قد يبدو بناء العادات الجيدة أمرًا صعبًا، خصوصًا عندما يكون الهدف هو الالتزام بها على المدى الطويل. لكن الكاتب جيمس كلير يرى أن اتباع بعض الاستراتيجيات البسيطة يمكن أن يساعد على بناء عادات أفضل والتخلص من العادات السيئة، وتحقيق تقدم حقيقي في الأهداف المرتبطة بالصحة والعمل والحياة اليومية.


ونشر جيمس كلير، الكاتب المتخصص في العادات واتخاذ القرارات والتحسين المستمر، هذا المقال عبر موقعه، موضحًا أن بناء عادة جديدة لا يحتاج بالضرورة إلى خطوات معقدة أو تغييرات جذرية، بل يمكن البدء بخطوات صغيرة وسهلة تساعد على الاستمرار وتحويل السلوك الجديد إلى جزء طبيعي من الحياة.

 


ابدأ بعادة صغيرة لا يمكنك رفضها


يرى كلير أن أهم عنصر في بناء عادة جديدة هو الاستمرارية. فلا تهم جودة الأداء في يوم واحد بقدر ما يهم استمرار الجهد على مدار فترة طويلة، لأن الالتزام المتكرر هو الذي يصنع الفارق الحقيقي.


ولهذا السبب، ينبغي أن تكون العادة الجديدة سهلة إلى درجة تجعل رفضها أمرًا شبه مستحيل. بل إن السلوك الجديد في بدايته ينبغي أن يكون بسيطًا إلى حد قد يبدو معه الأمر مضحكًا.


إذا كنت تريد بناء عادة لممارسة الرياضة، اجعل هدفك اليوم هو ممارسة التمرين لمدة دقيقة واحدة فقط. وإذا كنت تريد البدء في الكتابة، اجعل هدفك كتابة ثلاث جمل اليوم. أما إذا كنت تسعى إلى اتباع نظام غذائي أكثر صحة، فيمكن أن يكون هدفك تناول وجبة صحية واحدة خلال هذا الأسبوع.


ولا يعني البدء بخطوة صغيرة أن عليك الاستمرار بهذا المستوى إلى الأبد، فستتاح أمامك فرص كثيرة لزيادة الجهد والمدة والصعوبة لاحقًا. لكنك لا تحتاج في البداية إلى الاشتراك في صالة تدريب شاقة، أو كتابة كتاب كامل، أو تغيير نظامك الغذائي بالكامل.


وقد يدفعك النظر إلى ما يفعله الآخرون إلى مقارنة نفسك بهم، كما قد تشعر برغبة في تحسين أدائك بسرعة وإضافة المزيد من المهام. لكن كلير ينصح بعدم السماح لهذه المشاعر بإخراجك عن المسار.


ويكفي في البداية أن تثبت لنفسك قدرتك على الالتزام بشيء صغير لمدة 30 يومًا. وبعد أن تدخل في إيقاع ثابت وتثبت قدرتك على الاستمرار، يمكنك التفكير في زيادة مستوى الصعوبة.


في مرحلة البداية، لا ينبغي أن يكون الأداء هو الأولوية. فقيامك بشيء مثير للإعجاب مرة أو مرتين لن يكون ذا قيمة كبيرة إذا لم تستطع الاستمرار فيه على المدى الطويل. لذلك، اجعل عادتك الجديدة سهلة إلى درجة يصعب معها أن تقول لها «لا».

 


اكتشف ما الذي يمنعك من الاستمرار


تحدث كلير مؤخرًا مع قارئة تُدعى جين كانت ترغب في ممارسة الرياضة بانتظام، لكنها اعتادت الاعتقاد بأنها، بحسب تعبيرها، «من الأشخاص الذين لا يحبون ممارسة الرياضة».


لكن جين قررت تفكيك المشكلة إلى عناصرها، فاكتشفت أن ممارسة الرياضة نفسها لم تكن ما يزعجها. كان الإزعاج الحقيقي يكمن في الاستعداد للذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية، وقيادة السيارة لمدة 20 دقيقة للوصول إليها، ثم ممارسة التمرين. كما أنها لم تكن تستمتع بممارسة الرياضة في مكان عام أمام الآخرين.


اكتشفت جين أن هذه العوامل هي الحواجز الحقيقية التي تعوق بناء عادة ممارسة الرياضة لديها.


وبعد أن حددت المشكلة، بدأت تبحث عن طريقة تجعل ممارسة الرياضة أسهل. اشترت فيديو لتمارين اليوجا وبدأت ممارسة الرياضة في المنزل ليلتين أسبوعيًا. وكانت تعمل أيضًا معلمة، وتوفر مدرستها حصة رياضية لأعضاء هيئة التدريس بعد انتهاء اليوم الدراسي، فبدأت المشاركة فيها لأنها لم تعد بحاجة إلى القيادة إلى مكان آخر أو تخصيص وقت طويل للاستعداد لممارسة الرياضة.


واستمرت جين في روتينها الرياضي لأشهر، وقالت إن الإنسان قد لا يستطيع إصلاح كل شيء لا يحبه، لكن اكتشاف طريقة لتجاوز عقبة أو اثنتين من العقبات التي تعترض طريقه قد يمنحه الدفعة التي يحتاج إليها لتجاوز مرحلة التعثر والالتزام بأهدافه.


ويؤكد كلير أن الأشخاص الذين ينجحون في الالتزام بالعادات الجيدة يعرفون تحديدًا ما الذي يمنعهم من الاستمرار.


وقد يعتقد الإنسان أنه «من النوع الذي لا يحب ممارسة الرياضة»، أو «من الأشخاص غير المنظمين»، أو «من الأشخاص الذين يستسلمون أمام الرغبة الشديدة في تناول الحلويات». لكن هذه التصورات لا تعني بالضرورة أن الفشل قدر محتوم.


وبدلًا من إطلاق حكم عام على نفسك وعاداتك، حاول تفكيك السلوك إلى أجزاء أصغر، ثم اسأل نفسك عن الجزء الذي يمنعك تحديدًا من الاستمرار.


وعندما تعرف العنصر الذي يعوقك، يصبح بإمكانك ابتكار حل يستهدف المشكلة نفسها بدلًا من التعامل معها باعتبارها عيبًا ثابتًا في شخصيتك.

 


ضع خطة للتعامل مع التعثر والعودة سريعًا


يقول دان جون، مدرب القوة والإعداد البدني المعروف، للرياضيين الذين يدربهم في كثير من الأحيان: «لست جيدًا بما يكفي لكي تشعر بخيبة الأمل».


وينطبق المبدأ نفسه على بناء عادة جديدة. فلا ينبغي أن تتوقع النجاح المستمر منذ اليوم الأول، أو أن تتوقع الكمال، بينما يخطئ الأشخاص الذين يمارسون السلوك نفسه منذ سنوات بصورة منتظمة.


وعليك أن تتعلم ألا تحكم على نفسك بقسوة أو تشعر بالذنب عندما تخطئ، وأن تركز بدلًا من ذلك على وضع خطة تساعدك على العودة إلى المسار الصحيح بأسرع ما يمكن.


ويرى كلير أن إحدى أكثر الأفكار فائدة في هذا السياق تتمثل في قاعدة «لا تفوّت مرتين».


قد تفوّت تمرينًا واحدًا، لكن لا تسمح لنفسك بتفويت تمرينين متتاليين. وقد تأكل بيتزا كاملة في إحدى المرات، لكن اجعل وجبتك التالية صحية. وربما تنسى ممارسة التأمل اليوم، لكن عد إليه في صباح الغد وكأن شيئًا لم يحدث.


ولا يعني التعثر في إحدى عاداتك أنك شخص فاشل؛ بل يعني أنك إنسان طبيعي. وما يميز أصحاب الأداء المرتفع عن غيرهم ليس أنهم لا يخطئون، وإنما أنهم يعرفون كيف يعودون إلى المسار الصحيح بسرعة.


ولهذا، لا تجعل هدفك أن تصبح شخصًا لا يخطئ أبدًا، بل أن تصبح شخصًا يعرف ماذا يفعل عندما يخطئ.


كما يمكن أن يساعدك وضع جدول زمني بدلًا من الاعتماد على مواعيد نهائية صارمة، لأن التركيز على انتظام السلوك يجعل العادة جزءًا من روتينك اليومي بدلًا من تحويلها إلى مهمة مؤقتة ينبغي إنجازها قبل موعد محدد.


ومن المفيد أيضًا ألا تجعل تركيزك منصبًا بالكامل على الأداء، بل أن تعمل على بناء هوية جديدة لنفسك. فبدلًا من التفكير في أنك «تحاول ممارسة الرياضة»، ابدأ في النظر إلى نفسك باعتبارك شخصًا يمارس الرياضة. وبدلًا من اعتبار نفسك شخصًا «يحاول الكتابة»، انظر إلى نفسك باعتبارك كاتبًا يكتب باستمرار.


وتساعد هذه الطريقة على نقل العادة من مجرد مهمة تؤديها إلى جزء من الصورة التي تحملها عن نفسك.


ولا يحتاج بناء العادات الجيدة إلى بداية مثالية أو خطة معقدة. ففي كثير من الأحيان، يبدأ التغيير الحقيقي بخطوة صغيرة للغاية، ثم يتطور مع الوقت من خلال الاستمرار وفهم العقبات والتعامل الذكي مع لحظات التعثر.


ويؤكد كلير أن التغييرات الصغيرة في العادات يمكن أن تقود إلى نتائج لافتة مع مرور الوقت، وهي الفكرة الأساسية التي يتناولها كتابه «العادات الذرية»، الذي يقدم مجموعة من الأفكار العملية لبناء العادات الجيدة والتخلص من العادات السيئة.


وفي النهاية، لا تكمن قوة العادة في حجم ما تفعله في يوم واحد، وإنما في قدرتك على العودة إليها مرة بعد أخرى. ابدأ بشيء بسيط، اكتشف ما يعوقك، ولا تسمح لتعثر واحد بأن يتحول إلى سلسلة من التعثرات. فالعادات لا تُبنى في يوم واحد، لكنها تتشكل يومًا بعد يوم.

 

https://jamesclear.com/good-habits