العقيدة القتالية هي العنصر الاستراتيجي الأهم في تكوين الجيوش وتوجيهها، إذ لا يمكن أن يكون هناك جيش بلا عقيدة، فهو الذي على ضوئها يحدد العدو ويعد العدة لمواجهته طوال الوقت، وهي التي تشكل فكر وتحركات الجندي والقائد على حد سواء. 

 

وما من شك أن هناك تطورات جوهرية طرأت على عقيدة الجيش المصري في الوقت الراهن تختلف عما كانت عليه قبل وأثناء حرب أكتوبر 1973، وهي التطورات التي تبرز تحولات عميقة في تحديد طبيعة العدو وكيفية الاستعداد له، وذلك بعد أن أبرمت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979.

 

 

مقارنة بين العقيدة القتالية للجيش المصري (1973 مقابل الآن)

 

الهدف الاستراتيجي المباشر    


73: تحرير الأرض المحتلة (سيناء) واسترداد الكرامة الوطنية وكسر نظرية الردع الإسرائيلية.


حاليًا: حماية مقدرات الدولة الاقتصادية، وصون الأمن القومي، ومنع فرض أي واقع عسكري جديد على الحدود.

 

 

طبيعة العدو والتهديد


73: عدو كلاسيكي واضح (جيش نظامي محتل يرتكز خلف خط دفاعي ترابي وحصين).


حاليًا: الادعاء بأن مصر تواجه خطرًا من جبهات متنوعة (إرهاب، حروب جيل رابع وخامس، تهديد أمن الطاقة بالبحرين المتوسط والأحمر).

 

 

شعار الفرد المقاتل


73: "النصر أو الشهادة" (عقيدة هجومية استشهادية لكسر مانع مائي جبار واقتحام الساتر).


حاليًا: "يد تبني ويد تحمل السلاح" و"الجاهزية التامة للردع"(عقيدة ردع وقائية لحفظ السلام).

 

 

مصدر السلاح والتسليح


73: أحادية المصدر (الاعتماد شبه الكامل على السلاح السوفيتي وتطويره بحيل هندسية محلية).


حاليًا: تنويع مصادر السلاح (شرقي وغربي: رافال فرنسية، غواصات ألمانية، مروحيات كاموف، وتصنيع محلي للمسيرات والمدرعات).

 

 

النطاق الجغرافي للعمليات


73: جبهة قتالية محدودة ومباشرة (قناة السويس وعمق شبه جزيرة سيناء).


حاليًا: نطاق استراتيجي واسع (تأمين الاتجاهات الأربعة: الحدود الغربية، الحدود الجنوبية، البحر المتوسط، والحدود الشرقية).

 

 

تطور الفكر العسكري المصري


العقيدة القتالية في 1973: (عقيدة التحرير واقتحام المستحيل)


تمحورت العقيدة حينها حول تحدي العوائق الجغرافية والتكنولوجية ببدائل بشرية وتكتيكية عبقرية تعتمد على الروح العقائدية الصارمة (صرخة الله أكبر أثناء العبور). 

 

وتميزت بـالتخطيط القائم على سد الفجوات النوعية: استخدام حيل هندسية بسيطة للتغلب على التفوق التكنولوجي للعدو (مثل استخدام خراطيم المياه لإسقاط خط بارليف، والاعتماد على مشاة يحملون صواريخ "مالوتكا" مضادة للدبابات لصد الهجمات المرتدة).


كما تميزت بالقدرة على تضليل أجهزة مخابرات دولية وإخفاء نية الهجوم الشامل حتى ساعة الصفر.

 

 

 العقيدة القتالية الآن: (عقيدة الردع الشامل وحرب القوات المشتركة)


ترتكز العقيدة الحالية على أن الجيش لا يهدد أحدًا، ولكنه يمتلك من القوة الشاملة ما يكفي لسحق أي طرف يفكر في المساس بحدود مصر أو فرض واقع عسكري جديد.


 أصبحت العقيدة تعتمد على التنسيق الرقمي والمعلوماتي الفوري بين الأسلحة المختلفة (البحرية الحديثة، الدفاع الجوي، وحرب القوات الخاصة) للتعامل مع التهديدات غير التقليدية وسريعة التحول.


اكتسب الجيش عقيدة ميدانية جديدة شديدة التعقيد مستوحاة من تطهير سيناء من الجماعات المسلحة، وهي حرب العصابات والمدن التي تتطلب دقة متناهية للحفاظ على أرواح المدنيين وتدمير البؤر المسلحة في آن واحد.

 

 

تأثير الانخراط في الاقتصاد على عقيدة الجيش 


يرى خبراء عسكريون أن تحول رتب قيادية أو ضباط من التركيز الحصري على التخطيط الاستراتيجي، وحروب الجيل الخامس، والمناورات الميدانية، إلى إدارة شركات مدنية، ومتابعة سلاسل التوريد، ومنافسة القطاع الخاص، قد يؤدي مع الوقت إلى تآكل "العقلية القتالية الصرفة" واستبدالها بعقلية تجارية أو إدارية مدنية.


تستهلك إدارة المشروعات الاقتصادية العملاقة وقتًا وجهدًا بشريًا كبيرًا من الكوادر العسكرية والمجندين. وهذا قد يأتي في بعض الأحيان على حساب ساعات التدريب الشاق، ومحاكاة المعارك الحديثة، والاندماج في علوم الفضاء والسيبرانية التي باتت تحكم الحروب المعاصرة.


عندما يصبح للجيش أصول اقتصادية ضخمة واستثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية والمصانع، قد تميل عقيدته السياسية والعسكرية نحو تجنب الصراعات أو الانخراط في مواجهات عسكرية حتمية لحماية تلك الاستثمارات من الدمار، مما قد يؤثر على سرعة اتخاذ قرار الحرب والردع في الأزمات الإقليمية الكبرى.


لطالما ارتكزت عقيدة الجيش المصري على أنه "ملك للشعب كله" وحامي مقدراته، ولكن دخول الجيش كمنافس اقتصادي قوي للشركات المدنية والقطاع الخاص (مستفيدًا من إعفاءات ضريبية وجمركية وعمالة مجندين مجانية)، قد يخلق نوعًا من الاحتقان أو الانتقاد الشعبي، وهو ما يؤثر على الروح المعنوية والالتفاف الجماهيري حول الجيش، والذي كان ركيزة النصر في حرب أكتوبر 1973.