بعد 45 عامًا على اغتياله، وجد أنور السادات جمهورًا جديدًا وغير متوقع بين الشباب المصري، بعدما حوّل الذكاء الاصطناعي صورته إلى بطل حاضر بقوة على منصات التواصل الاجتماعي، بحسب الكاتب سام حمد. وانتشرت خلال الفترة الأخيرة صور ومقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر السادات في مشاهد مرتبطة بحرب أكتوبر، بينما أعادت هذه المحتويات تقديم الرئيس الراحل إلى جيل وُلد بعد عقود من وفاته.


ويرصد التقرير الذي نشره موقع العربي الجديد انتشار صور السادات ومقاطع الفيديو التي تعيد تخيل أحداث حرب أكتوبر 1973 عبر أدوات الذكاء الاصطناعي. كما يتناول التقرير الطريقة التي أعادت بها هذه التقنيات تقديم ذاكرة الحرب إلى جيل الشباب المصري بعيدًا عن الوسائل التقليدية مثل الكتب المدرسية والتلفزيون الرسمي والأفلام الحربية.


انتشرت صور ومقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي للسادات على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي المصرية بالتزامن مع ذكرى حرب أكتوبر، وظهر فيها الرئيس الراحل وهو يواجه قادة إسرائيليين أو يسخر منهم، إلى جانب مشاهد تحتفي بعبور القوات المصرية قناة السويس. كذلك وضعت صور أخرى مصريين معاصرين داخل مشاهد الحرب، حيث ظهروا بملابس الجنود أو فوق الدبابات أو وهم يقتحمون خط بارليف، بما منح المستخدمين فرصة لإدخال أنفسهم رقميًا في واحدة من أبرز محطات التاريخ المصري الحديث.

 


السادات يعود إلى منصات التواصل


ارتبطت الظاهرة بصورة خاصة بالسادات، الذي كان رئيسًا لمصر خلال حرب أكتوبر، قبل أن يغتاله مسلحون إسلاميون خلال عرض عسكري أقيم في 6 أكتوبر 1981 لإحياء ذكرى الحرب. وفي موجة المحتوى الجديدة، وصفته وسائل إعلام مصرية بأنه «بطل المشهد»، بينما أظهرت مقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي لقاءات خيالية بينه وبين رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة جولدا مائير ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشيه دايان.


لكن انتشار هذه الصور لا يبدو مجرد موجة من الميمات الوطنية أو المحتوى الترفيهي، إذ بدأ السادات يتحول إلى شخصية يكتشفها جيل جديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقال الصحفي المصري سامي عبد الراضي إن السادات أصبح «ترند» بين جيل جديد، من بينهم مراهقون تتراوح أعمارهم بين 14 و20 عامًا لم يعاصروا فترة حكمه.


وبحسب عبد الراضي، دفع ظهور السادات عبر منصات التواصل بعض الشباب إلى البحث عن خطاباته ومشاهدة تسجيلات قادة عسكريين مصريين بارزين شاركوا في حرب أكتوبر. وهكذا لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لإنتاج صور ساخرة أو خيالية، بل أصبح بالنسبة إلى بعض المستخدمين بوابة لاكتشاف جانب من التاريخ المصري.


واشتعلت موجة المحتوى المرتبط بالسادات بالتزامن مع ذكرى حرب أكتوبر، التي تحييها مصر رسميًا باعتبارها انتصارًا عسكريًا على إسرائيل. وفي الوقت نفسه، شارك مستخدمون مصريون أوامر نصية تتيح للآخرين إنتاج صورهم الخاصة عن الحرب، بينما نشرت وسائل إعلام مصرية أدلة تشرح كيفية إنشاء صور بالذكاء الاصطناعي تضع المستخدمين بجوار جنود ومعدات عسكرية تعود إلى عام 1973.


تعمدت بعض الصور تقليد شكل الصور الفوتوغرافية القديمة، ولذلك ظهر أصحابها وكأنهم شاركوا بأنفسهم في عبور قناة السويس قبل أكثر من نصف قرن. ومع انتشار هذا النوع من المحتوى، أصبح بإمكان المستخدم أن يعيد صياغة علاقته بحدث تاريخي لم يعشه، وأن يرى نفسه داخل مشهد كان في الأصل جزءًا من ذاكرة جيل سابق.

 


جيل Z يكتشف حرب أكتوبر


يمثل هذا الاتجاه تحولًا لافتًا في الطريقة التي يتعرف بها الشباب المصري إلى حرب أكتوبر، بعدما ارتبطت ذاكرة الحرب لعقود بالكتب المدرسية والتلفزيون الحكومي والأفلام الحربية والاحتفالات الرسمية السنوية. أما اليوم، فتصل هذه الذاكرة إلى جيل Z عبر مقاطع قصيرة وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي، وهي أدوات تتناسب بدرجة أكبر مع الطريقة التي يستهلك بها الشباب المحتوى الرقمي.


وأخذت وسائل الإعلام المصرية تتناول الذكاء الاصطناعي ومقاطع الفيديو القصيرة باعتبارهما وسيلتين جديدتين لنقل ذاكرة حرب أكتوبر إلى جيل لا يمتلك ذاكرة شخصية عن الحرب، ولا عن الرئيس الذي قاد مصر خلالها. وبذلك انتقلت صورة السادات من صفحات الكتب والتسجيلات التاريخية إلى فضاء رقمي يستطيع المستخدمون فيه إعادة إنتاجها وتعديلها وإدخال أنفسهم إليها.


ولم تبدأ جاذبية السادات بالنسبة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي مع ذكرى حرب أكتوبر الحالية، إذ شهدت محافظة المنيا في وقت سابق من العام تجربة استخدمت نسخة تفاعلية مولدة بالذكاء الاصطناعي من الرئيس الراحل. وأتاحت التجربة للطلاب التفاعل مع نسخة رقمية من السادات أثناء تعلمهم عن حرب أكتوبر، في محاولة لدمج التكنولوجيا الحديثة مع تدريس التاريخ.


ويكشف هذا الاستخدام عن تغير أوسع في طريقة تقديم الشخصيات التاريخية للأجيال الجديدة، إذ لم يعد الطالب يكتفي بمشاهدة صورة ثابتة أو قراءة خطاب قديم. وبدلًا من ذلك، يستطيع الذكاء الاصطناعي بناء شخصية رقمية تحاكي ملامح الشخصية التاريخية وتقدم تجربة أكثر تفاعلية، وإن كانت تطرح في الوقت نفسه أسئلة حول حدود الدقة التاريخية والفصل بين الحقيقة وإعادة التخيل.


وتكتسب تجربة السادات أهمية خاصة لأن صورته التاريخية تحمل تناقضات سياسية واجتماعية عديدة، بينما تختزلها المحتويات المنتشرة عبر الإنترنت في جانب واحد غالبًا. فالمحتوى المتداول يركز بصورة أساسية على السادات رئيس الحرب، الواثق والكاريزماتي والمنتصِر، في اللحظة التي استطاعت فيها مصر تغيير موازين القوى في المنطقة بصورة كبيرة.

 


صورة جديدة لرئيس مثير للجدل


خلف هذه الصورة الرقمية المبسطة يقف إرث سياسي أكثر تعقيدًا، إذ خلف السادات جمال عبد الناصر في رئاسة مصر عام 1970، وقاد البلاد خلال حرب أكتوبر 1973 التي شنت خلالها القوات المصرية هجومًا مفاجئًا على القوات الإسرائيلية في سيناء المحتلة. وحققت القوات المصرية في بداية الحرب تقدمًا كبيرًا عبر قناة السويس، قبل أن تدخل المعارك مراحل عسكرية وسياسية أكثر تعقيدًا.


وظلت حرب أكتوبر عنصرًا أساسيًا في صورة السادات داخل مصر، كما فتحت الطريق أمام مفاوضات قادت في النهاية إلى استعادة سيناء وعودة السيادة المصرية عليها. لكن إرثه لم يتوقف عند الحرب، إذ أصبح أول رئيس عربي يزور إسرائيل، ثم وقع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.


وأثارت اتفاقية السلام انتقادات واسعة داخل مصر وفي العالمين العربي والإسلامي، خصوصًا مع استمرار القضية الفلسطينية دون حل. كما أدى خروج مصر إلى مسار السلام المنفصل مع إسرائيل إلى تعليق عضويتها في جامعة الدول العربية وعزلها عن جزء كبير من محيطها الإقليمي خلال تلك المرحلة.


ولم يقتصر الجدل حول إرث السادات على السياسة الخارجية، إذ حملت سياساته الداخلية تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. وأسهمت سياسة «الانفتاح» الاقتصادي في إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع المصريين، بينما أثارت إجراءات خفض الدعم موجة احتجاجات عرفت باسم «انتفاضة الخبز» عام 1977.


وفي سبتمبر 1981، أي قبل أسابيع من اغتياله، أصدر السادات أوامر باعتقال أكثر من 1500 من خصومه السياسيين ومنتقديه المنتمين إلى تيارات أيديولوجية مختلفة في أنحاء مصر. ومع ذلك، تغيب هذه الجوانب المعقدة إلى حد كبير عن الصورة التي يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاجها للسادات على منصات التواصل الاجتماعي.


وتظهر الشخصية الأكثر تداولًا حاليًا باعتبارها «السادات رئيس الحرب»، الذي يبدو واثقًا وكاريزماتيًا ومنتصرًا، بينما تتراجع خلف هذه الصورة مراحل أخرى من مسيرته السياسية. ويكشف ذلك عن طبيعة المحتوى الذي تنتجه الخوارزميات، إذ يمكن لصورة واحدة مولدة رقميًا أن تركز على لحظة محددة من حياة شخصية تاريخية وتهمش سياقاتها الأخرى.


وتبرز المفارقة بصورة أكبر عند مقارنة هذه الصورة الرقمية بموقع مصر الحالي في المنطقة، إذ تعتمد القاهرة اقتصاديًا على الاستثمارات الخليجية وعلى مليارات الدولارات من المساعدات الأميركية، بينما تواجه انتقادات بسبب حذرها في التعامل مع الملفات الإقليمية. وفي الوقت نفسه، أثارت الحرب الإسرائيلية في غزة غضبًا واسعًا بين المصريين، ما جعل المقارنة بين صورة مصر في عهد السادات وصورتها الحالية أكثر حضورًا في النقاشات الرقمية.


ولا تعني عودة السادات عبر الذكاء الاصطناعي أن جيل Z تبنى بالضرورة إرثه السياسي بكل تفاصيله، وإنما تكشف عن طريقة جديدة لاكتشاف الشخصيات التاريخية وإعادة إنتاجها. فالشاب الذي يرى صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي للسادات وهو يعبر قناة السويس قد يبدأ بالسؤال عن الرجل الذي يقف خلف الصورة، ثم ينتقل إلى خطاباته وتسجيلات الحرب وتاريخ العلاقات المصرية الإسرائيلية.


وبذلك أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الطريقة التي يعيد بها جيل جديد اكتشاف حرب أكتوبر والسادات، لكنه في الوقت نفسه يعيد تشكيل الذاكرة وفق الصور الأكثر قابلية للانتشار على منصات التواصل. وبينما تستحضر هذه المحتويات لحظة عسكرية بارزة في التاريخ المصري، فإنها تترك جانبًا كبيرًا من الإرث السياسي والاجتماعي المثير للجدل للرئيس الراحل.


ومن هنا، لا تكمن أهمية الظاهرة في انتشار صور السادات فحسب، بل في الطريقة التي تتحول بها الذاكرة التاريخية إلى محتوى رقمي قابل لإعادة الإنتاج والمشاركة. وبينما يواصل الذكاء الاصطناعي إعادة تخيل حرب أكتوبر وشخصياتها، يجد جيل لم يعاصر تلك الأحداث نفسه أمام نسخة جديدة من الماضي، نسخة تبدأ بصورة على شاشة الهاتف وقد تقود صاحبها إلى البحث عن التاريخ الذي يقف خلفها.

 

https://www.newarab.com/news/how-ai-turned-anwar-sadat-unlikely-gen-z-icon