أعاد عبد الفتاح السيسي فتح ملف الفترة من 2011 إلى 2013، محملاً تلك السنوات جانباً كبيراً من أزمات الاقتصاد المصري، ومعتبراً أن التعافي من آثار ما وصفه بـ«الانكماش» قد يحتاج إلى 15 عاماً، في طرح يفتح باباً واسعاً للمساءلة حول دقة المصطلح الاقتصادي نفسه، والأساس الذي استند إليه هذا الرقم الطويل.

 

وتكشف الأرقام الرسمية أن المشكلة ليست في حق السلطة في تقييم الماضي، بل في استخدام الماضي شماعة ممتدة لتفسير إخفاقات الحاضر؛ فالاقتصاد المصري لم يسجل انكماشاً سنوياً خلال السنوات المذكورة، وإنما تباطأ نموه، بينما مضى بعد ذلك أكثر من عقد شهد قفزات في الدين، وانهياراً حاداً في قيمة الجنيه، وارتفاعاً متواصلاً في الأسعار، لتصبح محاسبة عامين أكثر حضوراً من محاسبة اثني عشر عاماً كاملة.

 

انكماش لم تسجله الأرقام

 

فالانكماش الاقتصادي، بالمعنى الدقيق، يعني تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وتسجيل نمو سالب، وهو ما لا تتوافق معه البيانات الخاصة بالسنوات المالية بين 2010 و2013؛ إذ نما الاقتصاد بنحو 1.8% في 2010/2011، ثم 2.2% في 2011/2012، ونحو 2.1% خلال 2012/2013.

 

وبالتالي فإن ما شهدته مصر في تلك الفترة كان تباطؤاً حاداً في النمو واضطراباً اقتصادياً واضحاً، لكنه لم يكن انكماشاً سنوياً بالمفهوم الاقتصادي المستخدم في القياسات الرسمية، وهو فارق لا يمكن اعتباره مجرد خلاف لغوي، لأن توصيف الأزمة هو الأساس الذي تُبنى عليه المسؤوليات والاستنتاجات السياسية.

 

وتبرز سنة حكم محمد مرسي بصورة أكثر وضوحاً في هذه المقارنة؛ فقد تولى السلطة في نهاية يونيو 2012، وتكاد السنة المالية 2012/2013 تتطابق زمنياً مع فترة وجوده في الحكم، وخلال تلك السنة سجل الاقتصاد نمواً حقيقياً بنحو 2.1%، ما يجعل وصف المرحلة كلها باعتبارها سنوات «انكماش» محل اعتراض بالأرقام قبل السياسة.

 

ولا يعني ذلك تبرئة تلك الفترة من الأزمات، فقد كانت الاحتياطيات الأجنبية تحت ضغط، والبطالة والعجز مرتفعين، كما شهدت البلاد مشكلات حادة في الوقود والكهرباء وغيرها، لكن وجود أزمة اقتصادية لا يبرر تبديل المصطلحات، ولا يجعل من التباطؤ انكماشاً، ولا يحول كل ما جاء بعده إلى نتيجة حتمية لما وقع قبله.

 

والسؤال الأكثر إلحاحاً هنا هو: من أين جاءت مدة الـ15 عاماً؟ وما المؤشر الذي يحتاج هذه الفترة تحديداً؟ هل المقصود الناتج المحلي، أم الاستثمار، أم احتياطي النقد الأجنبي، أم الدين، أم مستوى دخل الفرد؟ فلا توجد قاعدة اقتصادية تلقائية تقول إن عامين من النمو الضعيف يحتاجان خمسة عشر عاماً لمحو آثارهما.

 

عام لمرسي و15 عاماً للسلطة

 

وتظهر المفارقة بصورة أكثر قسوة عند مقارنة معيار الزمن المستخدم في محاسبة محمد مرسي بذلك المستخدم اليوم؛ فالرجل لم يبق في السلطة سوى عام واحد تقريباً، من نهاية يونيو 2012 حتى 3 يوليو 2013، ومع ذلك جرى التعامل مع تلك المدة القصيرة باعتبارها كافية للحكم الكامل على التجربة وتحميلها مسؤولية أزمات الدولة.

 

لكن الخطاب نفسه يطلب اليوم خمسة عشر عاماً كاملة لتجاوز آثار الفترة التي سبقت حكم السيسي، وكأن سنة واحدة كانت كافية للحكم على سلطة سابقة، بينما أكثر من اثني عشر عاماً لا تكفي للحكم على نتائج السلطة الحالية، وهو معيار مزدوج يصعب الدفاع عنه بمنطق اقتصادي أو سياسي متماسك.

 

وخلال هذه السنوات الطويلة لم تقف المؤشرات عند حدود ما جرى في 2011 أو 2012؛ فقد شهدت البلاد تعويمات متتابعة للجنيه، وقفزات ضخمة في الاقتراض الخارجي والمحلي، وتوسعاً في مشروعات مرتفعة التكلفة، إلى جانب اتفاقات متكررة مع صندوق النقد الدولي فرضت إجراءات تقشفية وإصلاحات دفعت الأسر المصرية جانباً كبيراً من فاتورتها.

 

وبينما بلغ الدين الخارجي نحو 43.2 مليار دولار في نهاية 2012/2013، ارتفع في السنوات التالية إلى مستويات تقارب 164.8 مليار دولار وفق البيانات المشار إليها، وفي الوقت نفسه انتقل الدولار من حدود سبعة جنيهات تقريباً إلى ما يزيد على خمسين جنيهاً، وهي تحولات لا يمكن تعليقها إلى ما لا نهاية على شماعة أحداث وقعت قبل أكثر من عقد.

 

ولا يتعلق الأمر بحجم الدين فقط، بل بما تدفعه الدولة من فوائد وأقساط لخدمته، وما يترتب على ذلك من ضغط على الموازنة والإنفاق العام، في وقت يواجه فيه المواطن زيادات متلاحقة في الضرائب والرسوم والأسعار، بينما يصبح السؤال عن جودة الإنفاق وأولويات الموازنة أكثر إلحاحاً من أي خطاب عن الصبر والتحمل.

 

الوعي لا تصنعه الخطب

 

وتزداد المفارقة عندما يتزامن الحديث عن الاقتصاد مع الدعوة إلى «بناء وعي المواطنين» عبر خطب الجمعة؛ فالوعي الاقتصادي والسياسي لا يُبنى بتكرار الرواية الرسمية على المنابر، وإنما يبدأ عندما يحصل المواطن على بيانات واضحة، ويعرف أين ذهبت أموال الدولة، ومن يتحمل مسؤولية القرارات، وكيف توزع تكلفة الإصلاح.

 

فالناس لا تحتاج إلى من يخبرها بأن الأزمة صعبة وهي تراها كل يوم في أسعار الطعام والسكن والمواصلات والدواء، بل تحتاج إلى تفسير واضح لكيفية وصول الاقتصاد إلى هذه المرحلة بعد أكثر من اثني عشر عاماً من إدارة واحدة امتلكت سلطة اتخاذ القرار وتحديد أولويات الإنفاق والاقتراض والمشروعات.

 

كما أن مطالبة المواطنين بالترشيد تفقد كثيراً من معناها عندما لا يرون معياراً مماثلاً في إدارة المال العام؛ إذ لا يمكن أن يكون التقشف واجباً على الأسرة وحدها، بينما تبقى تكلفة المشروعات الكبرى وجدواها وأولوياتها بعيدة عن مستوى الشفافية المطلوب، ولا يمكن مطالبة الناس بالصبر من دون كشف واضح لفاتورة القرارات الكبرى.

 

والقدوة هنا ليست مسألة وعظية، بل قاعدة في إدارة الدولة؛ فمن يطالب المجتمع بتحمل التضخم وخفض الاستهلاك وقبول زيادات الأسعار، عليه أولاً أن يثبت أن الدولة نفسها راجعت نفقاتها وأوقفت الهدر ووجهت الأموال نحو التعليم والصحة والإنتاج الحقيقي بدلاً من مطالبة المواطن دائماً بدفع الحساب.

 

وبعد أكثر من اثني عشر عاماً، يصبح استمرار العودة إلى 2011 و2012 و2013 أقل إقناعاً مع كل أزمة جديدة، لأن الزمن الذي كان يفترض أن يكون كافياً للإصلاح تحول نفسه إلى سؤال عن النتائج؛ فإذا كانت سنوات الماضي القليلة مسؤولة عن كل هذا الخراب الممتد، فما المسؤولية التي تتحملها سنوات الحكم الطويلة التي جاءت بعدها؟.

 

وبين عام واحد جرى اعتباره كافياً للحكم على محمد مرسي، وخمسة عشر عاماً يقال إنها لازمة للتعافي من الماضي، تظل المعضلة في معيار المحاسبة نفسه: إما أن يخضع الجميع للأرقام والزمن والنتائج بالميزان ذاته، أو تتحول الأزمات القديمة إلى شماعة سياسية لا تنتهي صلاحيتها كلما احتاجت السلطة تفسيراً جديداً لفشل اقتصادي قديم يتجدد في جيوب المصريين كل يوم.