تضع فاتورة إصلاح سفينة التغويز «إنرجيوس وينتر»، المقدرة بنحو خمسين مليون دولار، إدارة ملف الطاقة أمام أسئلة ثقيلة، بعدما تحول هجوم بطائرة مسيرة داخل ميناء دمياط إلى خسارة مالية وتشغيلية واسعة.

 

وفي المقابل، لا تتوقف التداعيات عند إصلاح السفينة، إذ امتدت إلى تعطيل وحدة تغويز مهمة وإعادة توجيه خمس شحنات غاز، بينما تستمر احتياجات الكهرباء والصناعة في الضغط على منظومة تعتمد بصورة متزايدة على الاستيراد.

 

 

خمسون مليونًا بلا إجابات كافية

 

وفي قراءة اقتصادية ترى د. عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد وعميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق، أن السؤال الأول متعلقًا بكيفية حماية المال العام من فاتورة كان يمكن تقليصها.

 

ومن هذا المنظور، تبدو تكلفة الخمسين مليون دولار أكبر من مجرد بند صيانة، لأنها تأتي في وقت تتحمل فيه البلاد أعباء استيراد الغاز وتأجير وحدات التغويز وتدبير العملة الأجنبية لتغطية الاحتياجات المحلية.

 

وبالتالي، يمكن صياغة الموقف الاقتصادي بأن وقوع الهجوم لا يعفي الجهات المسؤولة من تفسير أسس تحمل التكلفة، ولا من توضيح العقود والتأمين والالتزامات المتبادلة بين «إيجاس» ومالك السفينة والجهات المشغلة.

 

وعلاوة على ذلك، تصبح المساءلة أكثر إلحاحًا عندما يتعلق الأمر بوحدة تعمل داخل منشأة استراتيجية، لأن أي خلل في الحماية لا ينتج عنه تلف مادي فقط، بل يضيف أعباء تشغيلية ومالية متتابعة.

 

ومن جهة أخرى، فإن عدم تقديم تفاصيل كافية حول الجهة التي ستتحمل الخمسين مليون دولار فعليًا يترك بابًا مفتوحًا أمام تساؤلات تتعلق بحدود التأمين، وما إذا كانت هناك إمكانية لاسترداد جزء من الخسائر.

 

وفي السياق نفسه، يمكن القول إن الإدارة الاقتصادية الرشيدة لا تكتفي بإصلاح السفينة، بل تبدأ بتحديد المسؤولية، ومراجعة العقود، واحتساب الخسائر غير المباشرة، ثم إعلان الإجراءات التي تمنع تكرار الواقعة.

 

وفوق ذلك، فإن تحويل ملايين الدولارات إلى إصلاح وحدة متضررة يعني أن الموارد نفسها لن تتاح لاستخدامات أخرى داخل قطاع الطاقة، وهو ما يجعل كل دولار في هذه الفاتورة خاضعًا لضرورة التفسير والمراجعة.

 

ولهذا، فإن القضية لا تنتهي عند موعد عودة «إنرجيوس وينتر» إلى الخدمة، وإنما تمتد إلى سؤال واضح حول ما إذا كانت تكلفة الحماية والوقاية أقل كثيرًا من تكلفة الإصلاح والتعويض التشغيلي اللاحق.

 

وبالمثل، فإن استمرار التكتم على تفاصيل الهجوم، كما ورد في المادة، يضعف قدرة الرأي العام على تقييم ما إذا كانت هناك ثغرات أمنية أو تشغيلية، وما إذا جرى التعامل معها بصورة جادة.

 

ومن ثم، فإن أي معالجة مالية مكتملة يفترض أن تتضمن تقريرًا واضحًا عن أصل الخسارة، وآلية تقديرها، ومسؤولية كل جهة، والضمانات التي تمنع انتقال التكلفة تلقائيًا إلى الخزانة أو الشركات العامة.

 

 

إدارة المخاطر تحت الاختبار

 

أما د. سالي صلاح، خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد والتسويق الدولي، فترى إن الأزمة تبدو اختبارًا مباشرًا لكفاءة التخطيط، وليس مجرد حادث استثنائي فرض نفسه على المنظومة.

 

وفي هذا الإطار، يفترض التخطيط للطاقة وجود سيناريوهات مسبقة للهجمات والأعطال وخروج وحدات التغويز من الخدمة، خصوصًا أن هذه السفن أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة تأمين احتياجات السوق المحلية.

 

ومن ناحية أخرى، فإن إعادة توجيه خمس شحنات إلى الأردن وسفينتي «هوج جاليون» و«إنرجيوس إسكيمو» تؤكد أن المنظومة اضطرت إلى تحركات عاجلة لتعويض خروج الوحدة المتضررة من التشغيل.

 

وبالتالي، يمكن طرح السؤال عما إذا كانت تلك البدائل جزءًا من خطة طوارئ معدة مسبقًا، أم أنها إجراءات فرضتها الأزمة بعد وقوعها، وما التكلفة الإضافية التي صاحبت تغيير مسارات الشحنات.

 

وعلاوة على ذلك، فإن الاعتماد على وحدات محدودة لاستقبال الغاز يرفع حساسية المنظومة لأي عطل أو حادث، لأن خروج سفينة واحدة يضغط فورًا على الوحدات الأخرى وقدرات الموانئ وبرامج استقبال الشحنات.

 

وفي المقابل، فإن معالجة الخلل بعد وقوعه لا تساوي الوقاية منه، إذ تحمل الدولة في الحالة الأولى تكاليف الإصلاح والتحويل والتأجير والتشغيل، بينما يمكن للتخطيط المسبق تقليص جانب معتبر من هذه الأعباء.

 

ومن هذا المنطلق، فإن حادث دمياط يفرض مراجعة إجراءات تأمين سفن التغويز والموانئ التي تعمل بها، إلى جانب تقييم مستويات الإنذار والاستجابة والطوارئ وآليات التعامل مع التهديدات الجوية والبحرية.

 

وفي الوقت نفسه، يظل غياب التفاصيل بشأن الهجوم نفسه مشكلة مستقلة، لأن التخطيط للمستقبل لا يمكن أن يتم بكفاءة إذا ظلت أسباب الاختراق أو مسارات الاستجابة أو أوجه القصور بعيدًا عن التقييم المعلن.

 

وفوق ذلك، فإن شهرًا كاملًا من الإصلاح في إسبانيا يعني أن الوحدة لا تتوقف فقط، بل تحتاج أيضًا إلى اختبارات جديدة قبل العودة، ما يطيل فترة الاعتماد على ترتيبات بديلة مرتفعة التكلفة.

 

ولهذا، فإن المعيار الحقيقي لكفاءة الإدارة لن يكون مجرد إعادة السفينة، بل إعلان ما تغير في نظام الحماية بعد الواقعة، وكيف ستتم حماية الوحدات الأخرى من تكرار السيناريو نفسه.

 

 

الغاز المستورد يضاعف الفاتورة

 

بينما يوضح ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق، أن حادثة «إنرجيوس وينتر» تبدو جزءًا من أزمة أوسع ترتبط بتراجع إمدادات الطاقة واتساع الاعتماد على الغاز المستورد ووحدات التغويز العائمة.

 

ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل الخمسين مليون دولار عن تكلفة استئجار السفن التي تتراوح، وفق المادة، بين سبعة وتسعة ملايين دولار شهريًا، ما يعني أن منظومة الاستيراد تحمل أصلًا فاتورة دولارية مرتفعة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن خروج إحدى الوحدات من الخدمة لا يخفض تلك الفاتورة تلقائيًا، بل قد يضيف إليها أعباء إعادة توزيع الشحنات واستغلال وحدات أخرى بصورة أكبر وتحريك الغاز بين أكثر من نقطة استقبال.

 

وفي المقابل، تتحمل السوق المحلية مخاطر هذا الاعتماد بصورة غير مباشرة، لأن أي تأخير في التغويز أو وصول الشحنات يمكن أن يمتد أثره إلى محطات الكهرباء والمصانع وكبار مستهلكي الغاز.

 

ومن ثم، فإن إصلاح السفينة لا يعالج المشكلة الهيكلية المتمثلة في اضطرار المنظومة إلى توسيع الاعتماد على الغاز المسال المستورد، وهو اعتماد يجعل أي اضطراب إقليمي أو بحري أكثر تأثيرًا على الداخل.

 

وعلاوة على ذلك، فإن توجيه جزء من الشحنات إلى الأردن يعكس الحاجة إلى استخدام بنية تحتية خارج الحدود عند حدوث تعطل محلي، وهو ما يضيف مستوى جديدًا من التعقيد والتكلفة إلى سلسلة الإمداد.

 

وفي السياق ذاته، فإن كل شهر تتأخر فيه عودة الوحدة يضع ضغطًا أكبر على سفينتي «هوج جاليون» و«إنرجيوس إسكيمو»، ويجعل قدرة المنظومة على مواجهة أي عطل إضافي أكثر محدودية.

 

وفوق ذلك، تثير الواقعة سؤالًا حول جدوى التوسع في استئجار وحدات إضافية من دون بناء منظومة حماية وتأمين تتناسب مع القيمة الاستراتيجية والمالية لهذه السفن ومواقع عملها داخل الموانئ المصرية.

 

وبالتالي، فإن تحميل القطاع خمسين مليون دولار لإصلاح سفينة واحدة يوضح حجم المخاطر المالية التي يمكن أن تنتج عن واقعة أمنية واحدة داخل منظومة أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بواردات الغاز.

 

ومن جهة أخرى، فإن استمرار خطط الاستيراد وفق البرنامج الزمني لا يلغي أثر الخسارة، لأن انتظام الشحنات يعني الحفاظ على الحد الأدنى من الإمدادات، بينما تبقى تكلفة الحادث قائمة ومستقلة.

 

ولهذا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند نجاح تحويل خمس شحنات أو موعد انتهاء الإصلاح، بل يمتد إلى كفاءة إدارة منظومة الغاز ومقدار ما تتحمله من تكاليف قابلة للتجنب.

 

وفي النهاية، تتحول واقعة «إنرجيوس وينتر» من حادث عابر إلى اختبار واضح للشفافية والمحاسبة وإدارة المخاطر، ما دامت فاتورتها وصلت إلى خمسين مليون دولار وامتدت آثارها إلى مسارات شحن وإمدادات بديلة.

 

وبهذا المعنى، تبقى الإجابات المطلوبة محددة: من يتحمل التكلفة النهائية، وما حدود التأمين، ولماذا لم تمنع إجراءات الحماية الهجوم، ومن يراجع الثغرات، وما الضمانة لعدم دفع فاتورة مماثلة مرة أخرى؟