تسببت إدارة جامعة جنوب الوادي الأهلية في أزمة قاسية هددت مستقبل أكثر من 400 طالب وطالبة، بعدما استبعدتهم من كلياتهم وأجبرتهم على الانتقال إلى جامعات أخرى بدعوى تجاوز الطاقة الاستيعابية المعتمدة.
وتحول القبول الرسمي إلى فخ إداري كامل، بعدما انتظم الطلاب في المحاضرات ثلاثة أسابيع وسددوا المصروفات وأجروا الكشف الطبي ودورات اللغة الإنجليزية، قبل مطالبتهم فجأة بتسلم ملفاتهم والبحث عن مقاعد بديلة.
قبول رسمي ينتهي بالطرد
فبعد استيفاء الطلاب شروط الالتحاق، تسلمت الجامعة ملفاتهم وقبلت مصروفاتهم وأدرجتهم في الجداول الدراسية، بما منحهم وأسرهم تأكيدًا عمليًا بأن إجراءات القبول انتهت وأن مقاعدهم أصبحت مستقرة.
كما لم يدخل الطلاب الجامعة بالتزوير أو التحايل، ولم ينتزعوا مقاعد لا يستحقونها، وإنما تقدموا عبر المنظومة المعتمدة ونفذوا جميع الإجراءات التي حددتها جامعة جنوب الوادي الأهلية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
وعلى مدى ثلاثة أسابيع، حضر الطلاب المحاضرات ومارسوا حياتهم الجامعية بصورة طبيعية، بينما ظلت الإدارة صامتة عن أزمة الأعداد، قبل أن تنقل فجأة نتائج فشلها التنظيمي إلى الطلاب وأسرهم.
لكن الصدمة لم تتوقف عند إلغاء القيد داخل الجامعة، إذ طُلب من الطلاب تسلم ملفاتهم والتوجه إلى جامعات أهلية أخرى، وكأن مستقبلهم الدراسي حقيبة يمكن نقلها بقرار إداري متأخر.
وبدلًا من محاسبة المسؤولين عن قبول أعداد تتجاوز الحدود المعتمدة، جرى تحميل الطلاب وحدهم ثمن التخبط، رغم أنهم لم يحددوا الطاقة الاستيعابية ولم يفتحوا باب التقديم أو يعتمدوا نتائج القبول.
وأمام هذا القرار، فقدت مئات الأسر الشعور بالأمان، بعدما اكتشفت أن خطاب القبول وسداد الرسوم وانتظام الدراسة لا توفر ضمانًا حقيقيًا، وأن الجامعة تستطيع التراجع بعد بدء العام الدراسي.
الأسر تدفع فاتورة الفوضى
وفي محافظة قنا، استأجر عدد من الطلاب مساكن جامعية وخارجية، وتحملت أسرهم تكاليف الإقامة والانتقال والتجهيز، اعتمادًا على القبول الرسمي الذي منحته الجامعة قبل أن تتنصل عمليًا من نتائجه.
ومع مرور ثلاثة أسابيع من الدراسة، أصبح التحويل الإجباري أكثر قسوة، لأن المسألة لم تعد مجرد تغيير جامعة، بل هدم لترتيبات دراسية ومعيشية ومالية استقرت بالفعل على أساس قرارات الإدارة.
وبعدما التحق الطلاب بكليات القمة والبرامج المتميزة، وجدوا أنفسهم أمام احتمالات مجهولة تتعلق بتوفر التخصص نفسه في الجامعات البديلة، وقدرة تلك الجامعات على استقبالهم ضمن أعدادها المقررة.
وعندما تقدمت الأسر باستغاثات إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومجلس الوزراء، أكدت أن أبناءها لم يرتكبوا خطأ، وطالبت بعدم تحويلهم إلى ضحايا لفشل إداري لم يكونوا طرفًا فيه.
ولهذا تبدو محاولة وصف ما حدث بأنه مجرد «تحويل نظامي» التفافًا على جوهر الأزمة، فالطالب الذي قُبل وبدأ الدراسة ثم أُجبر على الرحيل تعرض فعليًا لاستبعاد مهما تغيرت المصطلحات الرسمية.
وبينما تتحدث الجامعة عن عدم إلغاء قبول أي طالب نهائيًا، يبقى السؤال بلا إجابة: كيف يمكن اعتبار إخراج الطالب من جامعته بعد بدء المحاضرات إجراءً طبيعيًا لا يمس حقه واستقراره الأكاديمي؟
تطمينات متأخرة بلا محاسبة
وفي محاولة لاحتواء الغضب، أعلنت إدارة جامعة جنوب الوادي الأهلية عقد اجتماع موسع مع الطلاب المتضررين وأولياء أمورهم، وقالت إنها تتحرك لتذليل العقبات المرتبطة بالتحويل إلى الجامعات الأخرى.
لكن هذا الاجتماع جاء بعد وقوع الضرر، ولم يوضح من سمح بقبول الأعداد الزائدة، ولا كيف استمرت إجراءات القيد والتحصيل والكشف الطبي والدورات والمحاضرات دون اكتشاف تجاوز الطاقة الاستيعابية.
كما أعلنت الجامعة التنسيق لنقل الطلاب إلى جامعات أهلية قريبة من محل إقامتهم، لكنها ربطت ذلك بتوفر البرامج ووجود أماكن شاغرة، ما يعني أن البدائل المطروحة ليست مضمونة لجميع المتضررين.
ومع هذا الشرط، يصبح الطالب مهددًا بفقدان التخصص الذي اختاره أو الانتقال إلى جامعة أبعد، بينما تظل الإدارة التي صنعت الأزمة بعيدة عن تحمل الخسائر النفسية والمادية التي لحقت بالأسر.
وفي الجانب المالي، وعدت الجامعة بتحويل المصروفات المسددة إلى الجهات المستقبلة دون رسوم إضافية، إلى جانب نقل الملفات والشهادات، غير أن إعادة الأموال لا تمحو أسابيع الاضطراب ولا تعيد الاستقرار المفقود.
وفي المقابل، لم يتضمن التوضيح المعلن محاسبة واضحة للمسؤولين عن تجاوز الأعداد، ولم يقدم ضمانات تمنع تكرار الأزمة، واكتفى بإدارة نتائج الخطأ بعد وقوعه بدلًا من تحديد أسبابه والمتسببين فيه.
كذلك لا يكفي تقريب الجامعات البديلة جغرافيًا، لأن حق الطالب لا يقتصر على المسافة، بل يشمل التخصص الذي اختاره والجامعة التي قبلته والبيئة الدراسية التي رتب حياته ومستقبله على أساسها.
وأخيرًا، تفرض أزمة الـ400 طالب تحقيقًا موسعًا من وزارة التعليم العالي ومجلس الوزراء، يبدأ بمحاسبة من اعتمد القبول الزائد، وينتهي بضمان بقاء الطلاب في تخصصاتهم دون تحميلهم جنيهًا واحدًا أو يومًا دراسيًا ضائعًا.
وفي المحصلة، لا تمثل الأزمة خطأً عابرًا في كشوف القبول، بل فضيحة إدارية مكتملة الأركان دفعت الطلاب إلى المجهول، وأثبتت أن الجامعات الأهلية تحصل الرسوم سريعًا بينما تتأخر في حماية الحقوق وتحمل المسؤولية.

