تتصاعد التساؤلات في الشارع السياسي إثر إعلان شروط مفاجئة للترشح  لمنصب رئيس الجمهورية، حيث استبق قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الاستحقاقات المجدولة عبر هندسة مقاييس محددة تحصر تداول القيادة العليا في نطاق موظفي الدواوين الحكومية.

 

بينما يمثل إعلان إنهاء الولاية بحلول عام 2030 محاولة لتثبيت مواعيد الرحيل الدستورية، فإن تقييد مقاعد التنافس بمن أمضى 6 سنوات في الوزارات ينزع فكرة التعددية الحقيقية، ويصادر حق التيارات المدنية في طرح بدائل وطنية مستقلة من خارج أروقة السلطة.

 

شروط إقصائية تخنق المجال العام


علاوة على ذلك، أغلقت تلك المعايير الباب عمليا أمام المجتمع المدني، مما جعل عملية الوصول للحكم مجرد ترقية إدارية داخل الهيكل التنفيذي القائم، وتفريغ كامل لمفهوم الانتخابات التنافسية العامة التي يفترض أن تعبر عن إرادة الجماهير الحرة المستقلة.

 

فيما يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد، أن ربط الترشح لكرسي الحكم بقضاء مدة زمنية طويلة في الإدارة البيروقراطية يعزل التيارات السياسية المعارضة، ويكرس حرمان قوى المجتمع المدني الحية من التنافس الشرعي خارج المنظومة الحكومية.

 

كذلك تتجاهل الشروط المستحدثة مبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه، مما يجعل تداول الإدارة حكرا على فئة تكنوقراطية موالية للنظام القائم، وهو ما ينسف أركان أي حراك ديمقراطي حقيقي يسعى لتغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أنهكت قطاعات الشعب.

 

إخضاع أجهزة الدولة لضوابط التوريث


بالإضافة إلى ذلك، يعزز طرح إعفاء فئات معينة من دورات الأكاديمية العسكرية تكريس آليات الولاء المسبق داخل أجهزة الدولة، إذ يتيح فحص وفرز المرشحين المحتملين أمنيا وسياسيا عبر دوائر السلطة نفسها، دون أدنى اعتبار للكفاءة الشعبية والبرامج التنموية.

 

من جانبه، يؤكد أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسن نافعة، أن تدشين محددات مسبقة للرئيس المقبل خارج إطار التشاور الوطني الشامل يهدف إلى إعادة إنتاج السياسات المتبعة بذات المنهجية القديمة، ويجهض آمال التغيير الجذري التي تطالب بها القوى الشعبية المتضررة.

 

بناء على ذلك، تتقلص دائرة الاختيار الشعبي لتنحصر بين مسؤولي الجهاز الإداري الموالين، وهو ما يهدد بتأبيد الأزمات الاقتصادية الخانقة، وتكريس عجز المؤسسات عن مراجعة المسارات الخاطئة نتيجة غياب الرقابة المستقلة والصوت المعارض القادر على مساءلة الحكام.

 

هندسة استباقية تحاصر مستقبل التغيير


من جهة أخرى، تأتي تلك التصريحات الأخيرة في شهر أكتوبر لتكشف الرغبة في إحكام القبضة على مخرجات المشهد السياسي حتى عام 2030، وضمان استمرار التحالف الحاكم عبر بديل تنفيذي يضمن عدم مساءلة رموز الإدارة الحالية عن تبعات قراراتها.

 

على هذا الصعيد، يرى الباحث في معهد كارنيغي للشرق الأوسط الدكتور يزيد صايغ، أن استباق استحقاق مرحلة ما بعد 2030 بفرض اشتراطات بيروقراطية مشددة، يضمن للأجهزة المهيمنة التحكم الكامل في مسارات نقل السلطة وإدارة الموارد الوطنية دون رقابة شعبية.

 

في النهاية، يظل حسم شكل المرحلة القادمة بمعزل عن الإرادة الشعبية تكريسا للأحادية في اتخاذ القرار الوطني، مما يضع مسألة التغيير الديمقراطي المؤجل في مواجهة اختناقات هيكلية تتجاوز في خطورتها النصوص القانونية والوعود الرسمية المعلنة.