يؤكد جيمس كلير أن حياتنا الحالية ليست سوى محصلة عاداتنا؛ فمدى لياقتنا أو تراجعها، وشعورنا بالسعادة أو التعاسة، ونجاحنا أو إخفاقنا، كلها نتائج لما نكرره باستمرار. وما نفعله بصورة متكررة، أي ما نقضي وقتنا في التفكير فيه وممارسته كل يوم، يشكل في النهاية شخصياتنا، وما نؤمن به، والصورة التي نقدمها عن أنفسنا.

 

لكن ماذا لو أردنا تحسين حياتنا؟ ماذا لو أردنا تكوين عادات جديدة؟ كيف يمكننا أن نجعل هذه العادات تستمر بدلًا من أن تختفي بعد أيام قليلة؟
 

يكشف كلير عن إطار عملي يمكن أن يجعل الالتزام بالعادات الجديدة أسهل، بما يساعد على تحسين الصحة والعمل والحياة بصورة عامة.

 

 

علم تكوين العادات: كيف تعمل حلقة العادة؟


يمكن تقسيم عملية تكوين العادة إلى أربع مراحل بسيطة: الإشارة، والرغبة، والاستجابة، والمكافأة.


يساعد تفكيك العادة إلى هذه العناصر الأساسية على فهم ماهيتها، وكيف تعمل، وكيف يمكن تحسينها.


تمر جميع العادات بالمراحل الأربع نفسها وبالترتيب ذاته: الإشارة، ثم الرغبة، ثم الاستجابة، ثم المكافأة. ويمثل هذا التسلسل العمود الفقري لكل عادة، إذ يمر الدماغ بهذه المراحل بالترتيب نفسه في كل مرة.


تأتي الإشارة أولًا. فتدفع الدماغ إلى بدء سلوك معين، وتمثل معلومة تتنبأ بوجود مكافأة. وكان أسلافنا الأوائل ينتبهون إلى الإشارات التي تدل على أماكن الحصول على المكافآت الأساسية، مثل الطعام والماء. أما اليوم، فنقضي معظم وقتنا في تعلم الإشارات التي تتنبأ بمكافآت ثانوية، مثل المال والشهرة والنفوذ والمكانة والتقدير والقبول والحب والصداقة والشعور بالرضا عن الذات. وبالطبع، تسهم هذه المساعي بصورة غير مباشرة في تعزيز فرصنا في البقاء والتكاثر، وهو الدافع الأعمق وراء كثير مما نفعله.


ويحلل العقل باستمرار البيئة الداخلية والخارجية بحثًا عن مؤشرات تدل على أماكن وجود المكافآت. ولأن الإشارة تمثل أول علامة على اقترابنا من المكافأة، فإنها تقود بصورة طبيعية إلى الرغبة.


وتشكل الرغبات المرحلة الثانية من حلقة العادة، وهي القوة المحفزة وراء كل عادة. فمن دون قدر من الدافع أو الرغبة، ومن دون اشتهاء التغيير، لا يكون لدينا سبب يدفعنا إلى التصرف.


ولا يتعلق ما نرغب فيه بالعادة نفسها، وإنما بالتغير في حالتنا الذي تحققه. فأنت لا ترغب في تدخين السيجارة بحد ذاته، وإنما ترغب في الشعور بالراحة الذي تمنحك إياه. ولا يدفعك تنظيف أسنانك إلى الفعل بحد ذاته، وإنما يدفعك إليه الشعور بنظافة فمك. ولا تريد تشغيل التلفزيون لمجرد تشغيله، وإنما تريد الترفيه.


وترتبط كل رغبة بالرغبة في تغيير حالتنا الداخلية، وهذه نقطة مهمة سنناقشها بالتفصيل لاحقًا.


وتختلف الرغبات من شخص إلى آخر. فمن الناحية النظرية، يمكن لأي معلومة أن تثير رغبة ما، لكن الناس في الواقع لا تحفزهم الإشارات نفسها. فقد يكون صوت ماكينات القمار محفزًا قويًا لدى المقامر، فيثير موجة شديدة من الرغبة، بينما لا يعني صوت الماكينات والأجراس في صالة القمار شيئًا لشخص نادرًا ما يقامر، ولا يتجاوز بالنسبة إليه كونه ضوضاء في الخلفية.


ولا تحمل الإشارات معناها إلا بعد تفسيرها. فالأفكار والمشاعر والانفعالات لدى الشخص هي التي تحول الإشارة إلى رغبة.


وتأتي الاستجابة في المرحلة الثالثة، وهي العادة الفعلية التي تؤديها، سواء اتخذت شكل فكرة أو فعل. ويتوقف حدوث الاستجابة على مدى قوة دافعك وعلى مقدار الاحتكاك المرتبط بالسلوك. فإذا تطلب فعل معين جهدًا جسديًا أو ذهنيًا يفوق ما ترغب في بذله، فلن تقوم به.


كما تعتمد الاستجابة على قدرتك على أداء السلوك. وقد يبدو الأمر بسيطًا، لكن العادة لا يمكن أن تحدث إلا إذا كنت قادرًا على تنفيذها. فإذا أردت أن تسدد الكرة في السلة بطريقة الـ«دانك»، لكنك لا تستطيع القفز بالارتفاع الكافي للوصول إلى الحلقة، فلن يحالفك الحظ.


وأخيرًا، تحقق الاستجابة مكافأة. وتمثل المكافآت الهدف النهائي لكل عادة. فالإشارة تتعلق بملاحظة المكافأة، والرغبة تتعلق بالسعي إليها، والاستجابة تتعلق بالحصول عليها.


ونطارد المكافآت لأنها تؤدي وظيفتين أساسيتين: تشبع رغباتنا، وتعلمنا.


يتمثل الهدف الأول للمكافآت في إشباع الرغبة. فالمكافآت تقدم بالفعل فوائد في حد ذاتها؛ إذ يمنحنا الطعام والماء الطاقة اللازمة للبقاء، ويجلب الحصول على ترقية مزيدًا من المال والاحترام، بينما تحسن اللياقة البدنية الصحة وفرص التعارف. لكن الفائدة الأكثر إلحاحًا تتمثل في إشباع الرغبة في تناول الطعام أو اكتساب المكانة أو الحصول على القبول. وتمنحنا المكافآت، ولو للحظات، شعورًا بالرضا والتحرر من الرغبة الملحة.


أما الهدف الثاني، فيتمثل في تعليمنا أي الأفعال تستحق أن نتذكرها مستقبلًا. فالدماغ جهاز لرصد المكافآت. وبينما نمضي في حياتنا، يراقب جهازنا العصبي الحسي باستمرار الأفعال التي تشبع رغباتنا وتمنحنا المتعة.


وتشكل مشاعر المتعة وخيبة الأمل جزءًا من آلية التغذية الراجعة التي تساعد الدماغ على التمييز بين الأفعال المفيدة وغير المفيدة. وتغلق المكافآت دائرة التغذية الراجعة وتكمل دورة العادة.


وإذا اختل السلوك في أي مرحلة من المراحل الأربع، فلن يتحول إلى عادة. فإذا ألغيت الإشارة، فلن تبدأ العادة أصلًا. وإذا خفضت الرغبة، فلن تشعر بالدافع الكافي للتصرف. وإذا جعلت السلوك صعبًا، فلن تتمكن من تنفيذه. وإذا أخفقت المكافأة في إشباع رغبتك، فلن تجد سببًا يدفعك إلى تكرار السلوك مستقبلًا.


ومن دون المراحل الثلاث الأولى، لن يحدث السلوك. ومن دون المراحل الأربع كلها، لن يتكرر.

 


المراحل الأربع للعادات: من الإشارة إلى المكافأة


يمكن وصف المراحل الأربع للعادة بصورة أفضل باعتبارها حلقة تغذية راجعة. فهي تشكل دورة لا تنتهي وتعمل في كل لحظة نعيشها. وتواصل «حلقة العادة» مسح البيئة المحيطة، والتنبؤ بما سيحدث لاحقًا، وتجربة استجابات مختلفة، والتعلم من النتائج.


ويعود الفضل في تطوير هذا التصور إلى تأثير أعمال تشارلز دويج ونير إيـال؛ إذ يجمع هذا النموذج بين المصطلحات التي شاع استخدامها من خلال كتاب The Power of Habit لدويج، والتصميم الذي اشتهر من خلال كتاب Hooked لإيال.


وباختصار، تثير الإشارة رغبة، وتحفز الرغبة استجابة، وتنتج الاستجابة مكافأة، وتشبع المكافأة الرغبة، ثم ترتبط في النهاية بالإشارة. وهكذا تشكل المراحل الأربع حلقة تغذية راجعة عصبية: إشارة، رغبة، استجابة، مكافأة؛ ثم إشارة، رغبة، استجابة، مكافأة، وهي الحلقة التي تسمح لنا في النهاية بتكوين عادات تلقائية.


ويمكن تقسيم هذه المراحل الأربع إلى مرحلتين: مرحلة المشكلة ومرحلة الحل.


تضم مرحلة المشكلة الإشارة والرغبة، وهي اللحظة التي تدرك فيها أن شيئًا ما يحتاج إلى التغيير. أما مرحلة الحل، فتضم الاستجابة والمكافأة، وهي اللحظة التي تتخذ فيها إجراءً وتحقق التغيير الذي تريده.


وينطلق كل سلوك من الرغبة في حل مشكلة. فقد تتمثل المشكلة أحيانًا في ملاحظتك شيئًا جيدًا ورغبتك في الحصول عليه، وقد تتمثل في شعورك بالألم ورغبتك في التخلص منه. وفي كلتا الحالتين، يكمن هدف كل عادة في حل المشكلات التي تواجهها.


ولننظر إلى بعض الأمثلة التي توضح ذلك في الحياة اليومية.


عندما يهتز هاتفك بوصول رسالة جديدة، تمثل الرسالة الإشارة، وتنشأ لديك الرغبة في معرفة محتواها، ثم تأتي الاستجابة عندما تمسك الهاتف وتقرأ الرسالة، وتتحقق المكافأة بإشباع رغبتك في قراءة الرسالة. وهكذا يرتبط إمساك الهاتف باهتزازه.


وعندما ترد على رسائل البريد الإلكتروني، قد تبدأ في الشعور بالتوتر والإرهاق من العمل، فتظهر لديك رغبة في استعادة السيطرة. وقد تأتي الاستجابة في صورة قضم أظافرك، بينما تحقق المكافأة شعورًا بتخفيف التوتر، فيرتبط قضم الأظافر بعملية الرد على البريد الإلكتروني.


وعندما تستيقظ، قد تشعر برغبة في زيادة يقظتك، فتأتي الاستجابة بشرب فنجان من القهوة، وتتحقق المكافأة عندما تشعر بمزيد من اليقظة، فيرتبط شرب القهوة بالاستيقاظ.


وعندما تشم رائحة متجر يبيع الكعك وأنت تسير في الشارع بالقرب من مكتبك، تثير الرائحة الإشارة، وتنشأ لديك رغبة في تناول قطعة من الكعك، فتشتريها وتأكلها، وتتحقق المكافأة بإشباع رغبتك، فيرتبط شراء الكعك بالسير في ذلك الشارع بالقرب من المكتب.


وعندما تواجه عقبة في مشروع تعمل عليه، قد تشعر بالتعثر والإحباط وترغب في التخلص من هذا الشعور، فتأتي الاستجابة بإخراج هاتفك وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تمنحك هذه الاستجابة شعورًا بالراحة، فيرتبط تصفح مواقع التواصل بالشعور بالتعثر في العمل.


ولا تحدث هذه العملية ذات المراحل الأربع من حين إلى آخر، وإنما تعمل باعتبارها حلقة تغذية راجعة مستمرة طوال حياتنا. ويواصل الدماغ مسح البيئة، والتنبؤ بما سيحدث لاحقًا، وتجربة استجابات مختلفة، والتعلم من النتائج.

وتكتمل العملية بأكملها خلال جزء من الثانية، ونستخدمها مرارًا وتكرارًا دون أن ندرك كل ما اختزنته اللحظة السابقة.


تخيل أنك تدخل غرفة مظلمة وتشغل مفتاح الإضاءة. لقد كررت هذه العادة مرات كثيرة إلى درجة أنها تحدث دون تفكير. وتمر خلال جزء ضئيل من الثانية بالمراحل الأربع كلها. ويأتيك الدافع إلى الفعل دون أن تفكر فيه بوعي.


وعندما تدخل غرفة مظلمة، تمثل الغرفة الإشارة، وتنشأ لديك رغبة في الرؤية، فتأتي الاستجابة بتشغيل مفتاح الإضاءة، وتتحقق المكافأة عندما تتمكن من الرؤية. وهكذا يرتبط تشغيل المفتاح بوجودك في غرفة مظلمة.


وبحلول مرحلة البلوغ، نادرًا ما نلاحظ العادات التي تدير حياتنا. ولا يفكر معظمنا مرتين في حقيقة أننا نربط الحذاء نفسه أولًا كل صباح، أو نفصل محمصة الخبز عن الكهرباء بعد كل استخدام، أو نغير ملابسنا إلى أخرى مريحة فور عودتنا من العمل.


وبعد عقود من البرمجة الذهنية، ننزلق تلقائيًا إلى هذه الأنماط من التفكير والتصرف.

 


كيف تحول العادات إلى سلوك مستمر؟


يمكننا تحويل هذه المراحل الأربع إلى إطار عملي يساعدنا على تصميم العادات الجيدة والتخلص من العادات السيئة.


ويطلق كلير على هذا الإطار اسم القوانين الأربعة لتغيير السلوك، وهو يقدم مجموعة بسيطة من القواعد لبناء العادات الجيدة وكسر العادات السيئة. ويمكن النظر إلى كل قانون باعتباره ذراعًا يؤثر في السلوك البشري. فعندما نضع هذه الأذرع في المواضع الصحيحة، يصبح تكوين العادات الجيدة أكثر سهولة، وعندما نضعها في المواضع الخاطئة، يصبح الأمر شبه مستحيل.


لبناء عادة جيدة، اجعل الإشارة واضحة، واجعل الرغبة جذابة، واجعل الاستجابة سهلة، واجعل المكافأة مُرضية.


ولكسر عادة سيئة، اعكس هذه القوانين: اجعل الإشارة غير مرئية، واجعل الرغبة غير جذابة، واجعل الاستجابة صعبة، واجعل المكافأة غير مُرضية.


وعندما تريد تغيير سلوكك، يمكنك ببساطة أن تسأل نفسك: كيف يمكنني أن أجعل الأمر واضحًا؟ كيف يمكنني أن أجعله جذابًا؟ كيف يمكنني أن أجعله سهلًا؟ وكيف يمكنني أن أجعله مُرضيًا؟


وسيكون من غير المسؤول أن أزعم أن هذه القوانين الأربعة تمثل إطارًا شاملًا لتغيير أي سلوك بشري، لكنني أعتقد أنها تقترب من ذلك بدرجة كبيرة.


إذا سبق لك أن تساءلت: «لماذا لا أفعل ما أقول إنني سأفعله؟ لماذا لا أفقد الوزن، أو أتوقف عن التدخين، أو أدخر للتقاعد، أو أبدأ ذلك المشروع الجانبي؟ لماذا أقول إن شيئًا ما مهم بالنسبة إليّ، لكنني لا أجد الوقت له أبدًا؟»، فستجد إجابات هذه الأسئلة في مكان ما داخل هذه القوانين الأربعة.


ويكمن مفتاح بناء العادات الجيدة والتخلص من العادات السيئة في فهم هذه القوانين الأساسية، ومعرفة كيفية تعديلها بما يتناسب معك.


فكل هدف محكوم عليه بالفشل إذا تعارض مع طبيعة الإنسان.

 

https://jamesclear.com/three-steps-habit-change