جمال محمد إبراهيم

كاتب سوداني وسفير سابق

 

(1)

 

بين السُّـلطة والثقافة آصرة، لكأنَّ الاثنتين وَجهـان لعُملةٍ شكّلتْ قـيمة واحدة، أو هُـما ما بيــن الجسْـم والظلّ ِمن امتداد يُحدثه ضوءٌ مُلقىً عليه. لكن السُّـؤال يبقى منتظرًا لإجابة يتعثَّر الطريق إليهـا، فأيٌّ مِن الوجهين أعـطى للعـملة قـيمتها، وأيُّ أثر وقَع على الجسْم من الظِلِّ، أو من الظِلِّ على الجسم؟ ذلك هو سـؤال علاقة التماهي بين السُّلطة والمثقـف، وهو ما يتركك تقفَ حائرًا إزاءه. ستحار إن رأيتها علاقة تابع بمتبوع، فأيُّ اتجاهٍ سيأخذ التأثير؟

 

لعلّ علاقة السياسي بالإعلامي أشدّ تعقيدًا مِمّا تبدو، إذ ستكون عرةً لتحوّلات عند الطرفين لتفاعلٍ قـد يقع بينهما، فيكون التأثير والتأثر تبادلًا خلّاَقًا، أو تنافـرًا هـدَّاما، أو عكس تلك النتائج كلها.

 

(2)

 

وَقَفتُ كثيرًا عند مشاهدة ما نُظِّم من لقاء ٍجماهيري، رتبته لقـائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، حكومته المؤقتة، لتعزيز سلطته على البلاد، وهـو الذي قاد انقلابًا عسكريًا على أول حكومة انتقالية، جاءتْ بعد الانتقاضة الشعبية التي أسقطت النظام في 2019، وهو الذي جثم 30 عامًا على صدور السودانيين. ذلك اللقاء الجماهيري، وقد نظمته على الأرجح وزارة إعـلامه، جرت توقيته ليكـون مناسبة يردّ فيها قـائد الجيش على حجب الإدارة الأميركية تأشـيرة الدخول عنه، فمنعته من حضور دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في نيويورك. وقف الرَّجل يخاطب جمهورًا جرى حشده بمهنية إعلامية دقـيقة، حتى لا يحمل ذلك اللقاء احتجاجًا على التصرّف الأميركي، بل التحدّي الواضح، إذ صاح في تلك الحشود: "لسنا معنيين بمنحٍ أو منعٍ للتأشيرات، ونحن في غنىً عنهـا". صاح الرجل بهذا القول، متحدِّيا أمام آلاف المحتشدين، أن السودان لن يخضع للضغوط ولا للابتزاز ولا للتهديد، فيما أخذت الجماهير تهلل له في حماس منقطع النظير.

 

(3)

 

ما خطر ببالي، في متابعة المشهد وقد تناقلته قنوات السودان، إلا تلك اللقاءات التي كانت تنظمها وزارة الدعاية والإعلام للحزب النازي الألماني في أربعينيات القرن الماضي، وقد أنشأها هتلر لحشد التأييد الحماسي ليخوض الشعب الألماني بعد أن تمت عسكرته حروبا مدمرة هي الحرب العالمية الثانية. لعبتْ وزارة الدعاية تلك تحت قيادة جوزف غوبلز دورًا رئيسا في العمل على بسط سطوة الحزب النازي، فنجحت في إخضاع العقول قبل الأجسام، لخوض تلك الحروب المدمِّرة في أنحاء أوروبا. ولك أن تعلم أن غوبلز مثقف ألماني وأستاذ جامعي، يحمل دكتوراة في الألسنية، ومؤلف كتبٍ عِدَّة، منها روايات ومذكرات سياسية. عُرف عنه حماسه لأفكار هتلر، خصوصًا كتابه "كفاحي". وتولى غوبلز مهمّة الترويج السياسي في أوساط الحزب، والتنظير لبرامج التأثير الإعلامي لكسب التأييد الأعمى لسياسات هتلر المعادية لليسار وللأفكار الشيوعية وأتباعها اليهود، وتجييش الشعب الألماني لينحاز لأفكار حزبه الخاصة بالاشتراكية القومية النازية.

 

(4)

 

لا تأتي صناعة الطغاة من فراغ، بل لو أمعنّا النظر فإنّ جذورها أفكار ومبادئ تنتجها عقولٌ شيطانية ويتبناها أقـوياءٌ شِــداد. لا أحتاج لأذكرك بحكايات التاريخ، وهي كثيرة لا تُحصى، وإنْ كُنتُ أراها أوضح ما تكون في مثلِ تلك العلاقة التي نشأتْ بين الطاغية رودولف هتلر ووزير دعايته وإعلامه الدكتور غـوبلز. أراها، ولغرابة تفـرُّد مأساويتها، أشبه ما تكون بما رأيناه في شاشات السينما العالمية، من سُخرياتٍ صنعتها السينما للإضحاك، الذي تُحدِثه الثنائيات الكوميدية، تلك التي عرفتها السينما العالمية، وأشهرها للوريل وهاردي، والثنائي الآخَرَيْن آبوت وكوستيلو، يأتي من المفارقة والتناقض بين النّحيل الذكي (العقل) والبدين الغبي (القوة).

 

في حالة ألمانيا، يأتي الأكاديمي الجامعي غوبلز لترتيب السَّاحة الإعلامية ليفعل بعقول الجماهير الألمانية ما يسحرها، فتنقاد إلى الطاغية منصاعة، مغسولة الدماغ وكأنها مسيّرة بلا إرادة. بعدها خاض السياسي الطاغية معاركه ليُدخل العالم في حروب زلزاليةٍ قضتْ على ملايين البشر. في نهاية المسرحية الكارثية عام 1945، ينتحر الطاغية هتلر، ويلحق به من شارك في صنعه، غوبلز.

 

(5)

 

للمرء أن يتساءَل عمّا يدور في السودان، من حرب يقودها للعام الرَّابع جنرالٌ يُجاهر بأنه سيمضي في حربه التي سَمّاها حرب الكرامة، حتى يقضي على آخر مُتمرّد يواجه القوات المُسلحة. ألا تقترب تلك المشاهد السودانية، وما يفعله الإعلام السوداني، من مشاهد ما فعل وزير الدعاية الألماني في تجييش شعب ألمانيا وغسل أدمغة بنيه، فساهم في صناعة طاغية قاد شـعبه إلى دمار ماحق؟

 

من أقوال الوزير الألماني المُنتحر غوبلز: إعطني إعلامًا بلا ضمير أعـطكَ شعبًا بلا وَعي. ... ما أصدق قولِ رجلٍ عرف َما جَنـتْ يداه فقتل نفسه آخر أمره مع الطاغية الذي صنعه. تُرى كيف ستكون مصائر من يفعلون بأدمغة السودانيين ما يفعلون؟