كشفت الذكرى الثالثة والخمسون لحرب أكتوبر عن مفارقة عميقة في مفهوم الأمن القومي المصري، بعدما انتقل الخطاب الرسمي من مواجهة عدو عسكري محدد إلى الحديث عن تهديدات متعددة تتسع جغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا.
 
 
وأعادت هذه المفارقة طرح سؤال بالغ الحساسية حول وظيفة المؤسسة العسكرية: هل فرضت التحولات الإقليمية أدوارًا جديدة على الجيش، أم أصبحت التهديدات المتعددة مبررًا لتوسيع نفوذه خارج ميادين القتال؟
 
 


أكتوبر حين كان العدو واضحًا

 

شكّلت حرب أكتوبر 1973 لحظة فاصلة في التاريخ العسكري المصري، حين كانت إسرائيل تحتل سيناء، وكانت مهمة الجيش واضحة: عبور قناة السويس، وتحطيم التحصينات الإسرائيلية، وفتح الطريق أمام استعادة الأرض المحتلة.
 
 
وفي ذلك الوقت، كان الخطر ظاهرًا على الضفة الشرقية للقناة، وكانت المواجهة العسكرية تدور حول أرض مصرية احتلتها إسرائيل عام 1967، بما جعل الهدف الاستراتيجي مفهومًا لدى الجنود والمجتمع.
 
 
كما امتلكت القوات المسلحة هدفًا محددًا، تمثل في كسر الجمود العسكري وتغيير موازين القوة، بعدما أثبتت سنوات الاحتلال أن استمرار الوضع القائم يعني بقاء أجزاء من الأراضي المصرية خارج السيادة الوطنية.
 
 
وبالفعل، تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس وتحطيم أجزاء من خط بارليف وإقامة رؤوس كباري شرقي القناة، في عملية عسكرية أعادت للجيش ثقته بعد هزيمة يونيو 1967.
 
 
وعقب الحرب، انتقلت المواجهة إلى المسار السياسي والدبلوماسي، وصولًا إلى توقيع معاهدة السلام عام 1979، ثم استكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، مع استمرار ترتيبات أمنية خاصة بالمناطق الحدودية.
 
 
غير أن توقيع السلام لم يُلغِ أهمية الاستعداد العسكري، ولم يجعل الصراع العربي الإسرائيلي مجرد صفحة تاريخية، خصوصًا مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وتصاعد الأزمات المرتبطة بقطاع غزة.
 
 
وفي المقابل، تغير موقع إسرائيل داخل العقيدة الأمنية المعلنة، بعدما انتقلت من عدو يخوض الجيش ضده حربًا مباشرة إلى دولة تربطها بمصر معاهدة سلام وعلاقات دبلوماسية وتنسيق أمني.
 
 
لكن هذا التحول يثير سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل يعني غياب الحرب المباشرة اختفاء مصادر الخطر الاستراتيجي، أم أن السلام يتطلب استمرار الجاهزية العسكرية دون تحويل المؤسسة إلى سلطة مهيمنة على الداخل؟
 
 
والأكثر أهمية أن صورة الجندي المصري في أكتوبر ارتبطت بتحرير الأرض، بينما أصبحت صورة المؤسسة العسكرية اليوم مرتبطة أيضًا بالمشروعات الاقتصادية وتأمين المنشآت وإدارة قطاعات مدنية واسعة.
 
 
وهنا تظهر المفارقة التاريخية، فالمؤسسة التي اكتسبت مكانتها الوطنية من مواجهة جيش احتلال، باتت تتحمل مسؤوليات تتجاوز الدفاع العسكري، بما يفتح الباب لتساؤلات حول حدود اختصاصها وأولوياتها الحقيقية.
 
 
ولم يكن التداخل بين الجيش والسياسة غائبًا عن مصر قبل أكتوبر، لكن اتساع الأدوار الاقتصادية والإدارية في السنوات الأخيرة أعاد طرح القضية بصورة أكثر إلحاحًا، خاصة بشأن الفصل بين الوظائف العسكرية والمدنية.
 
 


حدود مشتعلة وتهديدات بلا نهاية

 

تغيرت خريطة التهديدات المحيطة بمصر بصورة واسعة خلال العقود الماضية، فلم تعد المخاطر العسكرية مقتصرة على الجبهة الشرقية، بل امتدت إلى الحدود الغربية والجنوبية والمياه الإقليمية والممرات البحرية الحيوية.
 
 
ففي ليبيا، أدى استمرار الانقسام السياسي ووجود تشكيلات مسلحة متعددة إلى خلق تحديات أمنية على الحدود الغربية، تتعلق بمراقبة التحركات المسلحة ومنع التهريب والحفاظ على الاستقرار في المناطق الحدودية.
 
 
أما السودان، فقد تحولت الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 إلى مصدر قلق استراتيجي، مع اتساع المعارك وتفاقم النزوح وتغير مناطق السيطرة العسكرية، بما يفرض تحديات أمنية وإنسانية على مصر.
 
 
وفي سيناء، خاض الجيش مواجهات دامية ضد تنظيمات إرهابية استهدفت قوات الأمن والمدنيين، بعدما تحولت مناطق واسعة إلى ساحات لعمليات عسكرية وأمنية استمرت سنوات وتركت آثارًا إنسانية واقتصادية واجتماعية.
 
 
ومع تراجع نشاط التنظيمات المسلحة مقارنة بذروة المواجهات، يبرز سؤال يتعلق بحدود استمرار الإجراءات الاستثنائية، ومدى إمكانية استعادة الحياة المدنية الطبيعية وإخضاع السياسات الأمنية للمساءلة وحماية حقوق السكان.
 
 
وفي البحر الأحمر، أصبحت التهديدات المرتبطة بالملاحة الدولية والصراع الإقليمي مصدرًا إضافيًا للضغوط، بعدما أظهرت الهجمات على السفن التجارية قدرة النزاعات المسلحة على الإضرار بحركة قناة السويس.
 
 
كما فرض ملف سد النهضة الإثيوبي تحديًا مختلفًا، يرتبط بالأمن المائي ومستقبل الموارد الطبيعية، وهي قضية تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية مع التفاوض الدبلوماسي والقانون الدولي وإدارة الموارد الاقتصادية.

غير أن جمع هذه الملفات تحت عنوان واحد هو «التهديدات» لا يعني أنها متطابقة، فمواجهة تنظيم مسلح تختلف جذريًا عن إدارة أزمة مياه أو حماية ممر تجاري أو التعامل مع حرب أهلية.
 
 
ولهذا، يصبح استخدام المؤسسة العسكرية لمواجهة كل أزمة محل تساؤل، لأن بعض التهديدات تتطلب الدبلوماسية والاستخبارات والتنمية والإدارة المدنية، وليس بالضرورة توسيع الحضور العسكري باعتباره الاستجابة الأولى لكل مشكلة.
 
 
والأخطر أن اتساع تعريف الخطر دون ضوابط واضحة قد يسمح بتحويل قضايا اقتصادية واجتماعية إلى ملفات أمنية، بما يمنح المؤسسات المسلحة أدوارًا لا ترتبط مباشرة بوظيفتها الدفاعية الأصلية.
 
 
وفي الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار إسرائيل خارج حسابات الأمن القومي لمجرد وجود معاهدة سلام، خصوصًا أن تطورات غزة تؤكد استمرار التأثير المباشر للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على المصالح المصرية.
 
 
لكن المفارقة تكمن في أن التهديدات الخارجية الحقيقية تتطلب جيشًا متفرغًا للاستعداد والردع، بينما يثير اتساع مسؤوليات المؤسسة في الداخل تساؤلات حول توزيع الموارد والقدرات والاهتمام بين المهام المختلفة.
 
 
وهكذا، لا تبدو المشكلة في تعدد مصادر الخطر، وهو تطور تفرضه التحولات الإقليمية، وإنما في غياب الحدود الواضحة بين ما يستوجب تدخل الجيش وما يجب أن تتولاه المؤسسات المدنية.
 
 


من حماية الحدود لإدارة الدولة

 

لم يتوقف تحول وظيفة المؤسسة العسكرية عند مراقبة الحدود أو مواجهة الإرهاب، بل امتد إلى المجال الدستوري والتشريعي والاقتصادي، وهو ما يعكس اتساعًا في طبيعة المسؤوليات الممنوحة لها داخل الدولة.
 
 
فقد أضافت التعديلات الدستورية لعام 2019 إلى مهام القوات المسلحة صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على مدنية الدولة وحقوق الأفراد، إلى جانب حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها.
 
 
ورغم أن حماية الدستور تبدو هدفًا مشروعًا، فإن إسنادها إلى مؤسسة مسلحة يفتح تساؤلًا حول طبيعة العلاقة بين السلطات المدنية والجيش، ومن يملك حق تفسير التهديدات السياسية للدولة.
 
 
وفي هذا السياق، تصبح التفرقة بين حماية الدولة وحماية السلطة ضرورة أساسية، لأن الدولة كيان دائم يملكه المواطنون، بينما تمثل السلطة إدارة سياسية مؤقتة تخضع للمساءلة والتغيير.
 
 
ولا يجوز أن تتحول المعارضة السياسية أو المطالبة بالحقوق الاجتماعية إلى تهديد للأمن القومي، فحرية التعبير والمشاركة العامة ليستا خطرًا عسكريًا يستدعي استدعاء أدوات الأمن الاستثنائية.
 
 
ومع ذلك، توسعت صلاحيات القوات المسلحة في المجال المدني، إذ أتاح القانون رقم 3 لسنة 2024 مشاركتها في حماية المنشآت الحيوية، وأخضع جرائم تتعلق بهذه المنشآت لاختصاص القضاء العسكري.
 
 
كما امتد الحضور العسكري إلى النشاط الاقتصادي، عبر شركات ومشروعات تعمل في قطاعات تشمل الأسمنت والأغذية والوقود والإنشاءات والخدمات، وهي مجالات لا تمثل بطبيعتها أعمالًا قتالية أو دفاعية مباشرة.
 
 
وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى اتساع أنشطة الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية، وما تتمتع به بعض هذه الشركات من مزايا قد تؤثر في المنافسة مع القطاع الخاص وشفافية النشاط الاقتصادي.
 
 
وهنا يتجاوز السؤال حدود المشروعات نفسها، ليصل إلى طبيعة المؤسسة التي تديرها، ومدى خضوع أنشطتها التجارية لقواعد الشفافية والرقابة والمنافسة التي يفترض أن تحكم جميع الكيانات الاقتصادية.
 
 
فالمؤسسة المكلفة بحماية الحدود تمتلك طبيعة تنظيمية مختلفة عن الشركات المدنية، وعندما تتداخل الوظيفتان تصبح المساءلة أكثر تعقيدًا، ويصعب الفصل بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الإدارة الاقتصادية.
 
 
كذلك يطرح هذا التوسع تساؤلات حول أثر انشغال القيادات العسكرية بالمشروعات المدنية على الأولويات الدفاعية، خصوصًا أن الاستعداد للحروب الحديثة يحتاج إلى تدريب متواصل وتكنولوجيا متطورة وتخطيط استراتيجي طويل الأجل.
 
 
ولا يعني الاعتراض على عسكرة الإدارة المدنية التقليل من أهمية الجيش أو تضحيات أفراده، بل يعني ضرورة الحفاظ على مؤسسة عسكرية قوية، لا تتحمل أعباء وزارات وهيئات يفترض أن تؤدي وظائفها بنفسها.
 
 
وفي المقابل، تستند السلطات في تبرير بعض هذه الأدوار إلى الحاجة لسرعة التنفيذ وضبط الأمن وتوفير السلع وإنجاز المشروعات، باعتبار المؤسسة العسكرية أكثر قدرة على التحرك في الظروف الاستثنائية.
 
 
لكن استمرار الاستثناء وتحوله إلى قاعدة دائمة يضعف المؤسسات المدنية بدلًا من إصلاحها، ويجعل الدولة أكثر اعتمادًا على المؤسسة المسلحة في أداء مهام كان ينبغي تطوير الأجهزة المختصة للقيام بها.
 
 
والأشد خطورة أن توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل السياسة والاقتصاد والإعلام والمجتمع قد يجعل الاعتراض على السياسات الحكومية يبدو وكأنه اعتراض على الدولة، وهي معادلة تهدد المجال العام.

 

كما أن الخلط بين الأمن والاستقرار السياسي قد يدفع إلى التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية باعتبارها مشكلات أمنية، رغم أنها قد تكون تعبيرًا مشروعًا عن أزمات معيشية تستدعي حلولًا اقتصادية ومؤسسية.
 
 
ومن هنا، تظهر الحاجة إلى تعريف دقيق للأمن القومي، يحمي الحدود والسيادة والمصالح الاستراتيجية، دون أن يتحول إلى عنوان مفتوح يمنح السلطات صلاحيات غير محدودة في مواجهة المجتمع.
 
 
فالأمن الحقيقي لا يتحقق بالدبابات والطائرات وحدها، وإنما يتطلب اقتصادًا قادرًا على الصمود، ومؤسسات مدنية فعالة، وقضاء مستقلًا، ومجتمعًا يشعر بأن حقوقه جزء من قوة الدولة وليس تهديدًا لها.
 
 
وبعد ثلاثة وخمسين عامًا من حرب أكتوبر، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا ليس فقط عن هوية العدو الذي يستعد الجيش لمواجهته، وإنما عن طبيعة المهام التي باتت تستحوذ على اهتمام المؤسسة خارج الجبهة العسكرية.
 
 
لقد كان المصريون في 1973 يعرفون أين تقع الأرض المحتلة، ومن يسيطر عليها، ولماذا يقاتل أبناؤهم لاستعادتها، بينما أصبحت حدود الأمن القومي اليوم أوسع من أن يحيط بها تعريف واحد.
 
 
والفارق الجوهري أن تعدد التهديدات يستوجب تحديث قدرات الجيش، لكنه لا يمنح تفويضًا مفتوحًا للتدخل في كل شؤون الدولة، ولا يجعل المؤسسة العسكرية بديلًا عن العمل السياسي والإدارة المدنية.
 
 
ويبقى الدرس الأهم من أكتوبر أن قوة الجيش تُقاس بقدرته على حماية الوطن ومواجهة الأخطار الخارجية، لا بحجم المشروعات التي يديرها أو مساحة النفوذ الذي يمتلكه داخل المؤسسات المدنية.
 
 
أما السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه فهو: هل ما زالت الدولة تُعد جيشها لمواجهة الأخطار التي تهدد مصر، أم أصبحت تعيد تشكيل مؤسساتها حول الجيش تحت لافتة الأمن القومي؟
 
 
فبين جيش عبر القناة لتحرير الأرض ومؤسسة تتسع أدوارها داخل الاقتصاد والإدارة، تبقى الحاجة ملحة لإعادة تحديد الأولويات، حتى لا تتحول حماية الوطن إلى مبرر دائم لتهميش المؤسسات المدنية.