أصدر مصطفى مدبولي القرار رقم 2449 لسنة 2026 باعتبار محور المرج بالقاهرة والقليوبية من أعمال المنفعة العامة، وإجازة الاستيلاء بالتنفيذ المباشر على الأراضي والعقارات اللازمة للمشروع، لتدخل ممتلكات السكان في دائرة النزع الإجباري.

 

وأظهرت دراسة مؤسسة ديوان العمران استهداف 1282 عقارًا تضم نحو 7975 وحدة سكنية مقدرة، بما يضع الحكومة أمام مسؤولية حماية آلاف المساكن، بدل اختزال أصحابها في تعارضات تعطل مرور محور جديد.

 

آلاف المساكن في مرمى الإزالة

 

وبحسب الحصر، تبلغ المساحة المستهدفة 335833 مترًا مربعًا، تعادل نحو 80 فدانًا، موزعة بين الخانكة والقلج وأبو زعبل وكفر عبيان والمرج، بما يوسع نطاق التأثر خارج حدود حي واحد أو تجمع صغير.

 

وتقدر الدراسة حجم التأثر بنحو 8875 أسرة تضم 35500 شخص، وهي أرقام تضع الكلفة الاجتماعية للمشروع في صدارة المساءلة، فلا يجوز التعامل مع استقرار هذه التجمعات باعتباره تفصيلًا هامشيًا أمام مخططات الطرق.

 

غير أن هذا التقدير يجمع الوحدات وقطع الأراضي والمحال، ثم يفترض أربعة أفراد لكل أسرة، ولذلك لا يمثل حصرًا رسميًا للسكان المقيمين أو لمن أُخلوا بالفعل، ولا يثبت وقوع تهجير بهذا العدد.

 

وفي التفاصيل، تتصدر القلج عدد الوحدات السكنية المقدرة بواقع 2642 وحدة داخل 398 عقارًا، تليها الخانكة بنحو 2400 وحدة داخل 393 عقارًا، ما يجعل المنطقتين تتحملان النصيب الأكبر من المساكن المستهدفة.

 

أما أبو زعبل فتضم 1695 وحدة مقدرة داخل 344 عقارًا، مقابل 998 وحدة في المرج داخل 88 عقارًا، و240 وحدة بكفر عبيان داخل 59 عقارًا، وفق التوزيع الذي أوردته الدراسة.

 

كما يشمل الحصر 315 محلًا تجاريًا و551 قطعة أرض و34 قطعة زراعية، لتتجاوز القضية فقدان المسكن إلى احتمالات تعطل الدخل، وهو عبء لا يصح إسقاطه عند حساب الكلفة الفعلية للمشروع.

 

وفي ورقة سياسات صدرت في يونيو 2026، يدعو يحيى شوكت، الباحث في سياسات الإسكان والعمران، بالاشتراك مع نادين عبد الرازق، إلى إثبات تفوق المنفعة على الخسائر وفحص البدائل الأقل إضرارًا بالملكيات.

 

وبهذا المعيار، يصبح تقديم دراسة معلنة لتقليل الإزالات واجبًا سياسيًا على الحكومة، فلا يكفي وصف الطريق بأنه تنموي بينما يُطلب من السكان التسليم بفقدان ممتلكاتهم قبل معرفة مبررات اختيار المسار وتكلفته الاجتماعية.

 

مليارات التعويض لا تشتري الطمأنينة

 

وفي ملف التعويضات، حددت المذكرة الإيضاحية تقديرًا مبدئيًا يبلغ 6 مليارات و620 مليون جنيه، تتوزع بين 6 مليارات للقليوبية و620 مليونًا للقاهرة، لكن ضخامة الإجمالي لا تثبت كفاية نصيب كل متضرر.

 

فالمبلغ المعلن تقدير أولي للمشروع، وليس بيانًا بما تسلمه أصحاب الحقوق، كما لا يحدد وحده قيمة تعويض كل شقة أو محل، ولا يجيب عن قدرة المستحقين على شراء بدائل مناسبة.

 

وعند اختبار العدالة، يصبح السؤال عن المسكن البديل وموقعه ومساحته وخدماته أكثر أهمية من الاحتفاء برقم المليارات، لأن الأسرة قد تحصل على مقابل مالي وتعجز رغم ذلك عن استعادة مستوى استقرارها.

 

ومن زاوية العدالة المكانية، تدعو الباحثة الاجتماعية نادين عبد الرازق، في ورقتها المشتركة مع شوكت المنشورة في يونيو 2026، إلى تعويض يتيح بديلًا مماثلًا ويحمي مصادر العيش، مع احتساب تكاليف الانتقال وفقدان الدخل.

 

وعلى هذا الأساس، لا يصح تحميل صاحب المحل وحده خسارة زبائنه وفترة توقف نشاطه، ولا ترك الأسرة تدفع إيجارًا مؤقتًا ومصاريف انتقال إضافية، ثم اعتبار ملفها منتهيًا بمجرد تحديد سعر للجدران.

 

كذلك يظل توقيت الصرف عنصرًا حاسمًا، فالتعويض الذي يصل بعد اضطرار صاحبه إلى الاقتراض أو استنزاف مدخراته قد ينقل إليه جزءًا من فاتورة المشروع، حتى لو بدا المبلغ مقبولًا على الورق.

 

وفي المقابل، تقتضي المحاسبة نشر أسس التثمين والكشوف ومواعيد الإتاحة والصرف بصورة مفهومة، مع بيان معاملة الملاك والمستأجرين وأصحاب الأنشطة، حتى يعرف كل متضرر حقه قبل أن يواجه إجراءات الإخلاء.

 

ومن ثم، فإن طمأنة السكان تحتاج التزامات قابلة للقياس والتنفيذ، تشمل التعويض والبدائل وحماية الدخل، أما الاكتفاء بعرض المخصصات الإجمالية فيترك الأسئلة الأشد إلحاحًا معلقة فوق رؤوس من ستتغير حياتهم بسبب المشروع.

 

المنفعة العامة ليست تفويضًا مفتوحًا

 

وبالعودة إلى المذكرة الرسمية، تبرر وزارة النقل المشروع بربط التجمعات العمرانية على جانبي الطريق الدائري، وتقول إن التنفيذ أظهر تعارض أراض وعقارات مع المحور، فطلبت نزع ملكيتها لصالح الهيئة العامة للطرق والكباري.

 

لكن هذا التبرير يشرح غرض الطريق دون أن يحسم وحده ضرورة نزع كل ملكية مستهدفة، فربط التجمعات لا يعفي الجهة المنفذة من تبرير اختيار المسار ومقارنة أضراره ببدائل تحافظ على مساكن أكثر.

 

وفي تناوله القانوني المنشور في سبتمبر 2026، يشدد المحامي مينا فايق على فحص مشروعية قرار النزع وتدقيق الحصر، ويوضح أن صرف التعويض المتاح لا يسقط حق صاحبه في الطعن على قيمته.

 

وبالتالي، لا تملك الحكومة تحويل قرار المنفعة العامة إلى مطالبة بالصمت، فمراجعة البيانات ومنازعة التقييم والمطالبة بحماية الحقوق جزء من مواجهة آثار القرار، ولا يجوز تصويرها باعتبارها تعطيلًا للتنمية أو رفضًا للخدمات.

 

وفي دراسة منشورة يوم 23 سبتمبر 2026، خلص ديوان العمران إلى أن ضمانات عديدة تعمل بعد إقرار المنفعة العامة، وطالب بفحص الضرورة والبدائل والمشاركة قبل القرار، وإتاحة حماية قضائية عاجلة من الأضرار.

 

وهنا تتحدد مسؤولية السلطة في إتاحة مقارنة واضحة بين المسار المعتمد والخيارات الأخرى، تشمل عدد المساكن المتأثرة والتكلفة والآثار المعيشية، بدل مطالبة الناس بالثقة في نتيجة لم تتح لهم مناقشة أسسها.

 

كما أن حصر أصحاب الحقوق لا ينبغي اختزاله في أسماء ملاك ظاهرين، فوجود مستأجرين وأصحاب أنشطة وحيازات متفاوتة يستدعي معالجة معلنة لكل فئة، حتى لا تتحول تعقيدات الأوراق إلى باب لخسارة السكن والدخل.

 

وأمام هذا الحجم من الممتلكات المستهدفة، تبقى الحكومة مطالبة بإثبات أن الطريق يخدم الناس دون سحق حقوق المتأثرين به، فنجاح محور المرج لا يقاس بسرعة انتزاع الأرض، بل بقدرة السكان على مواصلة حياتهم بكرامة.