كشفت حرب أكتوبر 1973 عن جيل من القيادات العسكرية المصرية ارتبطت خبراته بالتخطيط والقتال وإدارة المعارك، حيث كانت مواجهة إسرائيل واستعادة الأرض المحتلة الاختبار الحقيقي للكفاءة والقدرة على اتخاذ القرار العسكري.
⠀
⠀
وأظهرت التحولات التي شهدتها المؤسسة العسكرية خلال عهد السيسي واقعًا مختلفًا، بعدما امتدت أدوارها إلى الاقتصاد والإدارة والمشروعات، لتتصاعد التساؤلات حول معايير اختيار القيادات ومدى ارتباط صعودها بالكفاءة القتالية أو المسؤوليات المدنية.
⠀
⠀
قادة أكتوبر وخبرة ساحات القتال
ارتبط اسم أحمد إسماعيل علي، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة خلال حرب أكتوبر، بإدارة المواجهة العسكرية مع إسرائيل والإشراف على العمليات التي استهدفت عبور قناة السويس وتحطيم التحصينات الإسرائيلية.
⠀
⠀
وتولى أحمد إسماعيل مسؤولية التنسيق بين التشكيلات العسكرية المختلفة، ومتابعة الموقف الاستراتيجي، وإدارة العمليات في ظروف شديدة التعقيد، وسط تحديات تتعلق بالتسليح والتفوق الجوي الإسرائيلي.
⠀
⠀
أما الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، فكان أحد أبرز العقول العسكرية التي أسهمت في إعداد خطة العبور، وربط الأهداف العسكرية بالإمكانات القتالية المتاحة.
⠀
⠀
واعتمد تصور الشاذلي على عبور القناة وإقامة رؤوس كباري شرقها، مع تجنب التقدم خارج نطاق الحماية الفعالة للدفاع الجوي، حتى لا تتعرض القوات المصرية لضربات إسرائيلية واسعة.
⠀
⠀
وجسدت هذه الرؤية فهمًا لطبيعة الحرب وحدود القوة العسكرية، حيث لم يكن المطلوب تحقيق تقدم جغرافي بأي ثمن، وإنما تنفيذ عمليات محسوبة تراعي التوازن بين الأهداف والإمكانات.
⠀
⠀
وفي موقع بالغ الأهمية، تولى محمد عبد الغني الجمسي رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة، وأسهم في إعداد الدراسات المتعلقة بتوقيت الحرب والظروف العسكرية والجغرافية المناسبة لبدء الهجوم.
⠀
⠀
واشتهر الجمسي بالدقة في دراسة الموقف العسكري، وتحليل العوامل المؤثرة في العمليات، وتحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى ترتيبات عملياتية تستند إلى الحسابات والتوقيت والتنسيق بين القوات.
⠀
⠀
أما محمد علي فهمي، قائد قوات الدفاع الجوي، فارتبط اسمه ببناء وتطوير منظومة الدفاع الجوي المصرية، التي شكلت عنصرًا أساسيًا في حماية القوات أثناء عبور القناة.
⠀
⠀
وأسهمت منظومة الصواريخ والرادارات والمدفعية المضادة للطائرات في الحد من حرية عمل الطيران الإسرائيلي، ومنحت القوات المصرية قدرة أكبر على تثبيت مواقعها شرق القناة.
⠀
⠀
وهكذا امتلك كل قائد من هؤلاء تخصصًا عسكريًا محددًا، يرتبط بالتخطيط والعمليات والدفاع وإدارة المعركة، داخل مؤسسة كانت تستعد لمواجهة عسكرية واسعة مع عدو معروف.
⠀
⠀
ولم تكن القيادات العسكرية في تلك المرحلة بعيدة عن الحسابات السياسية، كما لم تكن قراراتها محل اتفاق دائم، فقد شهدت الحرب خلافات بشأن تطوير الهجوم والتعامل مع ثغرة الدفرسوار.
⠀
⠀
وتكشف مذكرات الشاذلي والجمسي جانبًا من هذه الخلافات، وتوضح أن القرارات العسكرية كانت تخضع لتباين التقديرات بين القادة، وأن نجاح العبور لم يمنع ظهور خلافات استراتيجية لاحقة.
⠀
⠀
واللافت أن وزارة الدفاع تحتفظ بمذكرات الجمسي بخط يده ضمن وثائق حرب أكتوبر، بما يوفر مادة تاريخية لفحص التخطيط العسكري والقرارات التي شهدتها المعركة.
⠀
⠀
وتبرز أهمية تلك الشهادات في إظهار طبيعة المسؤوليات التي تحملها القادة، والقرارات التي اتخذوها، والأخطاء التي اختلفوا بشأنها، بعيدًا عن الاكتفاء بالاحتفالات والصور الرسمية.
⠀
⠀
غير أن السؤال الأهم يتعلق بما تغير بعد مرور أكثر من نصف قرن، عندما أصبحت المؤسسة العسكرية تضطلع بمسؤوليات تتجاوز الاستعداد للحرب إلى إدارة قطاعات اقتصادية ومدنية واسعة.
⠀
⠀
جنرالات المشروعات واتساع النفوذ العسكري
شهد عهد السيسي توسعًا كبيرًا في الأنشطة الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، حيث امتدت أدوار جهات تابعة لها إلى قطاعات الإنشاءات والإسكان والطرق والصناعات الغذائية واستصلاح الأراضي.
⠀
⠀
وأصبحت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة طرفًا رئيسيًا في تنفيذ مشروعات قومية ضخمة، بعدما اتسعت مسؤولياتها لتشمل البنية التحتية والمرافق والمنشآت المدنية ومشروعات التطوير العمراني.
⠀
⠀
وفي الوقت نفسه، واصل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية نشاطه في قطاعات إنتاجية وتجارية متعددة، بينما برزت جهات عسكرية أخرى في مشروعات الزراعة والتخزين وإدارة الأراضي.
⠀
⠀
كما أصبحت المؤسسة العسكرية شريكًا رئيسيًا في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، من خلال ملكية شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، في نموذج يعكس حضورها داخل المشروعات العقارية الكبرى.
⠀
⠀
وهذا التوسع يطرح سؤالًا بشأن طبيعة الخبرات المطلوبة من القيادات العسكرية، بعدما أصبحت إدارة المشروعات والعقود والميزانيات والجداول الزمنية جزءًا من مسؤوليات بعض الجهات التابعة للمؤسسة.
⠀
⠀
فالقائد الذي كان يتابع تحركات المدرعات وحسابات الاشتباك وتوزيع القوات يختلف في طبيعة عمله عن مسؤول عسكري يتابع معدلات تنفيذ الطرق والمجمعات الصناعية والمشروعات العقارية.
⠀
⠀
ولا تعني هذه المقارنة أن المهام الإدارية تفتقر إلى الأهمية، لكنها تكشف اختلافًا جوهريًا بين الخبرة اللازمة لقيادة المعارك والخبرة المطلوبة لإدارة النشاط الاقتصادي والمدني.
⠀
⠀
ومن هنا يبرز التساؤل حول تأثير هذا التوسع على المسار المهني للضباط، ومدى ارتباط شغل المناصب العليا بالخبرة العملياتية أو القدرة على إدارة التكليفات الاقتصادية والإدارية.
⠀
⠀
ولا تتوافر معلومات علنية كافية تسمح بالجزم بأن إدارة المشروعات أصبحت معيارًا حاسمًا للترقيات العسكرية، أو أنها حلت محل الخبرة القتالية داخل منظومة اختيار القيادات.
⠀
⠀
لكن اتساع المسؤوليات المدنية يفتح الباب لمناقشة انعكاسها على أولويات المؤسسة، خصوصًا عندما تتحول إدارة الأنشطة الاقتصادية إلى وظيفة دائمة تتطلب موارد بشرية وتنظيمية كبيرة.
⠀
⠀
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن الاستعانة بالقوات المسلحة في المشروعات تستهدف سرعة التنفيذ والانضباط الإداري، وهو تبرير لا يحسم التساؤلات بشأن حدود دور الجيش في الاقتصاد.
⠀
⠀
فنجاح المؤسسة العسكرية في تنفيذ مشروع مدني لا يمثل بالضرورة دليلًا على ارتفاع كفاءتها القتالية، مثلما لا تكفي الخبرة العسكرية وحدها لإثبات الكفاءة الاقتصادية.
⠀
⠀
وتتضاعف أهمية هذه القضية عندما تصبح المشروعات الاقتصادية جزءًا من الصورة العامة للمؤسسة، بينما تتراجع المعلومات المتاحة للجمهور بشأن تقييم أدائها في المهام العسكرية المتخصصة.
⠀
⠀
ولم تبدأ الأنشطة الاقتصادية العسكرية مع السيسي، فقد امتلك الجيش مؤسسات إنتاجية لعقود، لكن حجم التوسع وطبيعة المشروعات خلال عهده جعلا القضية أكثر حضورًا وتأثيرًا.
⠀
⠀
وتكشف هذه التحولات انتقال المؤسسة من المشاركة في بعض الأنشطة المدنية إلى إدارة مشروعات واسعة، بما يثير أسئلة تتعلق بتوزيع الاختصاصات بين القوات المسلحة والوزارات والهيئات الحكومية.
⠀
⠀
كما يطرح هذا الواقع تساؤلات حول جدوى استمرار الاعتماد على القيادات العسكرية في إدارة قطاعات يمكن أن تتولاها مؤسسات مدنية متخصصة، تخضع لقواعد المنافسة والرقابة والمحاسبة.
⠀
⠀
وفي ظل غياب بيانات تفصيلية كافية عن هذه الأنشطة، يصعب قياس آثارها الكاملة على الاقتصاد، أو تحديد ما إذا كانت مسؤولياتها الإدارية تؤثر على مسارات التأهيل العسكري.
⠀
⠀
معايير القيادة بين الكفاءة والولاء
تطرح المقارنة بين قادة أكتوبر والقيادات العسكرية في عهد السيسي قضية جوهرية تتعلق بمعايير الصعود داخل المؤسسة، ومدى تأثير التحولات السياسية والاقتصادية على اختيار شاغلي المناصب القيادية.
⠀
⠀
ففي أكتوبر 1973، كان كبار القادة مسؤولين عن خطط عسكرية محددة، وأصبح من الممكن تقييم أدوارهم عبر دراسة العمليات ونتائج المعارك والشهادات التي تركوها.
⠀
⠀
أما في المرحلة الحالية، فإن اتساع النشاط المؤسسي يجعل التقييم أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع ارتباط بعض المواقع العسكرية بمهام إدارية واقتصادية تتجاوز الوظائف الدفاعية التقليدية.
⠀
⠀
وتشير دراسات عن نظام الحكم في عهد السيسي إلى تصاعد مركزية اتخاذ القرار، وتعاظم الدور الذي تؤديه المؤسسة العسكرية داخل أجهزة الدولة ومشروعاتها الاقتصادية والإدارية.
⠀
⠀
وهنا يبرز سؤال بالغ الحساسية: هل يتحدد صعود القادة وفق خبراتهم في التخطيط والعمليات وقيادة التشكيلات، أم تدخل اعتبارات الثقة السياسية وتنفيذ التوجيهات ضمن معايير الاختيار؟
⠀
⠀
ولا تسمح المعلومات المتاحة بإثبات أن الولاء الشخصي أصبح بديلًا للكفاءة العسكرية، لكن محدودية الشفافية بشأن أسباب التعيين والنقل والترقية تجعل التحقق المستقل من تلك المعايير صعبًا.
⠀
⠀
وتزداد خطورة هذا الغموض عندما يتعلق الأمر بمؤسسة تتحمل مسؤولية الأمن القومي، وتحتاج قياداتها إلى خبرات متراكمة في التخطيط الاستراتيجي والتعامل مع الأزمات العسكرية المعقدة.
⠀
⠀
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن طبيعة التهديدات تغيرت منذ حرب أكتوبر، بعدما أصبحت الجيوش تواجه تحديات تتعلق بالإرهاب والطائرات المسيرة والحروب الإلكترونية وأمن الحدود.
⠀
⠀
وتفرض هذه التهديدات تطوير التأهيل العسكري، وإعداد قيادات قادرة على إدارة عمليات متعددة المجالات، تجمع بين القتال التقليدي والتكنولوجيا والاستخبارات والإمداد والقدرات السيبرانية.
⠀
⠀
لكن تطوير المهارات المطلوبة للحروب الحديثة يختلف عن توسيع مسؤوليات الجيش في التجارة والإنشاءات وإدارة الأصول، وهي أنشطة لا تمثل بذاتها بديلًا عن التأهيل القتالي.
⠀
⠀
والمشكلة ليست في اكتساب الضابط خبرة إدارية، وإنما في احتمال تحول هذه الخبرة إلى مسار مهني يستهلك سنوات طويلة، كان يمكن استثمارها في التدريب والتخطيط العسكري.
⠀
⠀
كما يثير انتقال ضباط حاليين وسابقين إلى مواقع إدارية ومدنية تساؤلات حول معايير الاختيار، ومدى خضوع المؤسسات التي يتولون إدارتها لقواعد المحاسبة والرقابة المطبقة على غيرها.
⠀
⠀
وتبرز هنا مفارقة واضحة؛ فالمؤسسة العسكرية التي يفترض أن تكون مهمتها الأساسية الاستعداد لمواجهة الأخطار الخارجية أصبحت أيضًا طرفًا مؤثرًا في تنفيذ السياسات الاقتصادية والمشروعات الحكومية.
⠀
⠀
ولا يمكن قياس هذا التحول بمجرد عدد الشركات أو حجم المشروعات، وإنما بمدى تأثيره على استقلال القرار المهني داخل المؤسسة، وكفاءة توزيع الموارد، وأولوية التدريب والاستعداد العسكري.
⠀
⠀
وفي حرب أكتوبر، كان السؤال الأساسي يتعلق بقدرة القادة على عبور القناة ومواجهة إسرائيل وإدارة العمليات، بينما أضاف الواقع الحالي أسئلة بشأن المشروعات والإيرادات والإدارة الاقتصادية.
⠀
⠀
ومع ذلك، فإن اختزال قادة أكتوبر في الكفاءة العسكرية وحدها، أو تصوير القيادات الحالية باعتبارها منشغلة بالكامل بالاقتصاد، لا يقدم فهمًا دقيقًا للتعقيدات التي شهدتها المرحلتان.
⠀
⠀
فالقضية الحقيقية تتعلق بأولوية الوظيفة الدفاعية، ومدى قدرة المؤسسة على ضمان أن تظل الكفاءة العسكرية والخبرة الميدانية والتأهيل العملياتي في مقدمة معايير اختيار القادة.
⠀
⠀
وتزداد أهمية هذه القضية في ظل التوترات الإقليمية المحيطة بمصر، وامتداد الأزمات إلى السودان وليبيا والبحر الأحمر، واستمرار التحديات المرتبطة بالأمن المائي والتوازنات العسكرية.
⠀
⠀
فحماية الأمن القومي لا تتحقق بعدد المشروعات التي تنفذها المؤسسة العسكرية، وإنما بامتلاك قوات مدربة وقيادات مؤهلة ونظم تسليح فعالة وقدرة حقيقية على التعامل مع التهديدات.
⠀
⠀
ومن هنا تصبح الشفافية بشأن الحدود الفاصلة بين العمل العسكري والنشاط الاقتصادي ضرورة مؤسسية، لا تستلزم كشف أسرار الدفاع أو الخطط العملياتية أو المعلومات العسكرية الحساسة.
⠀
⠀
وتبقى تجربة أكتوبر شاهدًا على أهمية التخصص والتخطيط وإدارة المعركة، حتى مع الخلافات التي شهدتها القيادة، بينما تضع التحولات الراهنة مسؤوليات إضافية أمام المؤسسة العسكرية.
⠀
⠀
وبعد 53 عامًا من العبور، لم يعد السؤال مقتصرًا على أسماء من يتولون قيادة الجيش، بل امتد إلى طبيعة الخبرات التي تؤهلهم للصعود، والمهام التي تحدد أولوياتهم المهنية.
⠀
⠀
وفي النهاية، يكشف الفارق بين أحمد إسماعيل والشاذلي والجمسي وفهمي، وبين واقع القيادات في عهد السيسي، عن تحول واسع في أدوار المؤسسة العسكرية وموقعها داخل الدولة.
⠀
⠀
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تظل صناعة القائد القادر على إدارة الحرب أولوية المؤسسة العسكرية، أم أن اتساع نفوذها الاقتصادي والإداري يعيد تشكيل مفهوم القيادة ومعايير الوصول إليها؟

