تواجهُ الشركة العامة لاستصلاح الأراضي والتنمية والتعمير مأزقًا ماليًا عاصفًا يهدد استمراريتها، بعد قفزة خسائرها المرحلة المجمعة إلى نحو 568.5 مليون جنيه، وسط تخبط إداري واضح وانحراف حاد عن المستهدفات المالية المعتمدة.
​
​
وتعصفُ التقلبات الحادة بمسار الشركة المالي خلال الأعوام الأخيرة، حيث اتسعت فجوة الخسائر المتراكمة بشكل يبتلع أصول الدولة، مقابل ظهور بوادر تحول رقمي مؤقت في الأداء لا يرقى لمعالجة الكارثة الهيكلية العميقة.
​
​
نزيف الخسائر المتراكمة وتآكل الإيرادات
​
​
وسجلتْ بيانات أعمال الشركة خلال العام المالي 2024/2025 اختلالًا هيكليًا خطيرًا في التوازن المالي، إذ تكبدت صافي خسارة بلغت نحو 24.9 مليون جنيه، متجاهلة الخطة المعتمدة التي استهدفت تحقيق ربح قدره 950 ألف جنيه.
​
​
وانعكسَ هذا التدهور المباشر على الإيرادات الإجمالية للنشاط التي هوت إلى 95.5 مليون جنيه فقط، مسجلة انخفاضًا كارثيًا مقارنة بالمستهدف المالي الذي حُدد مسبقًا عند حاجز 160 مليون جنيه خلال العام نفسه.
​
​
وفي المقابل، قفزت تكاليف النشاط التشغيلي للشركة لتصل إلى 98.6 مليون جنيه، مما يعني تجاوز التكاليف المباشرة لإجمالي الإيرادات المحققة، الأمر الذي فاقم الخسائر المرحلة المجمعة لتستقر عند مستوى 568.5 مليون جنيه.
​
​
علاوة على ذلك، أكدت مؤشرات نتائج الأعمال عن السنة المالية المنتهية في 31 ديسمبر 2025 تكبد الشركة صافي خسائر بلغت 19.162 مليون جنيه، مقابل خسائر بلغت 3.714 مليون جنيه خلال الفترة المقارنة السابقة.
​
​
ومن جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب، وكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق للبحوث الاقتصادية، أن تضخم الخسائر المرحلة يعكس غياب الرؤية الاقتصادية السليمة وإهدار المقومات الإنتاجية للشركات الحكومية الكبرى.
​
​
ويوضحُ عبد المطلب أن تجاوز تكاليف التشغيل للإيرادات المحققة يثبت وجود خلل إداري هيكلي يلتهم رأس المال العام، نتيجة السياسات الاقتصادية التي تهمش شركات القطاع العام التاريخية لصالح كيانات أخرى غير خاضعة للرقابة.
​
​
كما يشددُ الخبير الاقتصادي على أن تراجع الإيرادات من 160 مليون جنيه مستهدفة إلى 95.5 مليون جنيه فقط، يبرهن على فشل الخطط الموضوعة وانفصال الإدارة التنفيذية عن واقع السوق الحقيقي ومتطلبات التنمية الزراعية.
​
​
أزمة الإسنادات الحكومية وهشاشة الأرباح
​
​
وتعودُ جذور هذا الانخفاض المالي الحاد إلى عوامل ميدانية معقدة، يتصدرها الحصار المفروض على الشركة في الحصول على إسنادات ومشروعات جديدة، إلى جانب التأجيل المتكرر لجداول تنفيذ الأعمال القائمة بالفعل في عدة مواقع.
​
​
ورغمَ تأسيس الشركة عام 1959 لتنفيذ أعمال استصلاح الأراضي الصحراوية والمقاولات العمومية ومشروعات الصرف الصحي والإسكان والطرق والسكك الحديدية، فإن سياسات الإسناد المباشر الحالية جففت منابع عملها وحرمتها من حصتها السوقية التاريخية.
​
​
إلا أن نتائج الأعمال للعام المالي 2025/2026 أظهرت تغيرًا مؤقتًا في اتجاه المؤشرات، حيث تحولت الشركة من خسائر العام السابق البالغة 24.8 مليون جنيه لتسجل صافي ربح ظاهري بلغ 32.4 مليون جنيه.
​
​
وارتبطَ هذا التحول المالي بنمو إيرادات النشاط الإجمالية لتصل إلى 170.2 مليون جنيه خلال عام 2025/2026، مقارنة بمبلغ 95.4 مليون جنيه في عام 2024/2025، بنسبة نمو بلغت 77.76% نتيجة استئناف بعض المشروعات.
​
​
غير أن هذه النتائج المالية تظل خطوة هشة ومشروطة بمدى استدامتها الفعلية، خاصة أمام عجزها الواضح عن استيعاب الخسائر المرحلة الضخمة التي تثقل كاهل الميزانية العمومية للشركة وتقارب 568.5 مليون جنيه.
​
​
وفي هذا السياق، يرى الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أن حرمان الشركات العريقة من المشروعات الجديدة يمثل تصفية ممنهجة لأصول الدولة لصالح جهات تحتكر عقود المقاولات.
​
​
ويشيرُ الشامي إلى أن تحقيق ربح مؤقت بقيمة 32.4 مليون جنيه لا يغير من حقيقة الغرق في ديون وخسائر تتجاوز 568.5 مليون جنيه، لأن النمو المسجل بنسبة 77.76% يفتقر لأسس الاستدامة الإنتاجية.
​
​
ويضيفُ الخبير الاقتصادي أن سياسات الإفقار المتعمد لشركات استصلاح الأراضي العامة تهدف لتبرير بيعها لاحقًا للمستثمرين بأبخس الأثمان، بعد تجريدها من قدرتها التنافسية في مجالات الإنشاءات المدنية والوكالات التجارية والاستيراد والتصدير.
​
​
كوارث المشروعات الزراعية ومطالب المحاسبة
​
​
ولا تنفصلُ أزمة الشركة العامة لاستصلاح الأراضي عن الانهيار الشامل الذي يضرب القطاع الزراعي والتصنيعي، حيث تكبد مشروعا شتلات القصب بأسوان ومصنع الرمان بأسيوط خسائر فادحة بلغت قيمتها 393 مليون جنيه.

 

وبالتزامنِ مع هذه الإخفاقات المتتالية، تواجه مصانع السكر المحلية خسائر مالية فادحة تهدد بتوقفها عن العمل، رغم تسجيل زيادة في معدلات الإنتاج، وذلك عقب القرارات الحكومية المتخبطة بوقف الاستيراد وإرباك منظومة التسعير.
​
​
ونتيجةً لهذا التدهور المالي، تقدم النائب البرلماني حسام حسن الخشت بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة، بشأن تقارير الأداء المالي للشركة التي فضحت الانحراف الحاد في نتائج عام 2024/2025.
​
​
وطالبَ التحرك البرلماني بضرورة مثول الحكومة لتقديم توضيحات تكشف الأسباب الجوهرية وراء هذا الانهيار المالي، مع فتح تحقيقات موسعة لتحديد المسؤوليات وإقرار مبدأ المحاسبة الفورية بشأن القصور الإداري والتنفيذي وإهدار المال العام.
​
​
كما تضمنَ طلب الإحاطة دعوة صريحة لفرض استراتيجية هيكلية شاملة للإصلاح المالي والإداري وفق جدول زمني صارم، للتعامل مع الأعباء المتراكمة والحفاظ على حقوق العمالة المستقرة واستغلال أصول الشركة التنموية.
​
​
ويبقى هذا الملف الشائك تحت الرقابة المستمرة لرصد مدى التزام الإدارة التنفيذية بخطط الإنقاذ، وسط شكوك عميقة حول إمكانية تحويل النتائج المؤقتة إلى مسار استثماري مستقر في ظل السياسات الاقتصادية الراهنة.
​
​
ومن جانبه، يؤكد الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي والأستاذ بالجامعة الأمريكية، أن نزيف الخسائر البالغ 393 مليون جنيه في مشروعي أسوان وأسيوط، يضاف إلى 568.5 مليون جنيه خسائر الشركة ليكشف فشل الإدارة.
​
​
ويشددُ فؤاد على أن الاكتفاء بطلبات الإحاطة البرلمانية لن يوقف نزيف المال العام ما لم تتغير العقيدة الاقتصادية للحكومة، التي تترك الشركات الوطنية تتآكل من الداخل بينما تغيب المحاسبة الحقيقية للمسؤولين عن التدهور.
​
​
كما يختتمُ الخبير الاقتصادي بالتأكيد على أن إنقاذ الشركة التي تأسست عام 1959 يتطلب هيكلة شاملة وإدارة محترفة مستقلة، لتحرير أصولها الضخمة وضمان عدم ضياع حقوق العاملين تحت وطأة الخسائر المرحلة.