تثير التساؤلات حول إرث حرب أكتوبر 1973 نقاشًا متجددًا في الأوساط العسكرية والسياسية، حيث يتداخل البعد المهني الاحترافي كـ "عقيدة وتجربة عسكرية ونموذج للتخطيط" بالبعد السياسي والرمزي كـ "احتفال خطابي سنوي".

 


أكتوبر كعقيدة عسكرية ودروس للقيادة (الجانب الاحترافي)


على الرغم من تغير طبيعة التهديدات، لا تزال حرب أكتوبر تُمثّل الركيزة الأساسية للعقيدة العسكرية للجيش المصري، وتُدرّس دروسها في الكليات العسكرية (مثل أكاديمية ناصر العسكرية العليا) بوصفها نموذجًا فذًا في:
التخطيط الاستراتيجي والخداع: تُعتبر خطة الخداع الاستراتيجي التي سبقت المعركة نموذجًا كلاسيكيًا في العلوم العسكرية الدولية حول كيفية تحقيق المفاجأة ضد عدو يمتلك تفوقًا تكنولوجيًا واستخباراتيًا.


إدارة العمليات المعقدة: نجاح عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف بالوسائل الهندسية المبتكرة (مضخات المياه) يظل مرجعًا لكيفية التغلب على الموانع المائية المحصنة.


الكشف عن الوثائق الرسمية: في خطوة لافتة خلال السنوات الأخيرة، قامت وزارة الدفاع بنشر وثائق ومذكرات تفصيلية تفاعلية عبر موقعها الرسمي، تتناول مراحل التخطيط، والعمليات، وإدارة الأزمات، وصولاً إلى التفاصيل الدقيقة لكيفية التعامل مع "ثغرة الدفرسوار" وتصفيتها. ويعكس هذا النشر رغبة المؤسسة العسكري في الحفاظ على الإرث كـ "علم عسكري قابل للتحليل المنهجي" وليس مجرد تاريخ شفهي.

 

 

التحول نحو الخطاب السياسي والشرعية


بمرور العقود، تحولت ذكرى أكتوبر إلى جزء أصيل من الخطاب السياسي لشرعية الحكم في مصر.


من شرعية العبور إلى شرعية الاستقرار: استخدم نظام الرئيس السادات (بطل الحرب والسلام) ونظام الرئيس مبارك (قائد الضربة الجوية الأولى) هذا الانتصار كمصدر أساسي لشرعية النظام السياسي.


 في العهد الحالي: تم توظيف الذكرى لربط "انتصار العبور ضد العدو الخارجي" بـ "العبور الجديد" المتمثل في مشروعات التنمية، ومكافحة الإرهاب، وبناء "الجمهورية الجديدة". هنا، تصبح الذكرى أداة لحشد التأييد الشعبي والسياسي، والتأكيد على أن المؤسسة التي خططت وعبرت في 73 هي المؤهلة لقيادة البناء والتنمية اليوم.


يرى محللون أن هذا التوظيف الرمزي يهدف إلى دمج المشاعر الوطنية بالخطط الاقتصادية، مما يمنح النظام السياسي غطاءً شعبيًا لتمرير قرارات اقتصادية صعبة أو مشروعات كبرى تحت لافتة "المهمة القومية".
غير أنه في المقابل يؤدي إلى جعل كفاءة المؤسسة العسكرية معروضة للتقييم اليومي من قبل المواطنين والمؤسسات الدولية بناءً على مؤشرات اقتصادية ومعيشية (مثل التضخم، سعر الصرف، وجدوى المشاريع)، بعد أن كانت تاريخيًا في منطقة "الإجماع الوطني المطلق" البعيدة عن الجدل السياسي اليومي.

 

 

حرب أكتوبر بين الاحتفال والتقييم 


يغلب على ذكرى انتصار أكتوبر الطابع الاحتفالي السنوي (الأغاني الوطنية، العروض العسكرية، والخطابات الحماسية) التي تميل إلى التبسيط وتجنب التفاصيل المعقدة لصالح إبراز النصر المطلق، مما يقلل من مساحة النقد والتقييم الموضوعي لدى الرأي العام.


في الغرف المغلقة (المؤسسة العسكرية)، لا يزال أكتوبر يُدرس كـ "تجربة عملياتية واسعة" قابلة للنقد والتحليل. فالأخطاء التي حدثت (مثل قرار تطوير الهجوم يوم 14 أكتوبر خارج مظلة الدفاع الجوي، والتي أدت لاحقًا لحدوث الثغرة) تُحلل بدقة كدروس مستفادة لمنع تكرارها، لأن أمن الدولة يعتمد على الفهم الواقعي للخطأ والصواب، وليس على الدعاية السياسية.


لا تُدرس "الثغرة" في الغرف المغلقة بوصفها مجرد "مؤامرة أو اختراق مفاجئ"، بل تُحلل كـ فشل استخباراتي وميداني في قراءة تحركات العدو واستغلال الفواصل بين الجيشين الثاني والثالث.


تُحلل الخلافات الشهيرة التي دارت بين الرئيس أنور السادات، ووزير الحربية أحمد إسماعيل، ورئيس الأركان سعد الدين الشاذلي حول كيفية التعامل مع الثغرة (سحب قوات من شرق القناة لتصفيتها أم إبقاؤها). يُدرس هذا الخلاف في "إدارة الأزمات والقيادة والسيطرة" تحت الضغط الشديد.