اتسعت خلال الأيام الأخيرة رقعة الاحتجاجات في المغرب رفضا لرفع مستوى العلاقات الدبلوماسية مع الاحتلال الصهيوني إلى سفارات كاملة، بعدما دعت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع إلى تحركات متزامنة في عدد من المدن.

 

وتصاعدت التحركات بالتوازي مع استمرار الحرب في قطاع غزة، إذ ربط المشاركون بين رفضهم للخطوة الدبلوماسية الجديدة وبين التضامن مع الفلسطينيين، مطالبين بوقف مسار التطبيع وعدم توسيع التعاون بين الرباط وتل أبيب.

 

 

السفارات تعيد الشارع إلى الواجهة

 

وفي هذا السياق، جاء الحراك بعد إعلان إسرائيلي في 16 سبتمبر عن اتفاق على رفع البعثتين الدبلوماسيتين إلى مستوى سفارتين وتعيين سفيرين، عقب اجتماع ثلاثي في نيويورك ضم مسؤولين مغاربة وإسرائيليين وأميركيين بشكل كامل.

 

ومن جانبها، دعت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع فروعها إلى تنظيم وقفات ومسيرات خلال أيام 25 و26 و27 سبتمبر، معتبرة أن الانتقال إلى مستوى السفارات يمثل توسعا جديدا في العلاقات الثنائية.

 

وبالتوازي، خرج محتجون في بني ملال ضمن وقفة نظمت بساحة المسيرة، ورددوا شعارات رافضة للتطبيع ومؤيدة للفلسطينيين، بينما ركزت كلمات المشاركين على رفض فتح السفارات واستمرار التعاون السياسي والأمني والاقتصادي في قلب المدينة.

 

وفي المقابل، لم تقتصر التحركات على مدينة واحدة، إذ شهدت الجديدة وأغادير وبنسليمان وأزرو وقفات خلال عطلة نهاية الأسبوع، بما عكس محاولة من الجبهة لتحويل الاعتراض إلى تحرك موزع جغرافيا في ساحات عامة.

 

كما شارك محتجون في مدن أخرى بينها مكناس وخريبكة، ورفعوا الأعلام الفلسطينية ورددوا شعارات تطالب بوقف الحرب في غزة وإنهاء مسار توسيع العلاقات مع إسرائيل، خصوصا ما يتعلق بالتمثيل الدبلوماسي خلال التحركات نفسها.

 

وعلى المستوى السياسي، ترى الجهات المنظمة أن فتح السفارات لا يمكن فصله عن مجمل مسار العلاقات منذ استئنافها رسميا عام 2020، بينما تعتبر السلطات المغربية العلاقات الخارجية ملفا تقرره مؤسسات الدولة وفق حساباتها الدبلوماسية.

 

وفي الوقت نفسه، يركز المحتجون على أن استمرار الحرب في غزة يجعل توسيع العلاقات أكثر إثارة للاعتراض الشعبي، ويطالبون بأن تنعكس المواقف التضامنية المعلنة مع الفلسطينيين على طبيعة العلاقات الرسمية.

 

 

مدن متعددة ترفض توسيع العلاقات

 

وفي بني ملال، حملت الوقفة رسالة مباشرة ضد رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وأكد المشاركون أن القضية الفلسطينية ما زالت حاضرة في الشارع المغربي رغم مرور سنوات على استئناف العلاقات الرسمية وسط حضور محلي.

 

وفي الجديدة، شارك ناشطون في وقفة رافضة للتطبيع ضمن البرنامج الوطني الذي دعت إليه الجبهة، بينما تكررت المطالب نفسها في أغادير وبنسليمان وأزرو مع اختلاف حجم الحضور وطبيعة الشعارات في الساحات العامة.

 

ومن ناحية أخرى، أظهرت التحركات أن الاعتراض لا يتركز فقط على الجانب الدبلوماسي، إذ تحدث المشاركون أيضا عن الرحلات الجوية والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والتعاون العسكري والأمني بوصفها أجزاء مترابطة من المسار.

 

وبحسب بيانات الجهات المنظمة، فإن الهدف من توسيع الاحتجاجات جغرافيا هو التأكيد أن رفض التطبيع ليس محصورا في مدينة أو تيار واحد، بل يمثل موقفا تتبناه قوى مدنية وسياسية متعددة.

 

وفي المقابل، لا تعني هذه الوقفات وجود إجماع وطني واحد حول السياسة الخارجية، إذ توجد داخل المغرب مواقف مختلفة من العلاقات مع إسرائيل، بين مؤيد للتعاون ورافض له ومطالب بتجميده.

 

ومع ذلك، تبرز الاحتجاجات المتكررة منذ اندلاع حرب غزة أن الملف ما زال قادرا على استدعاء الشارع، خصوصا عندما تقترن التطورات الميدانية الفلسطينية بخطوات دبلوماسية جديدة بين الرباط وتل أبيب.

 

كذلك، يركز الرافضون للتطبيع على البعد الرمزي لفتح السفارات، باعتباره انتقالا من مكاتب اتصال إلى تمثيل دبلوماسي كامل، وهو ما يفسر ارتفاع حدة الاعتراض مقارنة بمحطات سابقة.

 

وفي المقابل، أعلنت إسرائيل أن الخطوة تشمل أيضا زيادة الرحلات المباشرة واتفاقات اقتصادية جديدة، وهي بنود دفعت المحتجين إلى التحذير من توسع العلاقات إلى مجالات أوسع خلال المرحلة المقبلة.

 

 

منع طنجة يفتح جدلا حقوقيا

 

وفي طنجة، اتخذت الاحتجاجات مسارا مختلفا بعدما أصدرت السلطات المحلية قرارا بمنع الوقفة التي دعت إليها الجبهة، مبررة ذلك باعتبارات مرتبطة بالقواعد المنظمة للتجمعات والحفاظ على النظام العام قبل موعدها بساعات قليلة.

 

وبعد ذلك، توافد محتجون إلى محيط موقع التجمع رغم قرار المنع، وسط انتشار أمني مكثف، قبل أن تتدخل القوات العمومية لتفريق المشاركين وتوقيف عدد منهم خلال الساعات التالية.

 

وفي السياق نفسه، كان المحامي محمد الصروخ من بين الموقوفين خلال التدخل، إلى جانب عدد من النشطاء، قبل الإفراج عنهم بعد ساعات، بحسب معطيات متطابقة نشرتها جهات حقوقية ومحلية.

 

ومن جانبها، اعتبرت أصوات حقوقية وسياسية أن منع الوقفة والتوقيفات يطرحان تساؤلات حول مساحة الاحتجاج السلمي، بينما تؤكد السلطات حقها في تطبيق القرارات الإدارية والقواعد المنظمة للتجمعات العامة.

 

وفي المقابل، أعاد ما جرى في طنجة النقاش حول طريقة التعامل مع الوقفات المناهضة للتطبيع، خصوصا أن المدينة شهدت خلال الأشهر الماضية قرارات منع أخرى مرتبطة بتحركات مؤيدة لفلسطين.

 

وبينما انتهت التوقيفات بالإفراج عن المشاركين، بقي الجدل السياسي قائما بشأن ما إذا كانت قرارات المنع مرتبطة بإجراءات تنظيمية بحتة أم أنها تعكس تشددا أكبر تجاه الاحتجاج على العلاقات مع إسرائيل.

 

وفي المحصلة، تظهر موجة التحركات الأخيرة أن قرار الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى السفارات لم يمر من دون رد فعل في الشارع، بل أعاد ملف التطبيع إلى واجهة النقاش العام.

 

كما تؤكد الوقفات أن الحرب في غزة ما زالت العامل الأكثر حضورا في خطاب المحتجين، الذين يربطون بين التضامن مع الفلسطينيين وبين المطالبة بمراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية مع إسرائيل.

 

وأخيرا، يبقى اتساع الاحتجاجات واستمرارها مرهونا بالتطورات السياسية والميدانية المقبلة، فيما يظل الخلاف قائما بين من يرون العلاقات خيارا دبلوماسيا للدولة ومن يطالبون بوقفها بالكامل تضامنا مع الفلسطينيين.