يفتح مشروع الجينوم المصري، بالتوازي مع مباحثات التعاون الصحي مع شركة G42 الإماراتية، أسئلة عن حماية البيانات الوراثية وحدود استخدامها، ومسؤولية الحكومة عن ضمان ألا يتحول التوسع البحثي والرقمي إلى مدخل للمساس بخصوصية المواطنين.
وتفرض حساسية هذه المعلومات ضرورة إعلان ضمانات واضحة بشأن جمع العينات وتخزين النتائج ومشاركتها، لأن الحديث عن تطوير العلاج لا يعفي الجهات المسؤولة من توضيح صلاحيات الشركاء، وحقوق المشاركين، وحدود الاستفادة التجارية من بياناتهم.
تعاون صحي يحتاج ضمانات معلنة
ففي يناير 2024، بحثت وزارة الصحة التعاون مع شركة G42 في القطاع الصحي، وتناول الإعلان تطبيق «ملفي» وربط المعلومات الطبية بنتائج البصمة الوراثية، مع توجيه بدراسة تشغيل نموذج تجريبي بإحدى المحافظات.
لكن الإعلان عن مباحثات أو دراسة تطبيق تجريبي لا يثبت انتقال إدارة الجينوم المصري إلى شركة أجنبية، ولا يعني تنفيذ ربط شامل لبيانات السكان، وهي فروق أساسية عند تقييم حجم التعاون وآثاره.
ومع ذلك، تبقى الحكومة مطالبة بتوضيح ما انتهت إليه هذه المباحثات، وما إذا أبرمت اتفاقات تنفيذية، وأي بيانات تشملها، ومن يتولى معالجتها، بدل ترك الجمهور يستنتج نطاق المشروع من إعلانات متفرقة.
كما يبرز السؤال عن طبيعة دور الشريك التقني، وهل يقتصر على تقديم أجهزة وبرمجيات أم يمتد إلى تحليل بيانات فردية، وما الحدود التي تمنع استخدامها في أغراض تتجاوز المهمة المتفق عليها.
وفي هذا السياق، فإن نشر ملخصات واضحة للاتفاقات وسياسات التعامل مع البيانات يمثل مطلبًا رقابيًا مشروعًا، مع الحفاظ على التفاصيل التي قد يضر إعلانها بأمن الأنظمة، وإتاحتها للجهات المختصة بالمراجعة والتدقيق.
كذلك تستدعي المساءلة تحديد أماكن التخزين والنسخ الاحتياطية، والجهات المخولة بالدخول إلى الأنظمة، وضوابط الوصول من الخارج، دون القفز إلى استنتاج أن البيانات خرجت بالفعل من مصر في غياب دليل موثق.
ومن ثم، لا ينبغي أن تصبح صفة المشروع القومي أو الشراكة الاستثمارية حصانة من الأسئلة، فكل توسع في جمع معلومات شديدة الحساسية يستوجب توسيع الرقابة، وتحديد المسؤوليات، وتقديم إجابات قابلة للتحقق.
أرقام الدراسة وحدود الاستنتاجات المتداولة
وفي 7 أبريل 2026، أعلنت وزارة التعليم العالي نتائج دراسة للتسلسل الجيني الكامل شملت 1024 مواطنًا من 21 محافظة، وأفادت برصد قرابة 17 مليون تباين جيني لم يكن مسجلًا بقواعد البيانات العالمية.
وبناءً على هذا الإعلان، فإن الرقم يتعلق بعينة بحثية محددة، ولا يثبت امتلاك شركة أجنبية الجينوم الكامل لملايين المصريين، كما لا يقدم بمفرده دليلًا على دمج النتائج بالملفات الصحية لجميع المواطنين.
كما نسبت الوزارة تمويل المشروع إلى أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وتنفيذ الأبحاث إلى مركز البحوث والطب التجديدي، بمشاركة مؤسسات أكاديمية مصرية، وهو ما يستوجب التمييز بين هذه الدراسة ومباحثات التعاون الأخرى.
وبالتالي، فإن جمع إعلانات تخص مشروعات وجهات مختلفة في رواية واحدة عن تسليم البيانات يحتاج إلى وثائق تثبت العلاقة التشغيلية والتعاقدية بينها، بدل اعتبار تزامن الأنشطة دليلًا كافيًا على وحدة إدارتها.
أما الاتهامات الواردة في النص المتداول عن بيع جينات المصريين وبدء حرب بيولوجية ضدهم، فلا يقدم النص أدلة تثبتها، ولا تكفي إعلانات التعاون الصحي أو نتائج الأبحاث لإسناد هذه الاستنتاجات الخطيرة.
وفي المقابل، لا يؤدي استبعاد الاتهامات غير المثبتة إلى إسقاط أسئلة الخصوصية، فالمطالبة بتوضيح شروط المشاركة والرقابة قائمة بذاتها، وتزداد قوتها عندما تستند إلى وقائع محددة يمكن مساءلة المسؤولين عنها.
إذ قد تحمل المعلومات الجينية دلالات تخص صاحب العينة وأقاربه، بما يشمل مخاطر صحية وروابط عائلية، وهو ما يجعل توضيح آثار المشاركة على الأسرة جزءًا مهمًا من الموافقة المستنيرة في الأبحاث.
ولهذا، فإن التعامل مع البيانات الوراثية باعتبارها مجرد ملفات تقنية يتجاهل حساسيتها الإنسانية، ويستدعي قواعد مفهومة للمشاركين تحدد ما يجري تحليله، وما يمكن مشاركته، وكيفية التعامل مع النتائج ذات الأثر الشخصي.
حقوق المواطنين قبل مصالح الشركات
وفي مقدمة هذه الحقوق، تأتي الموافقة المستنيرة التي تتيح للمشارك فهم طبيعة البحث واستخدام بياناته، بدل اختزال العلاقة في توقيع شكلي؛ إذ ترتبط أبحاث الجينوم بأسئلة الهوية والخصوصية واستقلال قرار المشاركة.
كما ينبغي توضيح احتمالات الاستخدام التجاري اللاحق للعينات أو المعلومات، وما إذا كانت المشاركة قد تترتب عليها منفعة مالية لأصحابها، وهي أمور تؤكد الإرشادات البحثية أهمية شرحها قبل الحصول على الموافقة.
وبالنسبة إلى المشروع المصري، يظل السؤال العملي متعلقًا بمحتوى نماذج الموافقة المستخدمة فعليًا، والجهة التي تراجع الالتزام بها، وكيفية تمكين المشاركين من الاستفسار والشكوى ومعرفة الجهات التي يسمح لها بالاستفادة من بياناتهم.
كذلك تحتاج أي شراكة إلى تحديد مسؤولية كل طرف عند حدوث استخدام غير مصرح به، وآليات رصد المخالفات والتعامل معها، حتى تكون حماية المواطن التزامًا قابلًا للمتابعة، وليست عبارة عامة داخل إعلان رسمي.
وبالتوازي، تبرز ضرورة توضيح حقوق المؤسسات المصرية في نتائج الأبحاث والمنتجات الناشئة عنها، وكيف يمكن أن تعود المنافع على الخدمات الصحية، بدل الاكتفاء بقياس النجاح بحجم البيانات المجمعة أو عدد الاتفاقات المعلنة.
وفي هذا الإطار، يمثل الاستثمار في قدرات الباحثين والبنية البحثية المحلية مطلبًا أساسيًا، مع إخضاع الشراكات الخارجية لمراجعة واضحة تضمن استمرار القدرة المصرية على إدارة المشروع ومراقبة استخدام المعلومات والانتفاع بنتائجه.
وعليه، فإن الحكومة مطالبة بعرض إطار مفهوم يحدد المسؤول عن البيانات وصاحب صلاحية الإذن باستخدامها، والجهة المستقلة التي تراقب التنفيذ، لأن المواطن ينبغي أن يكون طرفًا صاحب حقوق في هذا المسار.
وأخيرًا، فإن حماية جينات المصريين تبدأ بضمانات منشورة وموافقة واعية ورقابة قابلة للمحاسبة، فوعود الطب المتقدم لا تمنح أي جهة تفويضًا مفتوحًا في المعلومات الوراثية، ولا تبرر تحويل خصوصية المواطنين إلى بند غامض في الشراكات.

