محمد طلبة رضوان

كاتب صحافي

 

هل من المعقول أن تكون منصّة "متصدقش" إخوان مسلمين؟ كل هذه الكفاءة، وكل هذه الشطارة، وكل هذه الدقة، وكل هذا التحرّي، وكل هذه المهنية، حتى في تناول الإخوان… إخوان؟

 

ولماذا تخاف الدولة في مصر إلى هذا الحد من منصّة؟ الدولة التي تمتلك الصحف كلها، والمواقع الإلكترونية كلها، والقنوات التلفزيونية كلها، وآلاف الكتائب الإلكترونية، تخاف من منصّة؟ تقبض على غرفة أخبار كاملة، ستّة صحافيين يعملون في صفحة لتصحيح الأخبار؟ تطلق إعلامها كله، وصفحاتها كلها، بل ووزارة الداخلية بجلالة قدرها، لتبرير القبض على محرّري صفحة على "فيسبوك" وتمريره وشرعنته؟

 

ولماذا يضطر إعلام الدولة إلى ادّعاء أن الناشط عبد الرحمن منصور أسّس "متصدقش"، وقبلها "إسلام أون لاين"، ليرد مؤسّسو موقع إسلام أون لاين بأنه تأسّس حين كان منصور في الإعدادية؟ هل من المعقول أن يكون الكذب بهذه السذاجة والركاكة والضحالة والضعف؟ ولماذا تنحاز نقابة الصحافيين في مصر إلى محرّري "متصدقش" ولماذا تصفهم بالزملاء رغم أن واحدًا منهم فقط مقيّد في النقابة، والباقين محرومون، مثل عشرات غيرهم من الصحافيين الأكفاء الذين حصل بعضهم على جوائز عالمية لكنهم لم يحصلوا على كارنيه نقابة الصحفيين؟

 

ولماذا يوقّع 400 صحافي وصحافية على بيانٍ للتضامن معهم، بينهم صحافيون ضد ثورة يناير منذ اليوم الأول، وضد الإخوان دائمًا وأبدًا، بل وضد خالد البلشي واليسار المصري؟ هل من المعقول أن الإخوان المسلمين اخترقوا عقول هؤلاء جميعًا، وحازوا إعجاب هؤلاء جميعًا، ووصلوا إلى هؤلاء جميعًا بمهنيّتهم ووعيهم ومستوى تعليمهم؟ (أعتذر لو كان الكلام عن التعليم جارحًا أو مهدّدًا للأمن القومي بأي درجة).

 

هل يمكن إقناع المشاهد المصري، الذي لم ير في خطابات الإخوان المسلمين طوال عام حكمهم سوى مادة ثرية لحلقات باسم يوسف، بأن إعلامهم على هذه الدرجة من الأهمية والخطورة والقدرة على النفاذ والوصول، وهزيمة إعلام "المتحدة" كله، وخداع أغلب أعضاء نقابة الصحفيين، واجتذاب أكثر من مليون متابع على فيسبوك؟

 

هل يمكن إقناع الصحافيين الذين يعرف بعضهم بعضا جيدا: من الصحافي، ومن المخبر، ومن المدعي، ومن اليساري، ومن الليبرالي، ومن الإخوان، ومن ومن ومن… بأن "متصدقش"، كما وصفتها بيانات وزارة الداخلية وفروعها الإعلامية، "إخوان"؟ بل هل يمكن إقناع الإخوان أنفسهم بأنهم على هذه الدرجة من القوة؟

 

الإجابة عن هذه الأسئلة مجتمعة يمكن اختصارها في نقطتين: نظام غير مؤهّل، وكاذب. فلو كان مؤهّلًا وكاذبًا لساعده احتكاره النوافذ كلها، مع حرفيّته المفترضة، على الانتصار لأكاذيبه. ولو كان غير مؤهّل لكنه صادق، لصدّقه الناس، ليس لأنه صادق فحسب، ولكن لأن إعلامه، بقوة الاحتكار لا المهنية، أكبر وأوسع وأعلى صوتًا من إعلام "الكذّابين المموّلين المتآمرين أهل الشر". لكن إعلام النظام مثل النظام: غير مؤهل، وكاذب. ويمكننا أن نضيف هنا، إنصافًا للحقيقة، لا للمخبرين الذين ملأوا شاشاتنا، أنه إعلام مهمّته مستحيلة، فقد يكون المخبر غير مؤهّل وكذّابًا، لكنه مع السلطة، وهذا وحده كافٍ ليكون حاضرًا ومؤثرًا، لولا أن "المادة" المطلوب تبريرها وتمريرها لا يمكن تبريرها ولا يمكن تمريرها، لأنها، بدورها، صادرة عن هواةٍ غير مؤهلين، لا للسياسة، ولا للحكم، ولا حتى للكذب المرتب.

 

ظهر أحد هؤلاء المخبرين مع عمرو أديب، وتحدّثا عن صحافة المصادر المفتوحة بوصفها نشاطًا استخباراتيًا، وتعجّب المخبر من علاقتها بـ"أم الصحافة" كما درسها هو. والمصادر المفتوحة، لمن فاته قطار الصحافة منذ "ورق الدّشت"، ليست حكرًا على أجهزة الاستخبارات. فهي معلوماتٌ متاحةٌ للجميع، تستخدمها الصحافة الحديثة في البحث والتحقّق والمقارنة والوصول إلى حقائق يستطيع القارئ نفسه العودة إلى مصادرها.

 

ليس غريبًا أن مخبر أمن الدولة لا يعرف شيئًا عن صحافة المصادر المفتوحة، وليس غريبًا ألا يحاول عمرو أديب إنقاذ زميله. فالفقرة مفروضة عليهما معا. الغريب أن يتصوّر أحد إمكانية تصديق أي أحد لكل هذا "التضبيش"، فكيف يطلب نظام صادر السياسة من مواطنين صادر مواطنتهم أن يصدّقوا إعلاما صادر الإعلام؟

 

يا مجانين.