تعيد الذكرى الثالثة والخمسون لحرب أكتوبر فتح ملف أكبر من المراسم والخطب والصور الرسمية، لأن المصريين لا يستعيدون في السادس من أكتوبر مجرد معركة عسكرية وقعت عام 1973، بل يستعيدون جيلاً قاتل من أجل أرض محتلة ودفع الدم ثمناً لاستردادها، قبل أن يصبح معنى السيادة نفسه موضع أسئلة ثقيلة بعد عقود من الحرب.

 

وتكشف المقارنة بين أكتوبر الأمس ومصر اليوم مفارقة لا تستطيع الاحتفالات إخفاءها، فقد عبر الجنود قناة السويس وأسقطوا خط بارليف لاستعادة أرض احتلتها إسرائيل، بينما شهدت العقود التالية قرارات سياسية واقتصادية أعادت السؤال حول حدود السيادة واستقلال القرار، وفي مقدمتها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي انتهت بنقل السيادة على تيران وصنافير إلى السعودية.

 

 

نصر صنعه الدم لا المراسم

 

بدأت حرب أكتوبر في السادس من أكتوبر 1973 بعبور القوات المصرية قناة السويس واقتحام المواقع الإسرائيلية شرق القناة، في لحظة كسرت آثار هزيمة يونيو 1967 وأعادت للجيش المصري المبادرة العسكرية، ولم يكن الجنود الذين حملوا السلاح يبحثون عن احتفال سنوي أو صورة تذكارية، بل كانوا يقاتلون من أجل أرض مصرية واقعة تحت الاحتلال.

 

وجاء العبور بثمن إنساني وعسكري ضخم، ولهذا لا يمكن التعامل مع أكتوبر باعتباره ملكية سياسية لأي سلطة حاكمة، فالحرب صنعها جنود وضباط وعائلات تحملت سنوات الاستنزاف والخوف والخسائر، وليس من حق أي نظام أن يحتكر دم هؤلاء أو يحول بطولاتهم إلى خلفية موسمية لتلميع سياساته الحالية.

 

ولم تكن الحرب قصة بسيطة انتهت في الساعات الأولى من العبور كما تقدمها بعض الروايات الاحتفالية، فقد استمرت المعارك ونجحت القوات الإسرائيلية لاحقاً في العبور إلى غرب قناة السويس ومحاصرة أجزاء من الجيش الثالث، ثم دخل مجلس الأمن على خط الأزمة بقرارات وقف إطلاق النار التي فتحت الباب أمام مفاوضات سياسية طويلة.

 

ومن هنا فإن قيمة أكتوبر لا تحتاج إلى تزوير التاريخ أو حذف صفحاته الصعبة، لأن الإنجاز الحقيقي لا يسقط إذا قيلت الحقيقة كاملة، فمصر كسرت الجمود العسكري وفرضت واقعاً جديداً بعد احتلال سيناء، ثم تحولت نتائج الحرب تدريجياً إلى مسار تفاوضي انتهى بمعاهدة السلام وانسحاب إسرائيل من الأراضي المصرية وفق ترتيبات امتدت سنوات.

 

وفي الخامس والعشرين من إبريل 1982 اكتمل الانسحاب الإسرائيلي من معظم سيناء وعاد العلم المصري إلى الحدود الشرقية، بينما ظلت قضية طابا قائمة حتى حسمت لاحقاً عبر التحكيم واستعادت مصر المنطقة، وبذلك أصبحت استعادة سيناء النتيجة الاستراتيجية الكبرى لمسار بدأ بالقتال في أكتوبر واستكمل بالأدوات السياسية والقانونية.

 

وهنا يظهر الفارق بين دولة تستدعي أكتوبر بوصفه درساً في استرداد الأرض وبين سلطة تستخدمه بوصفه مناسبة بروتوكولية، لأن احترام الشهداء لا يكون بإعادة بث الأغاني والخطب فقط، وإنما بحماية معنى السيادة الذي خرج من أجله الجنود إلى الجبهة ورفض التعامل مع الأرض باعتبارها بنداً قابلاً للتفاوض السياسي كلما تبدلت المصالح.

 

 

السيادة لا تتجزأ في الخطب

 

تضع قضية تيران وصنافير هذه المفارقة أمام المصريين بصورة قاسية، ففي عام 2017 جرى التصديق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية التي ترتب عليها انتقال السيادة على الجزيرتين إلى المملكة، بينما تمسكت الحكومة بروايتها التي تقول إن الجزيرتين سعوديتان وإن مصر كانت تديرهما في إطار ترتيبات سابقة.

 

لكن الجدل لم يكن تفصيلاً قانونياً صغيراً، فقد خرج مصريون للاعتراض واشتعلت معركة قضائية وسياسية واسعة بشأن هوية الجزيرتين وحدود سلطة الدولة في إبرام الاتفاق، ولذلك فإن استدعاء أكتوبر اليوم من دون استدعاء هذا الملف يحول الحديث عن الأرض والسيادة إلى شعارات انتقائية تستخدم عندما تخدم السلطة وتختفي عندما تصبح محرجة لها.

 

ولا يحتاج المصري الذي يشاهد احتفالات أكتوبر إلى درس جديد في معنى الأرض، فقد تعلم هذا المعنى من آلاف البيوت التي دفعت أبناءها إلى الجبهة، ولهذا يبدو السؤال مشروعاً وقاسياً، كيف يمكن لسلطة أن تحتفي بجيل قاتل ليستعيد الأرض ثم تطلب من المجتمع ألا يناقش قرارات تمس حدود الدولة أو معنى السيادة على أراضيها ومياهها.

 

كما أن استقلال الدولة لا يقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بقدرتها على اتخاذ قرارها بعيداً عن الارتهان والضغوط، لأن حرب أكتوبر نفسها لم تكن مجرد معركة سلاح، وإنما محاولة لاستعادة القدرة على فرض واقع جديد بعد ست سنوات من الاحتلال، ولذلك يصبح الحديث عن الاستقلال ناقصاً إذا انفصل عن استقلال القرار السياسي والاقتصادي.

 

وتزداد المفارقة وضوحاً عندما تتحول ذكرى أكتوبر إلى يوم للمبالغة في استعراض القوة بينما يعيش المواطن نتائج أزمات اقتصادية متلاحقة وضغوط معيشية حادة، فالبلد الذي دفع ثمن تحرير أرضه لا يحتاج إلى خطابات بطولة بقدر حاجته إلى دولة تحمي موارده وأصوله ومستقبل أجياله ولا تستهلك الإنجاز التاريخي لتغطية إخفاقات الحاضر.

 

ولا يقلل ذلك من قيمة الجيش الذي حارب في 1973 بل يفصل بين تضحياته وبين الاستخدام السياسي لهذه التضحيات، فالشهداء لا يحتاجون إلى حماية صورتهم من الأسئلة، والجيش الذي عبر القناة لم يعبر كي تصبح ذكراه حصانة أبدية لكل قرار تتخذه السلطة بعد نصف قرن أو ذريعة لإغلاق النقاش حول السيادة والإدارة والحكم.

 

 

ذاكرة أكتوبر تحاكم الحاضر

 

بقي من أكتوبر بعد ثلاثة وخمسين عاماً شيء أخطر من العرض العسكري، بقي معيار يمكن أن يقيس المصريون به ما يجري حولهم، معيار يقول إن الأرض ليست سلعة وإن السيادة ليست عبارة في خطاب وإن الدولة التي تطالب شعبها بتقديس تاريخ التضحيات مطالبة أولاً بأن تتصرف بطريقة تليق بهذه التضحيات.

 

وبقيت سيناء نفسها شاهداً مادياً على أن الحرب لم تكن مسرحاً إعلامياً، فقد كانت أرضاً محتلة عادت إلى السيادة المصرية عبر مسار بدأ بقوة السلاح ثم انتقل إلى المفاوضات والمعاهدات والتحكيم، ولهذا يصبح اختزال أكتوبر في صورة مسؤول يضع إكليلاً من الزهور إساءة إلى حجم ما قدمه الذين خاضوا الحرب فعلياً.

 

وبقي أيضاً السلام المصري الإسرائيلي الذي بدأ رسمياً بمعاهدة 1979 وأنهى حالة الحرب بين البلدين وأقام علاقات دبلوماسية، لكنه لم يمح حقيقة أن جذور هذا المسار خرجت من حرب كلفت مصر أرواحاً وموارد هائلة، ولم يكن ممكناً الوصول إلى صيغة ما بعد الحرب من دون التحول الذي أحدثه القتال في ميزان السياسة.

 

أما الرواية الرسمية التي تعيد إنتاج المشاهد نفسها كل عام فإنها تخاطر بتحويل أكتوبر من حدث حي إلى طقس جامد، لأن الجيل الجديد لا يحتاج إلى حفظ العبارات المحفوظة بقدر حاجته إلى معرفة لماذا وقعت الحرب وكيف جرى العبور وماذا حدث بعدها وكيف تحولت المواجهة العسكرية إلى مفاوضات ثم إلى استعادة سيناء.

 

ويصبح السؤال أكثر إلحاحاً عندما تستخدم السلطة الحديث عن الوطنية لإسكات خصومها أو التشكيك في كل من يعترض على قراراتها، فالوطنية التي صنعها جنود أكتوبر لم تكن طاعة عمياء لمسؤول، بل دفاعاً عن وطن وأرض، ومن حق المصري أن يسأل عن كل قرار يمس الأرض والموارد والحدود من دون أن يمنحه أحد شهادة وطنية.

 

ولذلك فإن الاحتفال الحقيقي بأكتوبر لا يبدأ من المنصة ولا ينتهي أمام النصب التذكاري، بل يبدأ من الاعتراف بأن دماء الجنود صنعت حقاً عاماً لكل المصريين، وأن من قاتلوا في 1973 لم يمنحوا أي سلطة لاحقة تفويضاً مفتوحاً تتصرف باسمه في الأرض أو الثروة أو المجال العام ثم تستدعي صورهم كل عام لتطالب الناس بالصمت.

 

وبعد ثلاثة وخمسين عاماً يبقى الإنجاز التاريخي واضحاً، جيش عبر القناة وحطم خط بارليف وفتح الطريق أمام استعادة سيناء، لكن يبقى إلى جواره سؤال لا تستطيع الموسيقى العسكرية ولا كلمات المناسبات دفنه، هل حافظت السلطة الحالية على معنى السيادة بالصرامة نفسها التي دفع من أجلها جيل أكتوبر دمه أم اكتفت بوراثة الصور والشعارات.

 

ولهذا فإن أخطر ما يمكن فعله بذكرى أكتوبر هو تحويلها إلى ستار، فالنصر لا يحتاج إلى تجميل الواقع ولا إلى تقديس من يحكم، بل يحتاج إلى دولة تعرف أن قوة أكتوبر جاءت من ارتباط معركة الجنود بهدف واضح هو استعادة الأرض، وأن أي احتفال يفصل البطولة عن معنى السيادة يصبح مجرد مراسم فارغة مهما ارتفعت أصوات الموسيقى والخطب.

 

وإذا كان المصريون يبحثون بعد 53 عاماً عن الشيء الذي بقي فعلاً من أكتوبر، فليس هو المنصة ولا الأعلام ولا الصور الرسمية، بل الدرس الأكثر وضوحاً وقسوة، أن الأرض والسيادة لا تصانان بالكلمات وأن الدولة التي تفتخر بمن استعادوا ترابها مطالبة بأن تكون أمينة على هذا التراب وعلى قرارها وعلى حق شعبها في مساءلتها.