صادرت حكومة مصطفى مدبولي ما يزيد على 6600 متر مربع عبر حزمة قرارات رسمية استهدفت أراضي وعقارات في 6 محافظات، مكرسة سياسة الاستيلاء الجبري بدعوى المنفعة العامة لتطويق الملكيات الخاصة وتجريد المواطنين من أصولهم العقارية التاريخية.
​
​
وفي هذا السياق، أطلقت السلطة التنفيذية 16 قرارا مباغتا صادرا في الجريدة الرسمية بالعدد رقم 43 بتاريخ 22 أكتوبر 2026، لتنفيذ مخططات التجريد العقاري القسري وإعادة ترسيم استغلال الأراضي دون اعتداد بحقوق الملاك الأصليين.
​
​
تعديلات المساحات تفاقم نزيف الملكيات
​
​
إذ تضمنت التوجيهات الجديدة القرار رقم 2621 لسنة 2026 القاضي بتبديل مساحة عقار مدرسة أحمد عبد العاطي حسين القديمة بقرية المصيلحة في شبين الكوم بمحافظة المنوفية من 1161.65 متر مربع قبل الارتداد إلى 1153.46 متر مربع بعده.
​
​
وبناء على ذلك التعديل الصادر، ألغى القرار النص القديم المنشور بالقرار رقم 498 لسنة 2025، مكرسا تقليص المساحة المحمية قانونا وتثبيت الاستيلاء الإداري المباشر بحجة المصلحة العامة وسط تهميش صريح لحقوق أصحاب الأرض الأصليين.
​
​
وعلاوة على هذا التوجه، أصدرت الحكومة القرار رقم 2622 لسنة 2026 المعدل للقرار رقم 1169 لسنة 2025 بشأن مدرسة دناصور الابتدائية بمركز الشهداء في المنوفية، ليعيد تقنين السيطرة على مساحة 942.31 متر مربع بعد الارتداد التنظيمي.
​
​
ومن ثم جرى الالتفاف على المساحة السابقة البالغة 989.54 متر مربع قبل الارتداد ونحو 924.64 متر مربع بعد الارتداد، ليفرض الجهاز الإداري رقما جديدا يتيح الاستحواذ التام على العقار وحرمان العائلات من حق الاعتراض القانوني.
​
​
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور يحيى شوكت، الباحث في السياسات العمرانية والحق في السكن، أن التلاعب بالأرقام المنشورة في الجريدة الرسمية يمثل نمطا لتكريس سلب الملكية وحرمان أصحاب الشأن من الحصول على أي تعويض عادل.
​
​
فضلا عن ذلك، يوضح شوكت أن قرارات المنفعة العامة تحولت إلى آلية استنزاف للمجتمعات المحلية، حيث يجري تعديل الحدود الهندسية لاقتطاع المساحات دون إشراك المجالس المحلية أو فتح نقاش مجتمعي شفاف حول جدوى تلك الإجراءات.
​
​
وبالتوازي مع تلك التقديرات، يرى خبير التخطيط العمراني أن السلطة التنفيذية تتعمد تغيير القرارات السابقة لقطع الطريق أمام لجان الطعون وتثبيت واقع التجريد المالي للملاك، مما يفقد العقود قيمتها القانونية والاستثمارية داخل القرى المستهدفة.
​
​
ومن هذا المنطلق، تشكل إعادة صياغة بيانات مدرسة دناصور دليلا عمليا على تخبط الإدارة المحلية وافتقارها للمسوغات المساحية الدقيقة، بينما تستمر في فرض قرارات الإخلاء الفوري ومصادرة المنشآت تحت مظلة الطوارئ التنموية المزعومة.
​
​
وعلى هذا الأساس، تترسخ ممارسات الضغط البيروقراطي على سكان المنوفية، حيث باتت العقارات التعليمية مدخلا رئيسيا لانتزاع الحيازات الريفية، وفرض مخططات مركزية تخدم التوجهات الجبائية للدولة وتتجاهل استقرار الأهالي وحقوقهم الدستورية المستقرة منذ عقود.
​
​
استيلاء مباشر يعصف بمدارس المحافظات
​
​
وفي تطور متصل، فرض القرار رقم 2623 لسنة 2026 نزع ملكية مدرسة تل الابتدائية بناحية تل محمد بمركز الإبراهيمية في محافظة الشرقية، مقرا الاستيلاء الإداري المباشر والشامل على كامل الأرض والمباني المقامة دون إبطاء.
​
​
وبالمثل تماما، أصدر رئيس الوزراء القرار رقم 2624 لسنة 2026 لنزع ملكية مدرسة كفر الشهيد الابتدائية بمركز ميت غمر في الدقهلية، مانحا الأجهزة التنفيذية تفويضا شاملا بالاستيلاء المباشر على كامل المساحة والمنشآت الملحقة بها.
​
​
ومن زاوية تشريعية، يشدد المستشار عصام الإسلامبولي، المحامي الدستوري والخبير في القانون الإداري، على أن آلية التنفيذ المباشر تلغي رقابة القضاء الطبيعي وتجرد المواطنين من أدوات الدفاع المشروعة لحماية ممتلكاتهم العقارية ضد التغول الحكومي.
​
​
وإضافة إلى ذلك، ينبه الإسلامبولي إلى أن التوسع في توصيف المنشآت القديمة كمنفعة عامة بأثر رجعي يخالف المبادئ الدستورية لحرمة الملكية الخاصة، ويحول الإدارة إلى خصم مباشر يتحكم في آليات التقدير وتحديد التعويضات الزهيدة.
​
​
واستنادا إلى هذا الواقع، تمتد سياسات التجريد القسري لتشمل مسارات أخرى، حيث تلاحق قرارات نزع الملكية قرى الدقهلية والقليوبية بذريعة شق محور شرق الرياح التوفيقي الذي ابتلع مساحات شاسعة من الرقعة الزراعية الخصبة.
​
​
وعلى نحو متزامن، يشتعل الغضب الشعبي بين سكان منطقة المرج بعد فرض محور المرج الجديد، وسط شكاوى مريرة من تهجير العائلات وفرض تعويضات شكلية لا تكفي لشراء بدائل سكنية مماثلة داخل القاهرة الكبرى.

 

وتأكيدا لهذا الاحتقان، خرجت نائبة برلمانية ببيانات توضح خريطة التعويضات الهزيلة التي رفضها الأهالي، بعدما باتت خطط النزع القسري تهدد النسيج المجتمعي وتفرض التهجير غير الطوعي تحت وطأة الإجراءات التنفيذية الصارمة والمتسارعة.
​
​
ونتيجة لتلك السياسات، تتزايد مخاوف أصحاب الأراضي في محافظتي الشرقية والدقهلية من تعميم تجربة المحاور المرورية على المباني التعليمية، حيث تنتهي لجان الحصر الحكومية بتقديرات مجحفة تبتعد كليا عن أسعار السوق الحقيقية للمتر السكني.
​
​
وفي ضوء هذه المعطيات، يتبين أن قرارات الاستيلاء المباشر لم تعد إجراءات استثنائية بل تحولت إلى نهج إداري دائم تتبناه سلطة الأمر الواقع، متجاهلة الآثار الاجتماعية المعقدة لتشريد الملكيات القديمة ونزع الحيازات التاريخية للمواطنين.
​
​
تخصيص مجحف يكرس هيمنة الدولة
​
​
وفي مسار التخصيص الموازي، قضى القرار رقم 2820 لسنة 2026 بنقل قطعة أرض بمساحة 1668 مترا مربعا بحوض العصارة الغربية بمركز دار السلام في سوهاج، من أملاك الدولة لصالح مديرية التربية والتعليم.
​
​
وعلى نفس النهج، ألزم القرار رقم 2821 لسنة 2026 الأجهزة المعنية بتخصيص 1670 مترا مربعا بقرية دلجا في مركز دير مواس بالمنيا، لتوظيفها لصالح هيئة الأبنية التعليمية التابعة للجهاز التنفيذي المركزي دون استشارة الأهالي.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، اعتمدت الحكومة القرار رقم 2822 لسنة 2026 لتخصيص مساحة 1236 مترا مربعا بزمام قرية أم الرخم التابعة لمرسى مطروح، ونقل تبعيتها إداريا إلى مديرية الشئون الصحية بمحافظة مطروح الساحلية.
​
​
وحول هذه التخصيصات، يؤكد الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي ومدير مركز النيل للدراسات، أن إعادة تدوير أراضي الدولة يمثل وسيلة لإخفاء الفشل المالي وسد العجز الحكومي عبر تحويل الأصول إلى كيانات تابعة للسلطة.
​
​
وعلى صعيد متصل، يوضح فاروق أن تخصيص آلاف الأمتار المربعة لوزارات معينة لا يحل أزمة تكدس الفصول أو انهيار المنظومة الصحية، بل يعكس غياب الموازنات الحقيقية الموجهة للتعليم والصحة في ميزانية قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي.
​
​
ومن ثم تصبح القرارات البيروقراطية مجرد حبر على ورق لا يقدم حلولا جذرية للأزمات الهيكلية في الصعيد ومطروح، بل تسعى الحكومة عبرها إلى الترويج لمشروعات شكلية تستنزف الموارد المحلية دون توفير مخصصات تشغيل فعلية.
​
​
وبالنظر إلى الأرقام المعلنة، تظهر فجوة هائلة بين الأراضي المصادرة والموازنات المعتمدة للتنفيذ، مما يترك مشاريع المدارس والوحدات الصحية معطلة لسنوات، بينما تستمر الدولة في منع المواطنين من استغلال أراضيهم الخاصة في التنمية الريفية.
​
​
وختاما لهذا المشهد، تؤكد خريطة التجريد الممتدة عبر 6 محافظات أن قرارات مجلس الوزراء تعتمد خيار المصادرة المباشرة وفرض الأمر الواقع، مما يعمق أزمة العدالة المكانية ويفكك حقوق الملكية الخاصة لصالح منظومة حكم مركزية متسلطة.
​
​
وبناء عليه، يبقى مصير أكثر من 6600 متر مربع مصادرة معلقا بين وعود حكومية وهمية واحتجاجات شعبية متصاعدة، في ظل غياب أي رقابة تشريعية توقف تمدد قرارات الاستيلاء والتخصيص الجائر في مختلف أقاليم البلاد.