرى الأولى لانطلاق احتجاجات جيل زد في المغرب، بينما تبدو الساحات أكثر هدوءًا، لكن الملفات التي دفعت آلاف الشباب إلى الشارع ما زالت حاضرة بين البطالة وضعف الخدمات والتفاوتات الاجتماعية ومحدودية الثقة في المؤسسات.

 

وتعيد الذكرى فتح الأسئلة حول ما إذا كان توقف المسيرات يعني انتهاء الظاهرة، أم أن الحراك انتقل من الشارع إلى مساحة أوسع تتصل بالانتخابات والهجرة وفرص العمل وقدرة السياسات العامة على معالجة الإحباط المتراكم.

 

 

من ديسكورد إلى الشارع المغربي

 

وفي 27 سبتمبر 2025، خرجت تظاهرات في الدار البيضاء والرباط ومراكش ومكناس وأغادير، استجابة لدعوات نشرتها مجموعة شبابية حملت اسم جيل زد 212، وقدمت نفسها باعتبارها مساحة مستقلة للنقاش والتنظيم.

 

ومنذ الأيام الأولى، تمحورت المطالب حول تحسين الصحة والتعليم ومحاربة الفساد وتوسيع فرص العمل، إلى جانب مطالب سياسية شملت رحيل الحكومة، بينما حاول المنظمون التأكيد على استقلالهم عن الأحزاب والتيارات التقليدية.

 

ومع اتساع الاحتجاجات، شهدت بعض المناطق أعمال عنف وتخريب خلال ليلتين، وسقط ثلاثة قتلى قرب أغادير، بينما أعلنت النيابة العامة في 29 أكتوبر 2025 ملاحقة 2480 شخصًا قضائيًا على خلفية الأحداث المرتبطة بالتظاهرات.

 

وفي المقابل، قالت منظمات حقوقية إن جانبًا من الاعتقالات شمل مشاركين في تجمعات سلمية، وطالبت بتحقيقات مستقلة في استخدام القوة، بينما أكدت السلطات أن تدخلاتها استهدفت حماية الأمن والتعامل مع أعمال العنف والتخريب.

 

وعند مقارنتها بمحطات سابقة، جاءت الحركة بعد سنوات من احتجاجات 20 فبراير في 2011 وحراك الريف في 2017، لكنها اختلفت عنهما في اعتمادها الكبير على أدوات رقمية وتنظيم شبابي أقل ارتباطًا بالهياكل التقليدية.

 

وبعد أسبوعين من التحركات اليومية، عدلت المجموعة إيقاع الاحتجاجات، فأوقفتها مؤقتًا ثم اتجهت إلى تنظيمها أسبوعيًا، قبل أن تعلن في نوفمبر 2025 انتهاء ما وصفته بالفصل الأول والاستعداد لمرحلة جديدة.

 

وبذلك، لم يكن التراجع الميداني إعلانًا صريحًا عن إنهاء المشروع الاحتجاجي، بل قدمته المجموعة باعتباره فترة لإعادة التنظيم والتقييم، وهو ما أبقى احتمال عودة النشاط حاضرًا رغم غياب المظاهرات الواسعة لاحقًا.

 

وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي عز الدين العزماني أن الفعل الاحتجاجي المباشر انتهى، لكن الشروط الاجتماعية والسياسية التي أوجدته لم تختف، بما يجعل جيل زد ظاهرة أوسع من مجرد موجة تظاهر محدودة زمنيًا.

 

 

البطالة والخدمات تبقي الأسئلة مفتوحة

 

ومن ناحية أخرى، تظل البطالة بين الشباب واحدة من أكثر الملفات ضغطًا، إذ بلغ معدلها لدى الفئة من 15 إلى 24 عامًا 37.3% خلال 2025، مع استمرار صعوبة انتقال التعليم إلى فرص عمل مستقرة.

 

وفوق ذلك، تشير بيانات دولية إلى أن نحو ربع الشباب كانوا خارج العمل والتعليم والتدريب خلال الربع الثالث من 2025، بما يعكس اتساع شريحة تواجه انسدادًا في مسارات الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

 

وفي الوقت نفسه، رفعت الدولة مخصصات الصحة والتعليم في ميزانية 2026 إلى 140 مليار درهم، مع أكثر من 27 ألف وظيفة جديدة للقطاعين، في زيادة مالية جاءت بعد موجة الاحتجاجات الاجتماعية الواسعة.

 

ومع ذلك، لا تعني زيادة الإنفاق بالضرورة انتهاء الأزمة، إذ تشير تقييمات اقتصادية إلى استمرار نقص الكوادر الطبية وضعف نتائج التعلم والتفاوتات بين المناطق، إلى جانب تحديات تتعلق بكفاءة تنفيذ الميزانيات وفعالية الإدارة.

 

ولهذا، يعتبر الباحث محمد علال الفجري أن زيادة الموارد خطوة مهمة لكنها غير كافية منفردة، مشددًا على أن الفجوات في القرى وضواحي المدن تحتاج تنفيذًا أكثر كفاءة وربطًا بين التمويل والنتائج.

 

وبالمثل، يربط العزماني بين حضور جيل زد وبين قضايا الشغل والسكن والصحة والتعليم، معتبرًا أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بالاحتجاج، بل بعلاقة جيل كامل بالمؤسسات وفرص المستقبل والتمثيل السياسي.

 

ومن جهة أخرى، تضع صعوبة حصول الخريجين على وظائف مستقرة قيمة الشهادة نفسها تحت ضغط اجتماعي، خصوصًا لدى شباب استثمروا سنوات في التعليم ثم وجدوا أن الانتقال إلى سوق العمل لا يسير بالسرعة المتوقعة.

 

ومن ثم، تصبح الهجرة جزءًا من المشهد نفسه، إذ ينظر بعض الباحثين إلى محاولات الشباب الوصول إلى سبتة باعتبارها مؤشرًا على أزمة توقعات، لا مجرد حركة انتقال جغرافي بحثًا عن فرصة اقتصادية.

 

 

هدوء الاحتجاج لا يعني النهاية

 

وعلى المستوى التنظيمي، واجهت الحركة نقاط ضعف ارتبطت بغياب قيادة معلنة وهوية تنظيمية واضحة، وهو اختيار برره ناشطون بالخوف من الملاحقات، لكنه صعّب بناء هياكل مستقرة وتحديد مسؤوليات سياسية معروفة.

 

كما ساهمت المسافة التي حافظت عليها المجموعة عن الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية القائمة في حماية صورتها المستقلة، لكنها قللت في المقابل من قدرتها على تحويل الزخم الشعبي إلى قنوات تفاوض وتمثيل مستمرة.

 

وفي المقابل، منح التنظيم الرقمي عبر ديسكورد ومنصات التواصل الحركة قدرة كبيرة على الحشد السريع، وأظهر أن أدوات التعبئة لدى الأجيال الأصغر لم تعد تعتمد حصريًا على الهياكل الحزبية أو النقابية التقليدية.

 

وبناء على ذلك، يظل احتمال عودة أشكال جديدة من التعبئة قائمًا، خصوصًا إذا استمرت البطالة والتفاوتات المجالية ومشكلات الخدمات، لكن توقيت هذه العودة وطبيعتها يظلان غير قابلين للجزم أو التنبؤ المسبق.

 

وفي الوقت ذاته، يبقى ملف الموقوفين والمحاكمات جزءًا من إرث الاحتجاجات، وهو ملف يواصل إثارة مطالب حقوقية بالمراجعة والإفراج عن المحتجزين بسبب المشاركة السلمية، مع بقاء القضايا المرتبطة بالعنف خاضعة للمسار القضائي.

 

وفي المقابل أيضًا، تملك المؤسسات فرصة لخفض دوافع الاحتقان عبر تحويل الزيادات المالية إلى خدمات ملموسة، وتوسيع فرص العمل، وتحسين الوصول إلى الرعاية والتعليم، وفتح قنوات أكثر فاعلية لمشاركة الشباب في القرار العام.

 

ولهذا، تبدو المعارضة كذلك أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحويل مطالب الشباب إلى ملفات قابلة للنقاش والتنفيذ داخل المؤسسات، بدل الاكتفاء بمواكبة الغضب بعد اندلاعه أو توظيفه في لحظات التوتر.

 

وفي النهاية، لا تختصر الذكرى الأولى قصة جيل زد في سؤال اختفاء التظاهرات، لأن هدوء الشارع لا يلغي جذور الاحتجاج، فيما ستتحدد دلالات التجربة بمدى معالجة الأسباب التي أطلقتها قبل عام.