يتسع داخل مدن مؤثرة في الغرب الليبي خطاب يدعو إلى استمرار حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة حتى إجراء الانتخابات، بعدما أعلن ممثلون وفعاليات من مصراتة والزاوية تمسكهم بهذا المسار، ورفضهم أن تتحول الخلافات السياسية إلى ذريعة لفرض ترتيبات جديدة بقوة السلاح.
ويمنح موقف مصراتة والزاوية حكومة الدبيبة دعمًا سياسيًا واجتماعيًا مهمًا في لحظة شديدة الحساسية، إذ ربط المشاركون في «ملتقى أبناء الوطن» بين استمرار الحكومة والحفاظ على الاستقرار والوصول إلى صناديق الاقتراع، معتبرين الانتخابات الطريق الذي ينبغي أن يحسم مستقبل السلطة بدلًا من الصفقات المفروضة أو الصراع المسلح.
كما حمل الملتقى رسالة تتجاوز دعم حكومة بعينها، بعدما شدد المشاركون على وحدة ليبيا وسيادتها واستقلال قرارها، ورفض استمرار الانقسام أو فرض الخيارات السياسية بالقوة، وهي رسائل تعكس القلق المتزايد من أن تعيد التسويات المتنافسة البلاد إلى مربع الصدام بدلًا من إنهاء المرحلة الانتقالية عبر الانتخابات.
وفي المقابل، يبقى المشهد الليبي منقسمًا سياسيًا، بينما تطرح الأمم المتحدة مسارًا أوسع يقوم على انتخابات رئاسية وتشريعية وتوحيد مؤسسات الدولة والوصول إلى سلطة تنفيذية موحدة.
مصراتة والزاوية خلف مسار الانتخابات
جاء الموقف خلال «ملتقى أبناء الوطن» الذي استضافته مصراتة بمشاركة أعيان وحكماء وفعاليات اجتماعية وشبابية ومسؤولين محليين من مصراتة والزاوية، إلى جانب عبد الحميد الدبيبة، في اجتماع وضع المصالحة ومنع العودة إلى الصراع في مقدمة أولوياته.
وأكد المشاركون دعمهم لاستمرار حكومة الوحدة الوطنية إلى حين استكمال العملية الانتخابية، وربطوا شرعية أي انتقال سياسي جديد بإرادة الليبيين عبر الانتخابات الرئاسية والتشريعية، لا بإعادة توزيع المناصب بين القوى المتنافسة خلف الأبواب المغلقة.
ويكتسب موقف المدينتين ثقله من دورهما السياسي والأمني في المنطقة الغربية، خصوصًا في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر محاولات الوصول إلى تسوية نهائية تنهي سنوات الحكومات والسلطات المتوازية.
كما أكد حكماء وأعيان المدينتين ضرورة استمرار التواصل والمصالحة وتجاوز الخلافات التي تعرقل الوصول إلى الانتخابات، فيما دعا الدبيبة إلى تغليب الحوار والعمل على احتياجات المدن بدل العودة إلى الصدام والاقتتال.
ولم يقتصر البيان على دعم الحكومة، بل طالب بتوسيع اللقاءات بين المدن والمكونات الليبية، بما يحول المصالحة من تفاهمات محدودة بين القيادات إلى مسار اجتماعي وسياسي أوسع يستطيع تخفيف الاستقطاب المتراكم بين مناطق البلاد.
الدبيبة يراهن على الاستقرار
ويقدم مؤيدو استمرار حكومة الوحدة حجتهم باعتبار أن تغيير السلطة قبل الاتفاق على قواعد انتخابية قابلة للتنفيذ قد يفتح مرحلة انتقالية جديدة بدل إنهاء المراحل الانتقالية، وهي المعضلة التي عانت منها ليبيا طوال السنوات الماضية.
ويتقاطع جزء من هذه الحجة مع التحذيرات الأممية من إطالة المراحل الانتقالية وتعطيل الانتخابات، إذ تؤكد خارطة الطريق الأممية ضرورة استكمال الإطار الدستوري والقانوني وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وصولًا إلى اقتراع وطني.
وفي أغسطس الماضي، حققت العملية السياسية خطوة جديدة بتوقيع اتفاق تناول أول مرحلتين من خارطة الطريق، وهما إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية ومعالجة المسائل العالقة في الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
كما تواصل الأمم المتحدة الدفع باتجاه انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية، مع التأكيد في الوقت نفسه على توحيد المؤسسات والسلطة التنفيذية، وهو ما يجعل الصراع الحقيقي خلال المرحلة المقبلة يدور حول كيفية الوصول إلى الانتخابات ومن يدير البلاد حتى إجرائها.
ومن هذه الزاوية، يريد مؤيدو الدبيبة تثبيت معادلة تقوم على إبقاء الحكومة الحالية حتى صناديق الاقتراع، بدل فتح باب تشكيل حكومة انتقالية أخرى قد تدخل بدورها في دوامة المدد المفتوحة والتجاذبات السياسية.
صدام حفتر يعقّد التسويات
ويتزامن دعم الدبيبة مع اضطراب محاولات أخرى لإعادة ترتيب السلطة الليبية، بعدما تحدثت تقارير عن خطة مدعومة أمريكيًا لتقريب السلطتين في الشرق والغرب عبر صيغة تمنح صدام حفتر موقعًا قياديًا مقابل إسناد رئاسة الحكومة إلى شخصية من عائلة الدبيبة.
لكن هذه المحادثات تعرضت لانتكاسة عقب اتهامات مرتبطة بهجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت للوقود والطاقة في غرب ليبيا خلال أغسطس، وبينها منشآت في الزاوية، مع تقارير نسبت إلى مصادر بحكومة الوحدة القول إن التعاون مع صدام حفتر أصبح بالغ الصعوبة. ولا تمثل هذه المزاعم ثبوتًا قضائيًا لمسؤوليته.
وطالب ملتقى مصراتة والزاوية بدوره بتحقيقات شفافة في الهجمات التي استهدفت مرافق النفط وخزانات الوقود وتحديد المسؤولين عنها وتقديم من تثبت مسؤوليته للقضاء، رابطًا حماية المنشآت السيادية بحماية الاستقرار السياسي نفسه.
وتعزز هذه التطورات حجة القوى المؤيدة لبقاء حكومة الوحدة، التي ترى أن الأولوية ينبغي أن تكون لتثبيت الأمن وإجراء الانتخابات بدل الدخول في ترتيبات جديدة قد تمنح نفوذًا سياسيًا لقوى مرتبطة بصراع عسكري لم يُغلق ملفه بعد.
الانتخابات وحدها تحسم السلطة
وتظل القيمة السياسية الأبرز لموقف مصراتة والزاوية في تأكيدهما أن صناديق الاقتراع يجب أن تكون نقطة الفصل في الصراع على السلطة، بعدما استنزفت ليبيا سنوات طويلة في حكومات انتقالية ومجالس متنافسة ومسارات تفاوضية تتغير دون الوصول إلى استحقاق وطني شامل.
وفي هذا الإطار، تبدو دعوة استمرار حكومة الدبيبة حتى الانتخابات بالنسبة لمؤيديها محاولة لمنع ولادة مرحلة انتقالية إضافية، وليس منح الحكومة بقاءً مفتوحًا، إذ ربط بيان الملتقى استمرارها صراحة باستكمال العملية الانتخابية.
لكن المسار الأممي يضع كذلك توحيد السلطة التنفيذية ضمن متطلبات الوصول إلى الانتخابات، ما يعني أن مستقبل حكومة الوحدة سيظل جزءًا من التفاوض السياسي الأشمل بين المؤسسات والقوى الليبية خلال المرحلة المقبلة.
وبين هذين المسارين، يظل موقف مصراتة والزاوية رسالة واضحة بأن قطاعًا من القوى المحلية في الغرب يريد الذهاب مباشرة نحو الانتخابات، ويرفض أن تستخدم حالة الانقسام مدخلًا لفرض سلطة جديدة بالسلاح أو لإنتاج صفقة سياسية لا تمر بإرادة الناخبين.

