سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط

 

في اتجاه معاكس للشعارات التي ترفعها السلطة في مصر، تم توقيف صحافيين ستة ينتمون إلى منصة "متصدقش" الإلكترونية، ووجهت لهم حزمة اتهامات جاهزة تتكرّر مع كل من يتعرّض للاعتقال في الأعوام الأخيرة. حيث تتكرّر الاتهامات وتُستنسخ من قضية إلى أخرى، رغم اختلاف المتهمين وتباين انتماءاتهم واتجاهاتهم الفكرية. في مؤشّرٍ إلى جمود بدأ يصيب العقل الأمني المتحكم في الحياة العامة بمصر. وفي هذا دلالات شديدة السلبية لجهة كفاءة القائمين على أمر تلك الأجهزة ومستوى مهاراتهم في افتعال القضايا وتلفيق الاتهامات.

 

في قضية "متصدقش"، تنطوي الاتهامات الموجهة للصحافيين الستة على تناقضات مثيرة. فهم متهمون بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين، رغم أن المنصة انتقدت تلك الجماعة غير مرّة، وحرصت على تفنيد معلومات وتقارير غير دقيقة نشرتها جهات معارضة في الخارج. في إقرار بصدقية الحكومة المصرية في تلك المسائل تحديدًا، إن لم يكن تأييدًا لها بشكل عام. وما إن نال الحكومة المصرية نصيبها من استقصاءات "متصدقش"، حتى اتّهم صحافيو المنصة بنشر أكاذيب وعضوية جماعة "الإخوان".

 

وهنا التناقض الثاني والأهم، إذ كانت منصة "متصدقش" قد خضعت لتحقيقات وتحرّيات أمنية معمقة قبل ثلاثة أعوام. ولم تجد السلطات وقتئذ في نشاط المنصة وأعمالها وتمويلها الخارجي ما يدعو إلى التوقيف أو الإحالة على القضاء... وغني عن البيان أن أي إشارات انتماء أو تعاطف مع "الإخوان" أو حتى فقط معارضة للسلطة الحاكمة، تُعد مبرّرًا كافيًا للاعتقال والخضوع للمحاكمة. ولم تكن "متصدقش" لتفلت من تلك القبضة الأمنية وتستأنف عملها من داخل مصر بشكل طبيعي، لو وجدت السلطات أي ملمح لذلك أو أي احتمال.

 

ما يجب التوقف عنده طويلًا توقيت افتعال تلك القضية. إذ يأتي قبل أسبوعين فقط من تنظيم فعالية بعنوان "منتدى مصر". ولما كانت الفكرة من ورائه نبعت من دعوة رأس السلطة في مصر إلى ضرورة عقد مؤتمر عام يناقش المشكلات القائمة ويجري من خلاله تعريف المجتمع بمساعي الحكومة لمواجهتها، كان العقل الرشيد يقتضي تهيئة الأجواء العامة حتى انتهاء الفعالية، وليس تعكير الأجواء بتجريم ما سيتضمنه المنتدى من نقاشات. منها، مثلًا، "نشر السلبيات بالقطاعات المختلفة، وإبراز تقصير المسؤولين في التعامل معها".

 

وحيث إن "منطق القبضة الأمنية" في إدارة الدولة يعد أحد أبرز المآخذ على إدارة الدولة وتعاطيها مع المجتمع؛ يبعث إعمال المنطق نفسه، وتفعيله بهذا القدر من التسرع، رسالةً عكسيةً كفيلةً بنسف الفكرة وإجهاض أهدافها. إلى حد ربما يجعل عدم إقامة تلك الفعالية يكون أخف وطأة من عقدها عقب تفجير تلك القضية المثيرة للجدل، خاصة مع تزايد الاهتمام الخارجي ومتابعة دوائر المجتمع المدني العالمية لمسار القضية وملابساتها.

 

ليس سوء التقدير هذا مجرّد انعكاس للخلل في منطق إدارة الدولة. وإنما يكشف خطورة تغوّل العقلية الأمنية وإطلاق العنان للقائمين عليها، بما يستتبعه هذا من رعونة ربما تكون نتائجها العكسية أشد خطورة على النظام والدولة من هواجس المؤامرة ودواعي حماية النظام.

 

ومن مؤشرات هذا أن تلك الاتهامات التي أعلنتها النيابة العامة بلا دليل أو إثبات أثارت استياء نقابة الصحافيين المصريين، خاصة بعد أن فشلت اتصالاتها للإفراج عن الصحافيين الستة. ومع اقتراب موعد انتخابات مجلس النقابة، يُطل سوءُ اختيار التوقيت برأسِه مجددًا لينذر بصدام بين السلطة والنقابة الممثلة للصحافيين المصريين.

 

وسط هذه الأجواء الملبدة، سلوك السلطة الحاكمة واغترار أجهزتها الأمنية يبعثان برسالة إلى المجتمع المصري تكشف حقيقة دعوات الحوار والشفافية، كما لو كانت تقول للمجتمع المصري "متصدقش".