تتحرك الوساطة القطرية بين طهران وواشنطن مجددًا وسط استمرار الحرب والتصعيد في المنطقة، مع تأكيد الدوحة أن قنوات الاتصال بين الطرفين لم تتوقف، وأن تبادل الرسائل لا يزال جاريًا بهدف الوصول إلى أرضية يمكن البناء عليها في أي تسوية مقبلة. ويأتي ذلك في وقت تبدو فيه المفاوضات محاطة بعقبات سياسية وعسكرية، أبرزها الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل تخصيب اليورانيوم، إلى جانب استمرار التوتر المرتبط بمضيق هرمز.
وأكد مدير إدارة الإعلام والاتصال بوزارة الخارجية القطرية إبراهيم بن سلطان الهاشمي، الثلاثاء، أن جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران مستمرة ولم تنقطع، موضحًا أن الدوحة تواصل أداء دور الوسيط بين الطرفين، مع استمرار تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران. وأشار إلى أن الهدف هو تحقيق تقدم يمكن البناء عليه، عبر حلول قابلة للتفاوض تراعي مخاوف الطرفين.
وتزامن الإعلان القطري مع مباحثات في الدوحة بين أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني ووزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني، تناولت جهود خفض التصعيد والتطورات الإقليمية، في مؤشر على استمرار الاتصالات السياسية رغم صعوبة الوصول إلى اتفاق شامل ينهي الحرب.
وتأتي هذه التحركات بعد أسابيع من اتصالات قطرية مكثفة هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إذ أكدت الدوحة في نهاية سبتمبر استمرار اللقاءات وتبادل الرسائل بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين، بما في ذلك اتصالات جرت خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
قطر تتمسك باستمرار الوساطة
تحاول الدوحة الحفاظ على قناة اتصال مفتوحة بين واشنطن وطهران، في وقت يصعب فيه عقد مفاوضات مباشرة مستقرة بسبب استمرار العمليات العسكرية والتوترات المرتبطة بالملف النووي الإيراني ومضيق هرمز.
وقال الهاشمي إن الوساطة القطرية لم تتوقف، وإن الرسائل لا تزال تنتقل بين الطرفين، مشددًا على أن حل الأزمة يحتاج إلى بذل أقصى الجهود للوصول إلى حلول تفاوضية تراعي مخاوف جميع الأطراف.
ترامب يتحدث عن أزمة القيادة
في المقابل، ظهرت مؤشرات أمريكية على تعقيد المفاوضات بسبب عدم وضوح آلية اتخاذ القرار داخل إيران، وفق تصريحات للرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس.
وقال ترامب الثلاثاء إن أكبر مشكلة تواجهه هي أنه لا أحد يعرف من يدير إيران، مشيرًا إلى أن ما وصفه برحيل مجموعة ثانية من القادة الإيرانيين زاد من صعوبة تحديد الجهة صاحبة القرار داخل البلاد.
وجاءت تصريحات ترامب متقاربة مع ما قاله فانس في مقابلة مع وكالة رويترز، إذ أشار إلى أن واشنطن تجري محادثات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، لكنه قال إن الولايات المتحدة لا تعرف بصورة واضحة مدى السلطة التي يتمتع بها المسؤولان داخل هيكل صنع القرار الإيراني.
وتشكل مسألة الجهة صاحبة القرار أحد التحديات أمام أي اتفاق محتمل، خصوصًا أن واشنطن تسعى إلى الحصول على التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ من الجانب الإيراني، بينما تؤكد طهران أن مؤسساتها وآليات اتخاذ القرار معروفة للجانب الأمريكي.
ورد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على هذا الطرح بالتأكيد على أن المسؤولين الأمريكيين يعرفون جيدًا نظراءهم الإيرانيين وآليات صنع القرار في طهران، معتبرًا أن المشكلة تكمن في المواقف والرسائل المتناقضة الصادرة من واشنطن.
فانس يرفع سقف المطالب النووية
وفي قلب الخلاف الحالي يقف البرنامج النووي الإيراني، بعدما شدد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس على ضرورة أن تقدم طهران تنازلات ملموسة في ملف تخصيب اليورانيوم كشرط للوصول إلى اتفاق ينهي الحرب.
وقال فانس إن إيران مطالبة بإجراء خفض جوهري في قدراتها على تخصيب اليورانيوم، مؤكدًا أن واشنطن لا تريد مجرد وعود مستقبلية بشأن عدم تطوير سلاح نووي، وإنما إجراءات فعلية تقلص القدرة على التخصيب.
وأوضح فانس أن أي اتفاق مقبل يجب أن يتضمن خطوات ملموسة من جانب إيران، رافضًا الاكتفاء بتعهدات عامة بخفض القدرات النووية في المستقبل.
هرمز حاضر في المفاوضات
ولا ينفصل المسار النووي عن أزمة مضيق هرمز، الذي أصبح أحد الملفات الرئيسية في الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.
وكانت إيران قد قدمت في وقت سابق مقترحًا يتضمن خطوات لبناء الثقة وإعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة، بينما نقلت قطر ردًا أمريكيًا إلى طهران بشأن المقترح الإيراني. وأفادت رويترز بأن المقترح تضمن خطة من سبعة أيام لإعادة بناء الثقة، مع خطوات مرتبطة بإعادة حركة الملاحة عبر المضيق.
وتعكس هذه التطورات محاولة الجمع بين مسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بوقف الحرب وخفض التصعيد العسكري، والثاني يتعلق بالملف النووي، إلى جانب تأمين حركة التجارة والطاقة عبر أحد أكثر الممرات البحرية حساسية.
ويزيد استمرار الهجمات والتهديدات على ناقلات النفط من الضغوط الدولية للوصول إلى ترتيبات تقلل المخاطر في المنطقة، خاصة أن أي اضطراب طويل الأمد في هرمز ستكون له انعكاسات على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
الحرس الثوري يحذر من التصعيد
وفي مقابل المساعي الدبلوماسية، تبنت إيران خطابًا عسكريًا أكثر تشددًا، إذ حذر الحرس الثوري الإيراني الولايات المتحدة وإسرائيل من أن أي هجوم جديد على الأراضي الإيرانية سيقابل برد وصفه بالقاسي والمدمر.
وأكد الحرس الثوري، في بيان بمناسبة ذكرى عملية طوفان الأقصى، أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا، وفق روايته، من إضعاف إيران أو كسرها أو تقسيمها، مشددًا على استمرار استعداد القوات الإيرانية لمواجهة أي تصعيد جديد.
طهران تعزز قدراتها العسكرية
وفي السياق نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الإيرانية ارتفاع الطاقة الإنتاجية للأسلحة والمعدات الدفاعية إلى ضعفين ونصف مقارنة بالمستويات التي كانت عليها قبل الحرب، بحسب تصريحات المتحدث باسم الوزارة العميد رضا طلائي.
وقال طلائي إن شبكة وزارة الدفاع تضم أكثر من ألف منظومة وسلاح ومعدة وذخيرة ضمن طاقة الإنتاج، مضيفًا أن التعاون الدفاعي مع روسيا والصين لم يتراجع، بل تعزز، وفق التصريحات الإيرانية.
وأشار المسؤول الإيراني إلى أن عددًا من الأسلحة والمعدات خضع لتطوير تكنولوجي وتحديث في برامجه بما يتناسب مع ما وصفه بأولويات القوات المسلحة الإيرانية وظروف الحرب.
كما تحدث المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد محمد أكرمي عن وجود مخزون من المعدات الهجومية الجديدة، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيرة، مشيرًا إلى استمرار إنتاج بعض المعدات بصورة يومية خلال الحرب.

