يواصل الدولار الأميركي صعوده أمام الجنيه للأسبوع الثاني على التوالي، مقتربًا بقوة من حاجز 53 جنيهًا، لتعود أزمة سعر الصرف إلى الواجهة مجددًا، بينما تتحمل الأسواق والمواطنون تبعات كل موجة هبوط جديدة للعملة المحلية في صورة زيادات متتالية بالأسعار وتراجع مستمر للقوة الشرائية.
ويضع هذا الصعود سياسة الاعتماد على تدفقات الأموال الساخنة تحت اختبار قاسٍ، بعدما أصبحت حركة الجنيه شديدة الحساسية لدخول وخروج استثمارات أجنبية تبحث عن العائد المرتفع والسريع، بما يجعل استقرار العملة مرتبطًا بأموال تستطيع مغادرة السوق بالسرعة نفسها التي دخلت بها.
الدولار يواصل الضغط على الجنيه
فقد سجل الدولار أعلى سعر داخل القطاع المصرفي في بنكي «سايب» و«إتش إس بي سي»، عند 52.35 جنيه للشراء و52.45 جنيه للبيع، وهو مستوى يضع العملة الأميركية على مسافة محدودة للغاية من حاجز 53 جنيهًا الذي أصبح أقرب مع استمرار موجة الصعود الحالية.
وفي المقابل، سجل أقل سعر للدولار لدى كريدي أغريكول 52.14 جنيه للشراء و52.24 جنيه للبيع، ما يعكس استمرار التفاوت بين البنوك، لكنه لا يغير الاتجاه العام الذي تتحرك فيه العملة المحلية نحو مزيد من التراجع أمام الدولار.
كما بلغ سعر الدولار 52.34 جنيه للشراء و52.44 جنيه للبيع في بنك الإسكندرية والمصرف العربي وفيصل الإسلامي وبيت التمويل الكويتي وأبوظبي الإسلامي، بينما سجل في البنك الأهلي المصري وقطر الوطني 52.33 جنيه للشراء و52.43 جنيه للبيع.
ووصل السعر في بنك مصر إلى 52.28 جنيه للشراء و52.38 جنيه للبيع، بينما سجل لدى البنك المركزي المصري 52.22 جنيه للشراء و52.36 جنيه للبيع، وهي مستويات تؤكد أن صعود الدولار لم يعد تحركًا محدودًا في عدد من البنوك، بل اتجاهًا واسعًا داخل السوق المصرفية.
ومع كل ارتفاع جديد للدولار، تتزايد المخاوف من انتقال أثر تراجع الجنيه إلى تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والنقل والخدمات، ليجد المواطن نفسه أمام فاتورة جديدة يدفعها من دخله، بينما تظل قدرته الشرائية عاجزة عن ملاحقة موجات الغلاء المتلاحقة.
الأموال الساخنة تتحكم في المشهد
وفي السوق الثانوية للدين الحكومي، سجلت تعاملات العرب والأجانب صافي بيع بقيمة 361 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي، بعدما كان شهر سبتمبر قد شهد صافي شراء إجماليًا بلغ 702 مليون دولار، في تحول سريع يوضح حجم التقلب الذي يمكن أن تشهده هذه التدفقات خلال فترة قصيرة.
وسجل المستثمرون العرب خلال سبتمبر صافي شراء بقيمة 1.528 مليار دولار، بينما سجل الأجانب صافي بيع بلغ 826.5 مليون دولار، لتظهر الأرقام كيف يمكن لمئات الملايين من الدولارات أن تغير اتجاهها سريعًا داخل السوق، بين دخول بحثًا عن العائد وخروج عند تغير الحسابات الاستثمارية.
غير أن الخطورة لا تقف عند حركة الأموال وحدها، بل تمتد إلى ربط جانب من استقرار سوق الصرف بتدفقات بطبيعتها قصيرة الأجل، فلا تمثل استثمارات إنتاجية تبني مصانع أو توسع قدرة الاقتصاد على التصدير، وإنما تتحرك بصورة أساسية داخل أدوات الدين بحثًا عن العائد.
وبالتالي يصبح الجنيه أكثر عرضة للاهتزاز عند خروج تلك الأموال أو تراجع شهية المستثمرين للأدوات المحلية، بينما تبقى فاتورة الفوائد المرتفعة وأعباء الدين قائمة، في نموذج يراهن على جذب السيولة السريعة بدل معالجة جذور أزمة العملة وزيادة موارد النقد الأجنبي المستدامة.
ولا تمنح التدفقات المؤقتة ضمانًا حقيقيًا لاستقرار طويل الأجل، لأن المستثمر الذي يدخل للاستفادة من عائد مرتفع يستطيع إعادة أمواله إلى الخارج عند تغير الظروف، بينما يظل الاقتصاد المحلي هو الطرف الذي يتحمل أثر التذبذب في سعر الصرف وارتفاع تكلفة الاقتراض.
الطريق مفتوح لمزيد من التراجع
وتصبح الصورة أكثر قسوة مع التوقعات المستقبلية لسعر الدولار، بعدما رجحت وكالة «ستاندرد آند بورز» وصول العملة الأميركية إلى 55 جنيهًا بنهاية العام المالي الحالي، ثم ارتفاعها إلى 60 جنيهًا بنهاية العام المالي المقبل.
كما توقعت الوكالة أن يصل الدولار إلى 63 جنيهًا بحلول يونيو 2028، ثم إلى 66 جنيهًا في يونيو 2029، وهي مستويات إذا تحققت ستعني استمرار تآكل قيمة الجنيه خلال السنوات المقبلة بدل الحديث عن استعادة مستدامة لقوته.
ولا تمثل هذه الأرقام مجرد توقعات معزولة عن حياة المصريين، لأن كل انخفاض في قيمة الجنيه يضغط على أسعار الغذاء والدواء والطاقة ومدخلات الصناعة والسلع المستوردة، ويقلص القيمة الحقيقية للرواتب والمدخرات، ويجعل الأسرة تدفع ثمن أزمة لا تملك أدوات التحكم فيها.
وفي الوقت نفسه، تواصل السلطات الالتزام بسياسة سعر الصرف المرن ضمن برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي، بعدما أصبحت حركة سوق الصرف منذ مارس 2024 مرتبطة بدرجة أكبر بآليات العرض والطلب، وهو ما يعني عمليًا أن الجنيه يظل مفتوحًا أمام تحركات السوق وضغوط النقد الأجنبي.
أما الحديث عن أن مرونة سعر الصرف تدعم القدرة التنافسية وتعافي النشاط الاقتصادي، فيصطدم على الأرض بسؤال أكثر إلحاحًا بالنسبة للمواطن: ما قيمة أي مؤشرات تحسن إذا ظل دخله يفقد جزءًا من قيمته كلما قفز الدولار، وإذا تحولت فاتورة الإصلاح إلى زيادات متواصلة يتحملها المستهلك؟
وبين دولار يقترب من 53 جنيهًا وتوقعات بمزيد من الارتفاع خلال السنوات المقبلة، تبدو أزمة الجنيه أبعد من أن تكون مجرد حركة طبيعية في سوق الصرف، بل نتيجة مسار اقتصادي جعل العملة المحلية تحت ضغط مستمر، وربط استقرارها بتدفقات مالية سريعة لا تملك الدولة ضمان بقائها.
وهكذا يبقى المواطن الحلقة الأضعف في المعادلة؛ فالأموال الساخنة تدخل وتخرج، والمستثمر يبحث عن أعلى عائد، والدولار يواصل الصعود، بينما يدفع المصري ثمن كل موجة جديدة من جيبه، في سوق لا تنتظر ارتفاع راتبه قبل أن تعيد تسعير الغذاء والدواء والخدمات على واقع جنيه يزداد ضعفًا.

