جدد قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان هجومه العنيف على القوى السياسية ببلاده رافضا أي تفاوض مع قوات الدعم السريع قبل وضع السلاح والخروج من المدن، بينما ترتفع حصيلة ضحايا مجزرة سوق أبيي إلى 153 قتيلا.
وبالتزامن مع هذا التصعيد السياسي والعسكري المستمر منذ شهر أبريل عام 2023، تتسع رقعة الغارات الجوية بالطائرات المسيرة في مختلف الأقاليم السودانية، مما يضاعف أعداد القتلى المدنيين ويدمر البنية التحتية ومصادر الرزق الحيوية بالبلاد.
هجوم البرهان السياسي وشروط وقف الحرب
وفي هذا السياق، شن رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان هجوما لاذعا على القوى السياسية المتحالفة في تنسيقية صمود، موجها إليها اتهامات مباشرة وصريحة بالعمل على تحريض الأطراف الخارجية ضد الدولة السودانية.
وعلاوة على ذلك، شدد قائد الجيش السوداني على استمرار القوات المسلحة في خوض هذه الحرب الضروس دون توقف حتى القضاء التام على التمرد، ما لم تلتزم قوات الدعم السريع بوضع سلاحها وإنهاء وجودها المسلح بالبلاد.
ومن جانبه، نقل موقع دارفور 24 الإخباري يوم الأربعاء تصريحات حاسمة أطلقها البرهان خلال مخاطبة جماهيرية حاشدة أقيمت في منطقة وادي حلفا الواقعة شمال السودان، حيث رسم فيها ملامح المرحلة المقبلة وحدد شروطه للمشهد السياسي.
وخلال تلك المخاطبة الجماهيرية، أكد عبد الفتاح البرهان بشكل قاطع أن رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك لن يعود إلى الحكم مرة أخرى تحت أي ظرف من الظروف، رافضا محاولات إعادة تدوير القيادات السابقة.
وإلى جانب ذلك، أضاف رئيس مجلس السيادة في كلمته أمام الحشود الشعبية أنه لا يوجد أي مكان لخائن أو عميل داخل الأراضي السودانية، في إشارة واضحة إلى القوى السياسية التي يتهمها بالتواطؤ مع الخارج.
وفضلا عن ذلك، اشترط قائد الجيش السوداني على كل طرف سياسي يريد تولي مقاليد الحكم في البلاد أن يأتي عبر صناديق الانتخابات الحرة، باعتبارها المسار الشرعي الوحيد لتمثيل إرادة الشعب السوداني واختيار قياداته الوطنية.
وعلى صعيد متصل، جدد البرهان تأكيده الصارم بأنه لا مجال لإجراء أي تفاوض مع قوات الدعم السريع إلا بعد وضع السلاح بشكل كامل والخروج الفوري والنهائي من كافة المدن والمناطق السكنية في أنحاء البلاد.
وبناء على هذا الموقف الحازم، أوضح قائد الجيش السوداني أنه بخلاف الالتزام الكامل بوضع السلاح وإخلاء المدن، فإن القوات المسلحة ستستمر في خوض الحرب بلا هوادة حتى القضاء النهائي على التمرد واستعادة السيطرة الكاملة.
وفي ظل هذه التصريحات النارية، تتضاءل فرص التسوية السلمية للأزمة السودانية المتفاقمة، حيث يتمسك الجيش بخيار الحسم العسكري الميداني بينما تواجه القوى المدنية اتهامات التخوين والعمالة التي تعمق فجوة الانقسام السياسي الحاد في البلاد.
ارتفاع عدد ضحايا مجزرة أبيي ومعارك الشرق
وميدانيا، ارتفعت حصيلة قتلى الهجوم الدموي الذي نفذته طائرة مسيرة على سوق تجاري في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان لتصل إلى 153 قتيلا، بحسب ما أعلنه مسؤول بالمنطقة يوم الثلاثاء.
وجاء هذا الارتفاع الكبير في أعداد الضحايا بعدما كانت إدارة منطقة أبيي قد أعلنت يوم الاثنين مقتل 53 شخصا وإصابة 27 آخرين بجروح متفاوتة، قبل انتشال المزيد من الجثث تحت أنقاض السوق المدمر.
وفي أعقاب هذه المجزرة المروعة، اتهم مسؤولون في دولة جنوب السودان الجيش السوداني بتنفيذ هذا الهجوم الجوي، والذي يأتي في وقت يكثف فيه الجيش هجماته على مناطق سيطرة قوات الدعم السريع وخطوط إمدادها غربا وجنوبا.
ومن جهتها، دانت إدارة منطقة أبيي الواقعة بين ولاية غرب كردفان الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع ودولة جنوب السودان الهجوم المدمر بطائرة مسيرة للجيش السوداني على سوق أميت المعروف أيضا باسم سوق النعام.
وبالإضافة إلى ذلك، أشارت إدارة أبيي في بيانها الرسمي إلى أن القصف الجوي أدى لتدمير البنية التحتية للسوق بالكامل، ما تسبب في القضاء على مصادر الرزق الحيوية وتفاقم الوضع الإنساني الهش أصلا بالمنطقة.
ونتيجة لهذا التدمير الشامل، أضافت الإدارة أن الهجوم تسبب في موجة نزوح فورية، إذ اضطر الناجون إلى الفرار نحو مدينة أبيي، ما يضع ضغوطا غير مسبوقة على موارد الطوارئ المحلية المحدودة هناك.
وجدير بالذكر أن سوق النعام يعد معبرا للبضائع إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، بينما تظل أبيي متنازعا عليها منذ انفصال جنوب السودان عام 2011 بإشراف قوة الأمم المتحدة المؤقتة يونيسفا.
وردا على هذا الهجوم، أعلنت وزارة خارجية جنوب السودان يوم الثلاثاء استدعاء السفير السوداني في جوبا لإبلاغه باحتجاج الحكومة وقلقها البالغ إزاء القصف وتداعياته الخطيرة على أمن المدنيين واستقرار منطقة أبيي الحدودية.
وفي ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، أعلنت الفرقة 4 مشاة التابعة للجيش في بيان يوم الثلاثاء إحباط محاولة لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان شمال جناح عبد العزيز الحلو لاختراق مواقعها بمنطقة سالي.
وخلال هذه المعارك بالمحور الشرقي للولاية، أكدت الفرقة الاستيلاء على 15 عربة قتالية بكامل عتادها وتدمير 5 عربات أخرى للقوة المهاجمة، بعدما أعلن الجيش يوم الاثنين التصدي لهجوم مماثل على منطقة البركة بالولاية نفسها.
حرب المسيرات وتفاقم الكارثة الإنسانية
وعلى صعيد التكتيكات الحربية، يعتمد الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بصورة متزايدة على سلاح الطائرات المسيرة لتنفيذ هجمات جوية بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة، في ظل التصعيد العسكري المستمر منذ أسابيع بمختلف الجبهات.
ونتيجة لهذا الاعتماد المكثف على السلاح المسير، أسفرت الغارات الجوية العنيفة عن مقتل أكثر من 100 شخص خلال يومي الأحد والاثنين، إثر سلسلة ضربات دامية طالت تجمعات مدنية ومواقف حيوية في عدة ولايات.
وفي تفاصيل تلك الهجمات، قتل 80 شخصا يوم الأحد جراء هجوم بطائرة مسيرة تابعة للجيش السوداني استهدف نقطة مواصلات وموقفا للشاحنات في ولاية غرب كردفان، مما خلف خسائر بشرية ومادية فادحة بالموقع.
وبالتوازي مع ذلك، قتل 17 شخصا يوم الاثنين في هجوم جوي آخر نفذه الجيش السوداني على مدينة نيالا التي تعد معقل قوات الدعم السريع في ولاية جنوب دارفور، وسط ذعر كبير بين الأهالي.
وسبقت هذه الضربة الجوية غارة دموية أخرى شهدتها مدينة نيالا ذاتها يوم الجمعة الماضي، حيث قتل 30 شخصا في ضربة بطائرة مسيرة استهدفت سوقا للماشية داخل المدينة، مما ضاعف معاناة السكان المحاصرين.
وفي العاصمة الخرطوم، قتل 4 أشخاص بينهم 3 أطفال في هجوم بطائرة مسيرة على حي امتداد ناصر المتاخم لمطار الخرطوم يوم الاثنين بحسب مصدر طبي، قبل تكرار استهداف المطار مساء وتصدي دفاعات الجيش له.
ومن ناحية أخرى، كانت الطائرات المسيرة التابعة لقوات الدعم السريع قد استهدفت يوم الأحد سدي أعالي عطبرة وستيت في ولاية القضارف شرقي البلاد، في محاولة لتوسيع نطاق الهجمات نحو المنشآت الحيوية بالشرق.
ووفقا لتقديرات منظمة الأمم المتحدة، فقد أسفرت الهجمات المنفذة بالطائرات المسيرة عن مقتل 1100 شخص على الأقل في مختلف أنحاء السودان خلال النصف الأول من العام الجاري، جراء القصف المتبادل بين طرفي النزاع.
ومع تواصل الحرب الضارية بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ شهر أبريل عام 2023، أسفرت المعارك عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص وانتشار المجاعة وتدمير مساحات واسعة من البلاد.

