نور الدين العلوي

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية

 

يضطرم حماسنا للربيع العربي ونربي الأمل من داخل الردة، ولكننا من حماس نستعجل النتائج تحت ضغط العمر والخسارات اليومية.

 

كتبنا أن الصبر والمطاولة ضروريان لهذه المرحلة، وهما كفيلان بتبين الطريق وتنسيق جهود كل مخلص لإعادة إحياء، أو لنقل بنبرة أقل تشاؤما نفض الغبار عن شعارات الربيع العربي ورفع الردم من طريقه. فالردة تشتغل على الطمس المعرفي والعاطفي وتثبيط كل طموح لاستعادة ألق الشوارع الهادرة بالحرية وبتحرير فلسطين.

 

لم يمت الربيع ولم يمت أنصاره، لقد أثخنت فيهم الردة وارتفعت الأكلاف، وآلمهم كثيرا ما انتهت إليه غزة وتأخر مكاسبها من معركة المائة ألف شهيد، رغم قداسة المعركة ضمن الربيع. يحتاج الربيع ضم أنصاره إليه ويحتاج توحيد الكلمة شرقا وغربا، بما نسميه مؤقتا بناء خط تحرير فكري وسياسي يقود الكتابة بروح الربيع، فيرسخ شعاراته ويبلور بدائله بالصبر والمثابرة الضروريين للمعارك الكبيرة والمصيرية.

 

واقع حال أنصار الربيع في كل الأقطار العربية

 

يتسم صف الربيع المشتت جغرافيا بتشتت إجرائي سببه أن كل جماعة من الأنصار انشغلت بقُطرها ومشاكله اليومية، وهي مشاكل تتجدد كل صباح وتتطلب متابعة يومية وتفاعلا حينيا للنقد والتمحيص، أو قول حق ولو في موضع جزئي. وقذ أدى الشد إلى الجزئي إغفال الكلي الجامع، حتى عاد الأنصار إلى وضع ما قبل الربيع في العزلة والتشتت. ونظن أن هذه إحدى مكاسب الردة على الربيع؛ أن ينغرس الربيعيون في المحلي ويغفلون عن قوَّتهم الكامنة في الاهتمام الجماعي بالحرية. لقد ارتعبت منظومات الحكم الساقطة بالربيع من قوة الموجة الموحدة التي انطلقت من تونس، فإذا هي في أقصى المغرب إلى أقصى المشرق ومرت بالقاهرة فأيقظت مواتها.

 

تلك الموجة كانت جبارة وهي لا تزال مخيفة وترعب منظومات الردة والمنظومات تبذل جهدا جبارا لمنع تكرارها، ولذلك تقطع عليها الطريق بإغراق الشوارع في اليومي الغث. نعجز عن تقديم أرقام كمية، لكن الملاحظات اليومية في السوشيال ميديا العربية تقدم لنا تقديرا عاما عن القضايا الهامشية التي تفرض على النقاش، خاصة التي تصدر عن القاهرة وإعلام الانقلاب. في مقابل ذلك يقع الربيعيون في الرد والرد على الرد، فإذا هم في شبكة لا يملكون فك رموزها فيتيهون عن الأصل إلى الفروع وهذه بغية الردة ومن يمولها.

 

مشهد الردة كارثي على الأقطار.. وهذه نقطة بداية

 

يعاين الربيعيون فشل الردة في مصر وتونس وغيرهما. الأرقام فاضحة؛ الانقلابيون فشلوا في كل وعودهم، لقد قالوا: ماذا نفعل بالحرية ونريد أن نُشبع كروش الناس؟ فلا الحرية أبقوا ولا الشبع جلبوا، بل فتحوا السجون يملؤونها كل صباح بالوجوه الشابة التي كان بعضها طفلا في 2011. ونظن أن هذه نقطة بداية لخطاب موحد ضد الردة، ويمكن أن يكون مرتكزا لخط تحرير سياسي ونضالي على طول خريطة الربيع. نقرأ فيها (الآن) كتابات مشتتة كل حسب موضعه الجغرافي، ولكن الخطاب انفعالي غير مؤسس لخريطة كلام يقود التحرير.

 

حدثت حرب الطوفان وأُبيد شعب ولا يزال يباد تحت أنظار أنظمة الردة وبتواطؤ كامل منها، ومباركة وتشف لم تخف على الربيعيين. واتضح بالفعل لا بالتخمين أن الردة جاءت في بعض أسبابها كي لا ينطق مرة ثانية شعار "لن نترك غزة وحدها"، وهي الترجمة العملية لشعار الربيع "الشعب يريد تحرير فلسطين".

 

فشل اقتصادي واجتماعي وسياسي لم يؤلف الربيعيون بين أسبابه ونتائجه، وظلوا يردون متفرقين على معركة شاملة مهمتها منع حدوث الربيع ثانية. فالردة لديها خطة واضحة: التجويع والتركيع وقطع الأنفاس التحررية عمن أطلق الربيع وعمن يمكن أن يرثه ويواصله حتى يبلغ منتهاه. حرب ممنهجة يقابلها رد بلا خطة، وهو ما يضاعف قوة الردة ويضعف الربيعيين.

 

ملامح خط تحرير ربيعي

 

يعسر علينا وضع خطة مفصلة، فهي لا تكون إلا ثمرة تفكير وجهد جماعيين، لكننا نرمي الكلمة في بطن ظلمة التشتت. ونقول وجبت معاملة الردة على الربيع على أنها موجة مضادة شاملة لا قُطرية، وأن ما حدث في مصر كان إشارة انطلاق لعمل منسق قادته منظومات معادية من الداخل ومسنودة من الخارج لقطع الطريق على الربيع. لا فرق بين ما يفعله السيسي وما يفعله قيس سعيد وما يفعله حفتر، وكله من جنس فعل التطبيع الذي سيق إليه المغرب رغم رفض الشوارع (كان الشارع المغربي أكثر الشوارع وقوفا مع غزة في حربها).

 

إذن الردة واحدة ويبنغي أن يكون الرد موحدا لا مفصلا مهما اختلفت الجغرافيا. يشمل الرد بالقوة دفاعا موحدا عن الحرية الفكرة والممارسة وعن قدسية صندوق الانتخابات المفضي إلى المزيد من الحرية، وبالقوة إلى التحرر الاقتصادي ولو طال السعي فيه وهو أمر متوقع.

 

هذه البديهيات التي تبدو متفقا عليها ضمنا تبدو لنا مما نطالع أنها تختفي من كتابات الربيعيين عندما ينجرّون إلى القُطري والمحلي واليومي. المطلوب ربيعيا بناء مراجع كتابة سميناها خط تحرير الربيع العربي. ولا نزعم بناء سياسات تحريرية بالنظر إلى بعدنا عن حقل الصحافة والإعلام بمعناهما الاحترافي المهني، ولكننا نكتب انطلاقا من حاجتنا إلى توحيد جهود الكتابة والتفكير في المجال الإعلامي والفكري لإحداث نقلة تخرج الأقلام الربيعية من الغرق في ما تُجر إليه يوميا من تفاهات الردة، وهي خطة لا نشك في ترتيبها ودفع الناس إليها بقوة المال والمكيدة.

 

مرتكزات أربع نجمل فيها ما تقتضيه اللحظة:

 

1- الربيع العربي حقيقة تاريخية وليست حلم صيف عبر.

 

2- الردة فشلت في ما خططت له، وهي تمهد للربيع العائد بالقوة.

 

3- الرد على الردة يكون بتوحيد الاتجاه وصب الأقلام والرؤى في سياق استعادة الديمقراطية وتكريس واقع حريات لا يمكن الردة عليه مرة أخرى.

 

4- الانتباه الدائم واليومي للمشاغل الغثة التي تختلقها الردة وعدم الانجرار إلى بؤرة العبث اليومي بالفهم والتعالي والتجاوز نحو المطالب الكبرى، وهي شعارات الربيع المعلقة في رقاب الربيعيين.

 

نعم يوجد ربيعيون لم يرتدوا عن شعارات الربيع، والطريق الآن سالكة وتتطلب الأثمان.