قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن الدول الأوروبية تمضي في مسار متسارع لتعزيز قدراتها العسكرية، معتبراً أن زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع عمليات التسليح تعكس استعداداً لمواجهة عسكرية محتملة مع موسكو.
وجاءت تصريحات لافروف في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التوتر بين روسيا والدول الأوروبية، بالتزامن مع تحركات غربية لتعزيز الإنفاق الدفاعي ودعم أوكرانيا عسكرياً. وتظهر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن الإنفاق العسكري في أوروبا ارتفع بنسبة 14% خلال عام 2025، بينما واصلت دول أوروبية عديدة زيادة موازناتها الدفاعية.
وفي المقابل، تقول دول أوروبية إن تعزيز قدراتها العسكرية يرتبط بتطورات الحرب في أوكرانيا والمخاوف الأمنية في القارة، بينما تنفي تقارير حديثة وجود مؤشرات على استعداد أوروبي لشن هجوم عسكري مباشر على روسيا، وتتركز المخاوف الأوروبية المعلنة بدرجة أكبر على التهديدات الهجينة والهجمات السيبرانية والتخريب.
أوروبا ترفع الإنفاق الدفاعي
ركز لافروف في حديثه على التحولات التي تشهدها السياسة الدفاعية الأوروبية، معتبراً أن زيادة الإنفاق على الأسلحة والمعدات العسكرية تتجاوز مجرد دعم أوكرانيا، وتمثل، من وجهة نظر موسكو، استعداداً أوسع لمواجهة روسيا.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه القارة الأوروبية بالفعل زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري. ووفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري الأوروبي نحو 864 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 14% عن العام السابق، بينما ارتفع إنفاق أعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبيين إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود.
كما ارتفع الإنفاق العسكري الألماني بنسبة 24% خلال العام نفسه ليصل إلى نحو 114 مليار دولار، في حين زاد الإنفاق الإسباني بنسبة 50% إلى 40.2 مليار دولار، بحسب البيانات ذاتها.
وتربط المؤسسات الأوروبية هذه الزيادة بالحرب الدائرة في أوكرانيا والحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، إلى جانب الضغوط داخل حلف شمال الأطلسي لرفع مساهمات الدول الأعضاء.
وكانت المفوضية الأوروبية قد أكدت، في سبتمبر 2026، أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن التحولات الأمنية التي تشهدها القارة تفرض تعزيز الاستعدادات الدفاعية.
لكن موسكو تقرأ هذه التطورات بصورة مختلفة، إذ ترى أن تراكم الاستثمارات العسكرية وشراء الأسلحة وتوسيع الصناعات الدفاعية الأوروبية يشكل تحولاً استراتيجياً طويل الأمد.
موسكو تشدد شروط بيع إس 400
وفي ملف التسليح الروسي، أشار لافروف إلى أن موسكو ستتعامل بحذر مع أي طلبات مستقبلية للحصول على منظومات الدفاع الجوي الروسية «إس 400».
وبحسب تصريحاته، فإن روسيا تريد الحصول على ضمانات صارمة قبل إتمام أي صفقة من هذا النوع، خصوصاً ما يتعلق بعدم إعادة تصدير المنظومات أو نقلها إلى جهات أخرى يمكن أن تستخدمها ضد المصالح الروسية.
ويعكس هذا الموقف حساسية موسكو المتزايدة تجاه ملف صادرات الأسلحة، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا واتساع نطاق العقوبات والقيود الغربية المفروضة على روسيا.
وتنظر موسكو إلى منظومة «إس 400» باعتبارها واحدة من أبرز أنظمة الدفاع الجوي الروسية، ولذلك يمثل التحكم في وجهتها النهائية جزءاً من الاعتبارات الأمنية المرتبطة بأي صفقة تصدير.
ولا تقتصر تداعيات الحرب على العمليات العسكرية داخل الأراضي الأوكرانية، بل امتدت إلى سوق السلاح العالمي، مع إعادة دول عديدة تقييم احتياجاتها الدفاعية وزيادة مشترياتها من أنظمة الدفاع الجوي والطائرات والصواريخ والذخائر.
لافروف يتحدث عن الملف السوري
وانتقل وزير الخارجية الروسي في تصريحاته إلى الأوضاع في سوريا، متحدثاً عن علاقات موسكو بالقوى الكردية، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية «قسد».
وقال لافروف إن روسيا تحافظ على علاقات مع مختلف الحركات الكردية، مشيراً إلى دعم موسكو للتفاهم بين الأكراد والحكومة السورية بهدف تثبيت الاستقرار في مناطق شمال شرق البلاد.
ويأتي هذا الموقف ضمن السياسة الروسية تجاه الملف السوري، حيث تسعى موسكو إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متعددة داخل المشهد السوري، بالتوازي مع علاقاتها مع الحكومة في دمشق.
كما رفض لافروف، وفق ما ورد في تصريحاته، المقارنات المتعلقة بوضع اللغة الكردية في سوريا وما وصفه بالممارسات القومية في أوكرانيا.
وتبقى القضية الكردية واحدة من الملفات المعقدة في المنطقة، خصوصاً في ظل تداخل المصالح السورية والتركية والأمريكية والروسية، إضافة إلى العلاقة العسكرية والسياسية بين واشنطن وقوات سوريا الديمقراطية.
قنوات تفاوض بين موسكو وواشنطن
وفي الجانب الأمريكي، تحدث لافروف عن استمرار الاتصالات بين موسكو وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيراً إلى تعدد قنوات الحوار بين الجانبين.
وقال الوزير الروسي إنه أجرى عدة جولات من المفاوضات مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بالتوازي مع اتصالات أجراها مبعوثون أمريكيون مع مسؤولين روس والرئيس فلاديمير بوتين.
ويؤكد ذلك استمرار وجود مسار دبلوماسي روسي أمريكي رغم الخلافات الكبيرة بشأن الحرب في أوكرانيا.
والتقى لافروف وروبيو بالفعل في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2026، وبحثا الحرب الروسية الأوكرانية والعلاقات الثنائية بين موسكو وواشنطن، وفق بيان أمريكي بشأن الاجتماع.
وتأتي هذه الاتصالات في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإيجاد مسار سياسي ينهي الحرب، بينما لا تزال المواقف الروسية والأوكرانية متباعدة بشأن شروط التسوية النهائية.
خلاف مستمر حول قمة أنكوريج
ويبرز ضمن هذا المسار الخلاف الروسي الأمريكي بشأن ما جرى خلال قمة الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في أنكوريج بولاية ألاسكا عام 2025.
وتؤكد موسكو أن القمة شهدت مناقشة مقترحات أمريكية تتضمن عناصر تسوية، وأن روسيا وافقت على هذه المقترحات، فيما تقول واشنطن إنه لم يتم التوصل إلى اتفاق رسمي خلال الاجتماع.
وفي سبتمبر الحالي، جدد لافروف موقف موسكو، قائلاً إن الحرب كان يمكن أن تكون انتهت قبل عام لو لم تتراجع الولايات المتحدة وأوروبا عن التفاهمات التي تقول روسيا إنها خرجت بها من قمة أنكوريج.
وتشير هذه التصريحات إلى استمرار الخلاف حول تفسير نتائج القمة، وليس فقط حول تفاصيل التسوية المقترحة للحرب.
وكان لافروف قد قال في أغسطس إن المحادثات في أنكوريج تناولت مقترحات قدمها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، ووصفها بأنها تضمنت عناصر تسوية، بينما أكدت تقارير لاحقة أن القمة لم تنته بإعلان اتفاق سلام أو وقف لإطلاق النار.
الحرب تعرقل التعاون الروسي الأمريكي
ويرى لافروف أن استمرار الحرب في أوكرانيا يمثل العقبة الرئيسية أمام تطوير العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، خصوصاً على المستوى الاقتصادي والسياسي.
ومن وجهة نظر موسكو، فإن الوصول إلى تسوية للحرب يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، بينما تواصل واشنطن ودول أوروبية تقديم أشكال مختلفة من الدعم لأوكرانيا.
وفي المقابل، تؤكد المؤسسات الدولية أن الحرب لا تزال تشهد تصعيداً عسكرياً واسعاً. وقالت مسؤولة الأمم المتحدة روزماري ديكارلو أمام مجلس الأمن في 23 سبتمبر إن الأشهر الأولى من 2026 شهدت ارتفاعاً كبيراً في أعداد الضحايا المدنيين مقارنة بالعام السابق، محذرة من اتساع المخاطر الإقليمية المرتبطة بالحرب.
كما تستمر الاتصالات الدولية بشأن وقف التصعيد، في وقت أعلنت فيه روسيا استعدادها لمواصلة المفاوضات، لكنها قالت في تصريحات سابقة إنها لا تعتزم وقف عملياتها العسكرية لمجرد استمرار المحادثات.
وبينما تصر موسكو على أن الحل السياسي لا يزال ممكناً، تواصل الدول الأوروبية تعزيز قدراتها الدفاعية ودعم أوكرانيا، وهو ما يجعل الملف العسكري جزءاً أساسياً من الحسابات السياسية والأمنية للقارة.

