تتصدر التحولات المفاجئة المشهد السياسي المصري عقب تعهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بعدم المساس بالدستور ومغادرة السلطة في 2030، بالتزامن مع طلبه تفويضا برلمانيا طارئا لإرسال قوات نحو السعودية، مما يطرح تساؤلات حول اختلاف وجديد تلك الخطابات.

 

وبينما تتسارع هذه التطورات غير المسبوقة، تبرز مفاجأتان ثقيلتان تقلبان موازين الحسابات الداخلية والخارجية، أولاهما تتعلق بإنهاء الجدل حول التمديد الرئاسي، وثانيتهما ترتبط بالزج بالجيش المصري في أتون حرب إقليمية مشتعلة ضد الحوثيين.

 

إنقلاب مفاجئ في خطاب السلطة

 

ومن زاوية المقارنة، تختلف هذه التصريحات جذريا في شكلها ومضمونها عن وعود شهري نوفمبر 2016 ونوفمبر 2017 التي أطلقها عبر قناتين برتغالية وأمريكية قبل الانقلاب على الدستور وتعديله لمد فترات الحكم.

 

وعلاوة على ذلك، جاءت التعهدات الجديدة أمام مكونات الدولة العميقة من جيش وشرطة وأجهزة أمنية وبيروقراطية، حيث ظهر يوم 14 أكتوبر في دورة تثقيفية مسلحا بنصوص دستورية مكتوبة ليؤكد أن الدستور لن يمسه أحد.

 

وفي سياق متصل، تواصلت هذه التأكيدات يوم 15 أكتوبر داخل أكاديمية الشرطة بإعلانه الاستمرار حتى 2030 فقط، ليعقبها يوم 17 أكتوبر في الأكاديمية العسكرية بوصف الأمر بالمحسوم تماما دون مجال للحديث فيه.

 

ونتيجة لذلك، أصابت هذه الكلمات معسكر الأنصار بصدمة مروعة بعد قيادتهم حملات مصنعة لتمديد الحكم حتى 2050، إذ يسيطر عليهم رعب شديد من غيابه الذي قد يفتح الباب أمام عودة الإخوان والانتقام منهم.

 

ومن ناحية أخرى، تجلى هذا الهلع في محاولات الإعلاميين مصطفى بكري ونشأت الديهي إثناء قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي عن قراره، لكنه واجه مناشداتهما برفض قاطع مؤكدا أن القرار اتخذ بالفعل ولا رجوع فيه.

 

وفي هذا الصدد، يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور عصام عبد الشافي أن مخاطبة المؤسسات الصلبة بنصوص مكتوبة يعكس إدراكا عميقا لتآكل الشرعية، ويمثل مناورة إجبارية لامتصاص الاحتقان المتصاعد داخل أجنحة النظام نفسه قبل انفجاره.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، يظل التشكيك حاضرا لدى المعارضين الذين لم يفيقوا من ضربات الفأس السابقة على مدار 13 سنة، غير أن صدق هذا التعهد سيفتح فرصة لحلحلة ملفات المعتقلين السياسيين والمنفيين والمطاردين.

 

شروط عسكرية تقيد الترشح الرئاسي

 

وعلى صعيد متصل، طرح قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي برنامجا لتأهيل كوادر قيادية لمدة 30 شهرا داخل الأكاديمية العسكرية لتولي مناصب الرئاسة والوزارات والمحافظات والبرلمان، وهو ما يفرغ التعهد الدستوري من مضمونه الديمقراطي.

 

وفضلا عن ذلك، تضمنت المقترحات شروطا إقصائية تحصر الترشح فيمن لا يتجاوز سنه 50 عاما ويحمل شهادة الماجستير أو الدكتوراه، وهي معايير لم يلتزم بها هو نفسه حين تقدم للترشح في المرات السابقة.

 

ومن جهة ثانية، تتناقض هذه الاشتراطات مع مسيرته حين انقلب سابقا على رئيس مدني منتخب يحمل شهادة دكتوراه الهندسة من أرقى الجامعات الأمريكية، مما يجعل هذه الضوابط بمثابة تفصيل جديد للمشهد السياسي على مقاس المؤسسة العسكرية.

 

وتأسيسا على ذلك، يؤكد الخبير الدستوري الدكتور نور فرحات أن اشتراط اجتياز دورة مدتها 30 شهرا بالأكاديمية العسكرية يمثل اعتداء صارخا على الدستور، ويصادر حق المواطنين في الاختيار الحر عبر عسكرة المناصب المدنية والسيادية.

 

توريط الجيش بتوجيهات سعودية مباشرة

 

وبالانتقال إلى الملف العسكري، فجر طلب عقد جلسة برلمانية طارئة لتفويض قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في إرسال قوات لمساندة السعودية ضد الحوثيين غضبا واسعا، خاصة مع غياب برلمان حقيقي يحول الجلسة لمساءلته.

 

وما زاد الأمر خطورة، هو اعترافه الصريح ودون خجل بأن هذا التحرك العسكري يأتي بناء على توجيهات الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، متخليا عن استخدام عبارات دبلوماسية تحفظ السيادة مثل الطلب أو المناشدة.

 

وبناء على هذا الاعتراف، صدمت كلمة توجيهات الشارع المصري لأنها تصدر عادة من جهة عليا إلى جهة أقل، خاصة أن القاهرة تحفظت سابقا على تحالف مكة ثم تسبقه اليوم بالاستعداد العملي للقتال.

 

ومع ذلك، تفتقر ذريعة حماية البحر الأحمر للمنطق لأن مصر تشارك بالفعل في تحالف عسكري دشنته السعودية في يونيو الماضي ويضم 14 دولة، بجانب عضويتها في تحالفات بحرية أخرى تؤدي الغرض ذاته دون توريط بري.

 

ومن زاوية تاريخية، تستحضر الذاكرة الوطنية مأساة التورط في حرب اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، والتي استنزفت آلاف الضباط والجنود وكانت سببا مباشرا في هزيمة يونيو 1967 القاسية في مواجهة الكيان الصهيوني.

 

وفي هذا الإطار، يحذر الخبير في الشؤون الاستراتيجية اللواء متقاعد عادل سليمان من أن الرضوخ لتوجيهات الرياض يضرب عقيدة الجيش الوطنية، ويقذف بالقوات المسلحة في مستنقع استنزافي يدمر الأمن القومي المصري خدمة لأجندات إقليمية.

 

وختاما لهذا المشهد، تزامن هذا التحرك مع رسالة تحذير بعثها الحوثيون إلى رئيس البرلمان المصري، نبهت بلغة هادئة وواضحة إلى أن الانخراط العسكري في اليمن سيشكل تهديدا مباشرا لأمن مصر القومي واستقرارها الداخلي.