تتناقض الرواية الرسمية المعلنة من النظام المنقلب بشأن عدم التدخل الخارجي مع التحركات الميدانية الحقيقية في دول الجوار، حيث تشير المعطيات السياسية إلى مسارات مغايرة تماماً لما يروج له الخطاب الإعلامي الموجه للداخل والخارج.
وفي هذا السياق، يبرز خطاب قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي حول احترام سيادة الدول كغطاء دبلوماسي لإخفاء حقيقة الأدوار الأمنية والاستخباراتية الفاعلة التي تؤثر بصورة مباشرة في مصائر صراعات الإقليم الملتهب.
التدخل العسكري المباشر في الساحة الليبية
وبالنظر إلى الساحة الليبية، شكلت العمليات الجوية التي نفذها الطيران الحربي على مدينة درنة في مايو ٢٠١٧ شاهداً عملياً على كسر مبدأ عدم التدخل وتجاوز السيادة المعترف بها دولياً للمصالح الاستراتيجية الخاصة.
وعلاوة على ذلك، قدمت القاهرة دعماً لوجستياً وعسكرياً غير محدود لميليشيات خليفة حفتر المسلحة، ما أجهض مساعي التوافق الديمقراطي وقوض سلطة الحكومة المدنية في طرابلس المعترف بها أممياً.
واستناداً إلى المجريات، تحولت المنطقة الشرقية الليبية إلى قاعدة انطلاق متقدمة للنفوذ الاستخباراتي التابع للأجهزة الأمنية المصرية، في مسعى واضح لتأمين مصالح جيوسياسية تحت لافتة محاربة الإرهاب.
وفي الإطار ذاته، رسم إعلان الخط الأحمر سرت الجفرة في يونيو ٢٠٢٠ حدوداً مفروضة بالقوة الجبرية، ما مثل انتهاكاً صريحاً لحق الشعب الليبي في بسط سيادته الوطنية على كامل أراضيه.
ومن جانبه، يوضح الباحث المتخصص في الشؤون الليبية بمعهد رويال يونايتد، د. جلال حرشاوي، أن الدعم التسليحي لكتائب الرجمة كرس الانقسام المؤسسي الليبي ومنع تشكيل جيش نظامي موحد يمثل جميع الأطراف.
وبحسب هذا الطرح، يرى حرشاوي أن بناء التحالفات مع التشكيلات العسكرية الموازية يعكس استراتيجية تعتمد على تمكين أمراء الحرب على حساب بناء مؤسسات الدولة الدستورية المدنية المستقرة.
واتصالاً بتلك السياسات، أظهرت شحنات الأسلحة المتدفقة عبر المنافذ الحدودية البرية والبحرية حجم التورط الميداني الذي وثقته تقارير دورية تابعة للجان العقوبات وفرق الخبراء بمجلس الأمن الدولي.
وعلى هذا النحو، سعت التحركات الدبلوماسية إلى فرض مسارات تفاوضية مشروطة تضمن بقاء الفصائل الموالية في صدارة المشهد السياسي والاقتصادي، متجاهلة المطالب الشعبية الليبية بإنهاء الوصاية الخارجية.
وتأسيساً على تلك الوقائع، تسقط ادعاءات عدم التعامل مع الكيانات المسلحة أمام الدعم المالي والعملياتي المستمر لقوات الشرق، مما جعل مصر طرفاً أصيلاً في إطالة أمد النزاع الليبي.
الانخراط المسلح في مسارات الحرب السودانية
وانتقالاً إلى الملف السوداني، واجهت القاهرة اتهامات صريحة من أطراف فاعلة بتنفيذ ضربات جوية بطائرات مسيرة دعماً للجيش السوداني، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والعسكرية.
وبناءً على المعطيات، شكل احتجاز قوات الدعم السريع لجنود وضباط مصريين في قاعدة مروي الجوية خلال أبريل ٢٠٢٣ دليلاً قاطعاً على التواجد العسكري المباشر داخل أراضي دولة شقيقة.
وفي ضوء هذا المشهد، اتخذت السياسة الخارجية مساراً أحادي الجانب عبر الانحياز المطلق لجنرالات المؤسسة العسكرية في الخرطوم، مما عطل جهود الوساطة الإقليمية والدولية لوقف الاقتتال الداخلي.
ومن هذه الزاوية، يوضح الباحث في الشؤون السودانية وزميل معهد ريفت فالي، د. مجدي الجزولي، أن الموقف المصري ينطلق من رغبة في استنساخ النموذج الأمني وهيمنة الجيش على السلطة السياسية.
ويضيف الجزولي، في تحليله لبنية الصراع، أن تزويد أطراف النزاع بالعتاد والمشورة الفنية يحول دون قيام حكم مدني ديمقراطي حقيقي يهدد المصالح التقليدية لنخب الحكم المركزية المتحالفة.
وبموازاة ذلك، أثارت العمليات العسكرية المشتركة غضب الشارع السوداني الثائر، الذي اعتبر هذه التدخلات محاولة حثيثة لمصادرة ثورة ديسمبر الشعبية وتثبيت أركان المنظومة السابقة بالقوة المسلحة.
وعلى صعيد متصل، امتنعت الدبلوماسية عن فتح قنوات حقيقية مع القوى المدنية الثورية، واقتصرت اللقاءات على الترتيبات ذات الطابع العسكري البحت التي تخدم أهداف الاستقرار الشكلي.
ومن ثم، تجسد هذه التحركات خرقاً صريحاً للشعارات المعلنة حول الوقوف على مسافة واحدة من جميع المكونات، لتتحول القاهرة إلى فاعل غير محايد يغذي حالة الاستقطاب.
وبالتالي، تتهاوى مقولة عدم التدخل في شؤون الجيران، إذ يعكس الملف السوداني إدارة براغماتية لأزمات الحدود تعتمد على عسكرة الحلول السياسية وتجاهل التطلعات الديمقراطية للشعوب المجاورة.
تأجيج الصراعات الإقليمية حول حوض النيل
وعلى الصعيد الإفريقي، اتبعت القاهرة سياسة المناورات الاستقطابية في منطقة القرن الإفريقي، عبر نسج تحالفات عسكرية مضادة لأديس أبابا بعد تعثر المفاوضات المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي.
وتأكيداً لهذا التوجه، أرسلت مصر معدات عسكرية وقوات أمنية إلى الصومال في أغسطس ٢٠٢٤، في خطوة فسرها المراقبون بأنها تهدف لفتح جبهة ضغط مباشر على الحدود الإثيوبية.
وبالمثل، نشطت أجهزة الاستخبارات في دعم جبهات وتيارات معارضة في إريتريا ومحيطها الإقليمي، لخلق بؤر توتر تستنزف القدرات الدبلوماسية واللوجستية للدول المناوئة لرؤية القاهرة المائية.
وفي هذا السياق، يبين أستاذ العلوم السياسية والدراسات الإفريقية، د. حسن مكي، أن تصدير السلاح للقرن الإفريقي يؤجج النزاعات البينية ولا يخدم حل أزمة مياه النيل المعقدة.
ويرى مكي، استناداً لمعادلات الأمن القومي الإقليمي، أن سياسات الضغط العسكري تأتي بنتائج عكسية، حيث تدفع دول المنبع لتشكيل تكتلات مائية مناوئة تقوض الحقوق التاريخية لمصر.
إلى جانب ذلك، أظهرت تلك التحركات عجزاً في بناء جسور التعاون التنموي الحقيقي، والاستعاضة عنها بإجراءات تصعيدية تكرس التوتر وتزعزع الأمن الإقليمي الجماعي في دول حوض النيل.
وبصورة متصلة، تسببت هذه السياسات في عزل القاهرة دبلوماسياً داخل أروقة الاتحاد الإفريقي، نتيجة النظر إلى تحركاتها بوصفها محاولات خارجية للتدخل وإشعال بؤر صراع بالوكالة.
وعلى هذا الأساس، تبرهن الوقائع على أن السعي لفرض النفوذ عبر القنوات الأمنية يحل محل مبادئ التنمية والشراكة المتوازنة التي يجري الترويج لها في المحافل الدولية.
وختاماً لهذا المسار، تثبت الشواهد الميدانية الممتدة من طرابلس إلى الخرطوم ومقديشو أن التدخل العسكري والدبلوماسي شكل السمة الحاكمة للتحركات الخارجية منذ عام ٢٠١٤ حتى اليوم.

