يمتلك جميعنا أهدافًا وأحلامًا نسعى إلى تحقيقها، لكن الحفاظ على التركيز والالتزام بها قد يصبح أمرًا صعبًا مع مرور الوقت. ويوضح الكاتب جيمس كلير أن كثيرًا من الأشخاص يبدأون بحماس ونوايا جيدة، ثم يجدون صعوبة في الحفاظ على الاستمرارية لفترة طويلة، بينما يبدأ آخرون مشروعات وأهدافًا مختلفة ثم يفقدون تركيزهم سريعًا وينتقلون إلى غيرها، لينتهي بهم الأمر إلى تكرار دائرة البدء والتوقف من دون تحقيق تقدم حقيقي.
أسطورة الشغف والتحفيز
يتذكر جيمس كلير، مؤلف كتاب العادات الذرية، في مقال على موقعه الإلكتروني موقفًا حدث له أثناء ممارسة التمارين الرياضية، حين زار صالة الألعاب الرياضية مدرب سبق أن عمل مع آلاف الرياضيين على مدار مسيرته المهنية، من بينهم رياضيون مصنفون على المستوى الوطني وأبطال أولمبيون.
تحدث كلير مع المدرب عن عملية التطور والتحسن، وسأله عن الفارق بين أفضل الرياضيين وغيرهم، وما الذي يفعله الأشخاص الأكثر نجاحًا ولا يفعله معظم الناس.
ذكر المدرب عوامل متوقعة مثل الجينات والحظ والموهبة، لكنه أضاف شيئًا لم يتوقعه كلير، قائلًا إن الأمر يصل في مرحلة معينة إلى معرفة من يستطيع تحمل ملل التدريب يومًا بعد يوم، وأداء التمارين نفسها مرارًا وتكرارًا.
فاجأت إجابة المدرب كلير، لأنها تقدم مفهومًا مختلفًا للعمل الجاد. يتحدث الناس كثيرًا عن ضرورة الشعور بالحماس تجاه أهدافهم، سواء تعلق الأمر بالعمل أو الرياضة أو الفن، فنسمع عبارات مثل «كل شيء يعتمد على الشغف» أو «عليك أن ترغب في تحقيق هدفك بشدة».
لذلك، يشعر كثيرون بالإحباط عندما يفقدون تركيزهم أو حافزهم، لأنهم يتصورون أن الأشخاص الناجحين يمتلكون مخزونًا لا ينفد من الشغف. لكن المدرب يرى أن الأشخاص شديدي النجاح يشعرون بنقص الحافز نفسه الذي يشعر به الجميع، والفارق يكمن في قدرتهم على مواصلة العمل رغم الشعور بالملل.
ويرى المدرب أن القدرة على أداء العمل عندما لا يكون الأمر سهلًا هي التي تفصل أصحاب الأداء المتميز عن غيرهم، وهي كذلك ما يميز المحترفين عن الهواة.
عندما يصبح العمل شاقًا.. استمر رغم الملل
يستطيع أي شخص العمل بجد عندما يشعر بالحافز.
يتذكر كلير أنه عندما كان رياضيًا، كان يحب الذهاب إلى التدريبات في الأسبوع الذي يلي تحقيق انتصار كبير. فمن لا يحب ذلك؟ يكون المدرب سعيدًا، ويشعر زملاء الفريق بالحماس، ويبدو كل شيء ممكنًا.
وبصفته رائد أعمال، يحب كلير أيضًا العمل عندما تتدفق طلبات العملاء وتسير الأمور على نحو جيد، إذ تمنح النتائج الإنسان دفعة تدفعه إلى الأمام.
لكن ماذا يحدث عندما تشعر بالملل؟ ماذا تفعل عندما يصبح العمل شاقًا؟ وكيف تتصرف عندما تشعر بأن لا أحد ينتبه إلى ما تفعله أو عندما لا تحصل على النتائج التي تريدها؟
هل تستطيع مواصلة العمل لمدة عشر سنوات من الصمت؟
تكمن نقطة الاختلاف الحقيقية في القدرة على العمل عندما لا يكون العمل سهلًا.
كثيرًا ما ننظر إلى أهدافنا باعتبارها نتائج نهائية. فنرى النجاح باعتباره حدثًا واحدًا يمكن الوصول إليه ثم الانتهاء منه.
ينظر كثير من الناس إلى الصحة باعتبارها نتيجة نهائية، فيقولون لأنفسهم إن خسارة نحو 20 رطلًا ستعني أنهم أصبحوا في حالة بدنية جيدة. ويرى آخرون ريادة الأعمال بالطريقة نفسها، فيعتقدون أن ظهور شركتهم في صحيفة «نيويورك تايمز» سيضعها على الطريق الصحيح. وينظر بعض العاملين في مجال الفن إلى النجاح باعتباره حدثًا منفردًا، معتقدين أن عرض أعمالهم في معرض أكبر سيمنحهم المصداقية التي يحتاجون إليها.
لكن النظر إلى الأشخاص الذين يحققون أهدافهم باستمرار يكشف أن ما يميزهم لا يرتبط بالأحداث أو النتائج وحدها، وإنما بالتزامهم بالعملية نفسها. فهم يتعلقون بالممارسة اليومية، وليس بالحدث المنفرد.
والمفارقة أن التركيز على العملية هو ما يتيح لك الاستمتاع بالنتائج في نهاية المطاف.
إذا أردت أن تصبح كاتبًا عظيمًا، فسيكون الحصول على كتاب يتصدر قوائم الأكثر مبيعًا أمرًا رائعًا، لكن الطريق الوحيد للوصول إلى هذه النتيجة يبدأ بحب عملية الكتابة نفسها.
وإذا أردت أن يعرف العالم نشاطك التجاري، فقد يكون ظهور شركتك في مجلة «فوربس» أمرًا رائعًا، لكن الطريق إلى ذلك يبدأ بالاستمتاع بعملية التسويق.
وإذا أردت الوصول إلى أفضل حالة بدنية في حياتك، فقد تحتاج إلى خسارة 20 رطلًا، لكن الطريق إلى ذلك يمر بالاعتياد على تناول الطعام الصحي وممارسة الرياضة باستمرار.
أحب العملية واترك النتائج تأتي وحدها
إذا أردت أن تصبح أفضل بكثير في أي مجال، فعليك أن تتعلم حب عملية ممارسته. وعليك أن تحب بناء هوية الشخص الذي يؤدي العمل فعلًا، بدلًا من الاكتفاء بالحلم بالنتائج التي تريد الوصول إليها.
بمعنى آخر، تعلّم أن تحب الملل. أحب التكرار والممارسة. أحب العملية التي تقوم عليها مهنتك أو هدفك، ودع النتائج تتولى أمرها بنفسها.
هذا المقال مقتطف من الفصل التاسع عشر من كتاب جيمس كلير «العادات الذرية»، الذي تصدر قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعًا.
https://jamesclear.com/stay-focused

