سليم عزوز

كاتب وصحافي مصري

 

إنهم ينظرون في المرآة، ولا ينعون أحمد الزند!

 

فكل واحد من إعلاميي الغبراء لا يبكي رحيل قاض شجاع، أو أسد القضاة كما وصفوه، ولكنهم يتخيلون أنفسهم وقد خرج السر الإلهي، كيف سيتعامل معهم الناس، وقد جمعهم خندق واحد مع رئيس نادي القضاة ووزير العدل الراحل، فهم يدافعون عن أنفسهم، لكنهم لا يدركون أنهم استفزوا بهذا الحشد الناس، فكان التطرف على الجبهة الأخرى لا يقل عن تطرفهم!

 

لا يذكر الملأ، وهم يخلعون على الراحل لقب "أسد القضاة"، إلا سنة حكم الرئيس محمد مرسي، عندما حوّل نادي القضاة إلى امتداد لمقر حزب الوفد، الذي استضاف جبهة الإنقاذ التي دعت للحشد يوم 30 يونيو 2013، وذلك مع أن الزند نفسه جاء لموقعه بدعم حكومي في زمن مبارك، ليأخذ النادي بعيدًا عن السياسة بعد انتفاضة القضاة الشهيرة، بقيادة القاضيين زكريا عبد العزيز، رئيس نادي قضاة مصر بالقاهرة، ومحمود الخضيري، رئيس نادي قضاة الإسكندرية.

 

كانت الانتفاضة بعد انتخابات مجلس الشعب في سنة 2005، وما شهدته من تدخل وزارة الداخلية في إرادة الناس، وقد احتالت السلطة على حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في سنة 2000، الذي يلزم بأن تجرى الانتخابات تحت إشراف قاض، وبواقع قاض لكل صندوق، لكن عند التنفيذ فإن السلطة قيدت سلطة القاضي داخل اللجنة لا يبارحها، وتركت للداخلية سلطة منع الناخبين من الوصول إلى هذه اللجان، وإعداد كشوف الناخبين التي تضم الموتى بجانب الأحياء!

 

استدعاء المسجلات آداب

 

ولم يكن تدخل السلطة قد ظهر بشكل كبير في انتخابات 2000، لأن المعارضة لم تكن مستعدة لها، لكن الأمر كان سافرًا في انتخابات 2005، وإن كانت الانتخابات الأولى بنظام قاض لكل صندوق شهدت استدعاء المسجلات آداب والسجينات في قضايا الدعارة، لأول مرة في الحياة النيابية، لا سيما في بعض الدوائر التي خاض الإخوان الانتخابات فيها، مثل دائرة الدقي، حيث مرشح الجماعة المستشار مأمون الهضيبي!

 

وكان دور النسوة هو التصدي للناخبين والناخبات الإخوان ومنعهم من الوصول إلى اللجان، بكل ما يملكه هذا الصنف من النساء من وقاحة في التعامل، بينما تظهر السلطة وكأنها تقف على الحياد، وإذا تدخلت ألقت القبض على المعتدية والمعتدى عليها، وجرتهن إلى قسم الشرطة لتحرير محضر بالواقعة، لتبيت الحرة ليلتها هناك.

 

ولم يقتصر الأمر على الناخبين والناخبات الإخوان، فلم يغامر الكثيرون منهم بهذه المواجهة! فقد حدث الشيء نفسه مع صحفية مصرية تعمل مراسلة لوكالة أنباء أجنبية، وإذ أصرت على الوصول إلى اللجنة الانتخابية للتغطية، رغم تحذير رجال الشرطة، فقد تكفلت بها واحدة من إياهن، وتدخلت الشرطة ونقلتهن إلى قسم شرطة الدقي، باعتبارها مشاجرة، لتبيت ليلتها في تخشيبة القسم مع الجنائيات، لعرضها على النيابة في صباح اليوم التالي، وكان والدها الكاتب الكبير علاء الديب قد قضى ليلته بحثًا عنها دون جدوى!

 

ولم يقتصر المنع على مؤيدي المرشحين الإخوان، فقد حدث الأمر نفسه مع مرشحين كانوا في السابق ينتمون للحزب الوطني، كالنائب السابق عن الحزب الحاكم محمد عودة، والذي تصدى لقرار من المحافظ بالعدوان على جزء من مسجد، قالت الإدارة المحلية إنه يقع في أراضي الدولة، ولم يأبه بتدخل مدير أمن الدولة في المحافظة، الذي أقسم، وقد فشل في التنفيذ بعد احتشاد الناس، أنه سيعاقبه على هذا التمرد!

 

ومن سوء حظ النائب أنه، في الانتخابات التالية في 2000، كان هذا الضابط قد أصبح مدير جهاز أمن الدولة على مستوى القطر المصري، اللواء صلاح سلامة، فكانت أول خطة للانتقام هي استبعاده من الترشيح على قوائم الحزب الوطني، فلما ترشح مستقلًا، منعت الشرطة ناخبيه من الوصول إلى اللجان، وفي منطقة شعبية هي شبرا الخيمة، والمنع كان في هذه الحالة من جانب قوات الأمن التي احتشدت في مواجهة الناس، حتى بلغ الأمر الرئيس مبارك، مع التهديد بأن هذه المنطقة الصناعية عرضة للاشتعال، فأصدر أوامره بتمكين الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، وكان من المتصور أن ساعتين، هما ما تبقى من اليوم، لا تكفيان لنجاحه، غير أنه فاز!

 

شرارة انتفاضة القضاة

 

وقد كتبت عن هذا في حينه، وظني أنني الوحيد الذي فعل، فلا أدعي الآن شجاعة بأثر رجعي، وقد دفعت ثمن هذا الموقف من لحم الحي، وهذا ليس موضوعنا، فلم تظهر فداحة التدخل الحكومي سوى في الانتخابات التالية في 2005، نظرًا لأن الإخوان ترشحوا بكثافة فيها، كما أن مرشحي الحزب الوطني التقليديين الذين استبعدتهم لجنة السياسات من الترشيح خاضوها مستقلين، فكانت مظاهر المنع واضحة للعيان، وإن كان مرشحو الحزب الوطني فيها لم يحصلوا سوى على 33 في المئة من المقاعد، مما اضطره لاستكمال الأغلبية من الذين خرجوا على الالتزام الحزبي، وقال الأمين العام للحزب صفوت الشريف: لقد حصلنا على الأغلبية المريحة، وهو ما فعلوه فعلًا في انتخابات 2000!

 

وأمام هذا التجاوز الصارخ، كان الإعلان من نادي قضاة الإسكندرية، برئاسة المستشار محمود الخضيري، بأن القضاة إن لم يُمكنوا من الإشراف الكامل على العملية الانتخابية فسوف يكونون شهود زور، وانتقلت الشرارة إلى القاهرة، وتبناها باقتدار مجلس إدارة النادي برئاسة القاضي زكريا عبد العزيز!

 

بيد أن السلطة تصرفت بعنجهيتها، وعدلت قانون الانتخابات، وألغت الإشراف القضائي، وعادت لزمن إشراف الموظفين، فكانت طامة انتخابات سنة 2010، التي مهدت الطريق لثورة يناير!

 

وجيء بمغمور هو المستشار أحمد الزند في سنة 2009، وترشح لرئاسة النادي مع دعم حكومي لا تخطئ العين دلالته، وفاز في هذه الانتخابات، وكانت الحملة الإعلامية هي أن النادي خرج على دوره بحديثه في السياسة، ولا بد من رد الأمر إلى أصله، فالقضاة لا يشتغلون بالسياسة ولا يبدون الرأي فيها.

 

وتحول الزند عن هذا المسار في مواجهة الرئيس محمد مرسي، واستغل عزل النائب العام وحيد عبد المجيد، من جانب السلطة أيام الرئيس محمد مرسي، بإخراج رديء وعدم كفاءة سياسية، ليحول النادي إلى ساحة حرب ضد الرئاسة، ولهذا أطلق عليه إعلاميو المرحلة "أسد القضاة".

 

ومن جانبهم، فقد شمت الشامتون من الجبهة الأخرى في موته، مع استدعاء "محفوظات تراثية"، مثل عبارة: "مستراح منه"، وهناك مشاكل تترتب على هواية البعض باستدعاء مثل هذه العبارة للتعامل مع وقائع مختلفة.

 

فالطرفان أخطأ التوصيف، فليس للذين لا تزال أصواتهم يرن صداها في الآذان مع ضحايا المذابح، أو حتى مع وفاة الرئيس محمد مرسي، أن يعطوا دروسًا في الأخلاق، وأنه لا شماتة في الموت، وليس لدار الإفتاء أن تعيد نشر فتوى سابقة لها مع كل حملة شماتة في أشخاص بعينهم، ذلك بأن الشماتة أُُعلنت من قبل ولم تحرك ساكنًا، فليس الدافع إليها الموقف الديني أو الحث على الالتزام بأخلاق القرية، فليس هذا منزلًا أنزله الله لهم، ولكنها الحرب والرأي والمكيدة!

 

البراعة الغائبة للزند

 

واللافت هنا أننا لم نشهد أي تسجيل لموقف قضائي للزند، في حكم كتب حيثياته وتجلت فيه براعته القانونية، أو انتصر فيه للناس في مواجهة السلطة، ليكون عنوانًا للعدالة مغمضة العينين، كما لا يستشهدون بدراسة له تجلت فيها تمكنه القانوني، فلا شيء، إلا أنه وقف في مواجهة الحكم الإخواني فاستحق لقب "أسد الصحراء"، وكأن الإخوان كانوا يعلقون المشانق، أو يفتحون السجون لخصومهم!

 

ولا أدري لماذا لا يمدون الحبل على استقامته، وتقديم المستشار الراحل للناس في مسيرته القضائية الحافلة، وفق الحالة التي جاءت به من المجهول ليرأس نادي القضاة، ولماذا هو بالذات وهناك غيره من قضاة معروفين اسمًا ورسمًا ومكانة، كانوا يقفون ضد سياسة تسييس النادي في انتفاضة القضاة، ووصل الحال بقاض (آخر ممن تبقى من مذبحة القضاة على قيد الحياة) إلى أن ينتقص من قدر ناديه، بأنه مجرد ناد يخص قضاة القاهرة، ولا يجوز له أن يعبر عن عموم قضاة مصر، وهو الرأي الذي أعلنه بنفسه في وسائل الإعلام الحكومية، وكان يتنقل من أستوديو إلى جريدة.

 

والزند ليس من وجهاء القضاة في هذه المرحلة، نظرًا لانقطاعه لفترة طويلة عن مصر لعمله في إحدى دول الخليج، وكان ينبغي أن يكون الدفع الحكومي وراء شخصية قضائية كبيرة، أو تملك حضورًا واضحًا، وعندما خاض جيل الشباب برئاسة زكريا عبد العزيز المنافسة مع جيل الشيوخ في 2001، كانت المواجهة مع قامة كبيرة بحجم المستشار مقبل شاكر، وكان من يتبناهم هو المستشار يحيى الرفاعي، فمن أين جاء الزند؟!

 

إن دور أسد الغابة في هذه المرحلة هو تمرير عدوان السلطة التنفيذية على مبدأ الإشراف القضائي، وعدم مواجهة العودة لإشراف الموظفين، ولا قيمة لأنه وقف ضد الإخوان، فلم يكن الأمر يستدعي شجاعة الشجعان!

 

ولو كانت الأذرع الإعلامية معنية فعلًا بالدفاع عن الأسد الهصور، لقامت بالانحياز له وهو يعزل بقرار منفرد، بعد عشرة شهور من اختياره وزيرًا للعدل، ولكانت استدعته للأستوديوهات، وقد ظل نسيًا منسيًا على مدى أكثر من عشر سنوات، حيث تم عزله في 13 مارس 2016. ألم يجد إعلامي من الذين يشاركون في المآتم الآن بالعويل ضرورة أن يحاوره؟ من الذي منعه من ذلك؟! بل من منع الزند من أن يعود لرئاسة النادي، وكان الوكيل قد شغله بالإنابة، وقد عاد الأصيل، فلماذا يستمر الوكيل؟!

 

ومن الذي ألزمه داره طيلة العشر سنوات الماضية؟ وكيف لهم أن تركوه يطويه النسيان، مع أنه أسد القضاة؟ وهو نسيان يرجح صحة الرواية السائدة، من أن عزله بقرار منفرد، وليس ضمن تغيير وازي، إنما لغضب حل به.

 

وهذا يقودنا إلى الجانب الآخر، فشماتة الشامتين بموته لا محل لها من الإعراب، واستدعاء المقولات المأثورة "مستراح منه" ونحو ذلك، هو استدعاء في غير موضعه، فالرجل كان صامتًا بالحياة، فتحقق فيه القول "مستراح منه"، وهو يعاني العزلة، وفرض عليه الصمت، فكان وضعه يجوز فيه النظر عن حاله ميتًا.

 

ولو ابتعدنا عن هذا الصخب المنصوب، فسوف نكتشف أن الرئاسة لم تعزّ فيه، وأن الرئيس لم يشارك في جنازته، وأنه لم يكن حاضرًا في المساء في سرادق العزاء، مع أن المتوفى ليس واحدًا من آحاد الناس!

 

وقد استبعدنا أن يكون دافعهم لرفض الشماتة هو الانحياز لأخلاق القرية، والممارسة أكدت أنهم لا يعرفونها، لاكتشفنا أنهم يدافعون عن أنفسهم، وينظرون حالهم إذا حضر أحدهم الموت.

 

وكان يمكن أن نطلب ضبط النفس وعدم الشماتة في الموت، لو كان الخلاف سياسيًا، وكان مع رئيس حزب، أو كان مع قاض في حدود الخلاف السياسي، يرفض مسارًا فيكون من حق أصحاب المسار رفضه، لكنه تصرف كسياسي، وتعامل مع خصومه كقاض، فمن اختلف سياسيًا معه أحاله للمحاكمة بتهمة إهانة القضاء، فما ضر من لم يتمكنوا منه في حياته إن انتقموا منه في وفاته، بدلًا من أن يكون التعامل غير متكافئ، فيختلفون معه سياسيًا، فيسيء استخدام السلطة معهم باعتباره قاضيًا!

 

كل يغني على ليلاه!