بقلم/ الدكتور عبد الله سيف
تُعدّ المحطات الانتقالية الكبرى في تاريخ الشعوب نقاط ارتكاز مفصلية تشكّل ليس فقط الاتجاهات السياسية والاقتصادية للدولة، بل تُعيد رسم البنية النفسية والإدراكية لصنّاع القرار. وفي مصر المعاصرة، تقف ثورة 25 يناير 2011 ومآلاتها كحدث جوهري أُعيد على أساسه ترسيم قواعد الحكم والتفكير الأمني. ومن خلال أدوات علم النفس السياسي وتحليل الخطاب، يتكشف لنا أن التعاطي الرسمي مع هذه الثورة ورموزها مرّ بتحولات عميقة تعكس النمط الشخصي للرئيس عبد الفتاح السيسي، وطريقة تفاعله مع السلطة والأزمات المتلاحقة.
ينتمي البناء النفسي لصانع القرار في هذا السياق إلى ما يُعرف بـ "القيادة التسلطية-الحمائية" الممتزجة بـ عقيدة المؤسسة المغلقة. تتشكل الرؤية الذاتية لدى القائد في هذا النمط باعتباره "الراعي المسؤول والمنقذ الوحيد" الذي يمتلك الحكمة الشاملة لمصلحة الأمة، بينما يُنظر إلى الشارع والمجتمع المدني كأبناء قُصَّر لا يدركون أبعاد الأمن القومي. كما أن التنشئة داخل بيئة عسكرية صارمة تجعل الذهنية تميل إلى "خطأ العزو الأساسي"؛ حيث يُترجم أي حراك شعبِي غير خاضع للسيطرة الكاملة على أنه فوضى أو مؤامرة تهدف لتفكيك الدولة، وليس تعبيراً عن مطالب اجتماعية وسياسية مشروعة.
وقد شهد السلوك اللفظي والرمزي تجاه الثورة تحولاً سيكولوجياً عبر ثلاث مراحل رئيسية؛ ففي البداية (2013-2014)، اعتمد النظام استراتيجية "استيعاب المهدِّد" من خلال التماهي مع لغة الشارع ووصف يناير بـ "الثورة المجيدة" لكسب الشرعية. ومع تراكم الأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية، انتقل الخطاب نحو آلية "الإسقاط النفسي"؛ إذ أصبحت يناير تُقدم كمتغير مستقل ومسؤول عن كافة المشاكل الراهنة من ديون وتضخم. وأخيراً، تحول التحذير المتكرر في الخطابات الأخيرة إلى حالة من "الاستنفار الوجداني الحاد" أو ما يمكن تسميته بـ "متلازمة يناير"، حيث تحولت الثورة في الوعي الباطن من حدث تاريخي مضى إلى صدمة متكررة تهدد بقاء النظام.
أما على صعيد التعامل مع رموز الثورة وشبابها، فتُفهم إجراءات التضييق والتنكيل عبر آلية "الردع الاستباقي" للقضاء على أي نواة قيادية قادرة على تعبئة الشارع مستقبلاً. ويرافق ذلك استخدام آلية "التشديد الأخلاقي والتخوين" لنزع المشروعية عن المعارضين وتصويرهم كأدوات للهدم لا كخصوم سياسيين. يعكس هذا السلوك نفوراً كامناً من التعددية والسياسة المفتوحة؛ فالنمط القيادي الأمني يفضل القرارات المباشرة ويخشى المساحات السياسية التي يصعب التنبؤ بنتائجها.
وفي إطار التواصل الجماهيري، يعتمد الخطاب على "تنشيط الخوف" عبر وضع المواطن أمام خيار ثنائي حاد: إما استمرار السلطة والأمن المادي المتبقي، أو الانزلاق نحو الفوضى والانهيار على طريقة 2011. ولترميم الفجوة بين الوعود الواقعية والضغوط المعيشية، يلجأ القائد إلى الاستدعاء الديني والشرعية التعويضية من خلال الحديث عن التوكل والنية الصادقة والإسناد الإلهي؛ مما يخلق حائط صد نفسي يجعل نقد السياسات يبدو وكأنه تعطيل لمسيرة إنقاذ مقدسة.
تؤكد هذه القراءة السيكولوجية غياب "عقدة الذنب" أو تأنيب الضمير التقليدي لدى القيادة السياسية؛ فقد قامت الذهنية بتسويغ كافة القرارات القاسية باعتبارها ضرورات وطنية لحفظ الدولة. إلا أن هذا لا ينفي وجود قلق وجودي حقيقي وتوتر دائم ناتج عن الإدراك العميق بحجم الاحتقان الاقتصادي، والخشية من أن يؤدي الضغط المعيشي إلى انفجار غير محسوب. وبناءً على هذه الديناميكيات، يُتوقع استمرار الاعتماد على الضبط الأمني الاستباقي وتكثيف خطابات التحذير، حمايةً لشرعية الاستقرار ومنعاً لتكرار سيناريو 2011.

