أثارت تصريحات قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي التي نفى إجراء تعديلات على الدستور الحالي، في ظل تكهنات واسعة حول الأمر، بقوله: "للدولة دستور وافقنا عليه ولن يمسه أحد"، شكوكًا حول مدى التزامه بهذا التعهد على الرغم من الإشادة به في معسكر الموالين له.
وتشير ردود فعل أولية حول تصريحات السيسي اليوم في "منتدى مصر" إلى أن الضمانة الحقيقية لعدم مس الدستور لاتتوقف على التصريحات الشفهية، بل تتطلب توفير بيئة تشريعية تتيح حرية التعبير، وتفعيل قانون حقيقي للأحزاب، وفتح المجال العام لبناء بدائل سياسية قادرة على قيادة تداول سلمي وآمن للسلطة مستقبلاً.
وتركزت هذه الشكوك حول عدة محاور تاريخية وتشريعية:
استدعاء سيناريو تعديلات عام 2019
تُعد تعديلات 2019 المحرك الأساسي للشكوك المثارة في جدية التزامهن؛ حيث استرجع المحللون والمنصات المعارضة تصريحات شهيرة للسيسي تعود لعام 2017 خلال مقابلة مع شبكة CNBC الأمريكية، أكد فيها آنذاك التزامه التام بفترتين رئاسيتين فقط ورفضه تعديل الدستور إلا أنه في عام 2019، جرى تعديل الدستور رسميًا عبر البرلمان لتمتد فترة الرئاسة إلى 6 سنوات، وصُيغت مادة استثنائية خصيصًا لتمديد الفترة الرئاسية الثانية للسيسي حتى عام 2024 بدلاً من 2022، مع منحه الحق في الترشح لولاية ثالثة جديدة مدتها 6 سنوات تنتهي في عام 2030.
ودافع الإعلاميون الموالون للأجهزة الأمنية والنخبة المؤدية عن هذا التراجع، معتبرين أنه لم يكن انقلابًا على الدستور بل استجابة للمصلحة الوطنية العليا، بدعوى أن البلاد كانت لا تزال في مرحلة انتقالية حرجة وتواجه حرباً شرسة ضد الإرهاب، مما يتطلب استقرارًا في القيادة السياسية والعسكرية لاستكمال المشروعات القومية الكبرى وتأمين الحدود.
علاوة على التذرع بأن التعديل لم يصدر بمرسوم رئاسي، بل جاء برغبة من نواب الشعب في البرلمان وتمت الموافقة عليه عبر صناديق الاستفتاء، مما يمنحه شرعية شعبية دستورية تتجاوز التعهدات الشفهية السابقة.
لذا، يرى المتشككون أن التعهدات الشفهية قد تتغير مستقبلاً تحت مبرر "الاستجابة للمطالب الشعبية أو البرلمانية". وهو ما لا ينفي تمامًا المخاوف التي عبر عنها قطاع كبير من المهتمين بالشأن العام في مصر من إجراء تعديل دستوري يسمح للسيسي بالبقاء إلى ما بعد 2030.
غياب الانفتاح السياسي
يشير المشككون، ومن بينهم الحركات الداعية للتغيير مثل "ائتلافات الكرامة" إلى أن إعلان عدم مساس الدستور لا يكتسب مصداقية كاملة إلا إذا اقترن بـ "خطوات عملية لفتح المجال العام".
ويرى المشككون أن استمرار التضييق على الأحزاب، وغياب قانون جديد يسهل العمل الحزبي والانتخابي، يبعث برسائل متناقضة؛ إذ كيف يمكن التمهيد لتداول السلطة عام 2030 دون السماح ببناء وتأهيل بدائل سياسية قوية قادرة على المنافسة منذ الآن؟
مبررات "الظروف الاستثنائية والتحديات الإقليمية"
يذهب قطاع من المحللين إلى أن البيئة الإقليمية الملتهبة المحيطة بمصر قد تُستخدم مستقبلاً كمبرر قانوني وسياسي لتأجيل أو تعديل مسألة تداول السلطة. ويتوقع هؤلاء أنه مع اقتراب عام 2030، قد تخرج نداءات من تيارات مؤدية ومؤسسات الدولة تطالب بـ "تعديل دستوري استثنائي" بدعوى أن خطورة الأوضاع الأمنية على الحدود (في غزة، ليبيا، أو السودان) تقتضي الحفاظ على القيادة العسكرية الحالية وضمان استمرارية الحكم منعًا لأي اضطرابات.
غياب "النص المكتوب"
ويرى المتشككون أيضًا، أن التصريحات التلفزيونية في المناسبات القومية (مثل الندوة التثقيفية) تظل خطابًا سياسيًا موشحًا بالوعود، وليست وثيقة قانونية ملزمة.
وأكدوا أن الضمانة الحقيقية تكمن في إصدار وثيقة دستورية أو قانونية معتمدة من مجلس النواب تقطع الشك باليقين، أو فتح المجال أمام منصات الرقابة الشعبية والصحفية المستقلة لمتابعة مدى التزام مؤسسات الدولة بنصوص الدستور الحالي دون التفاف إجرائي.

