تتوسع مؤسسة «طابة» الإماراتية، التي أسسها الداعية علي الجفري، في أنشطتها داخل مصر، بعدما انتقلت من تنظيم الفعاليات الفكرية والدينية وبناء العلاقات مع العلماء والمؤسسات الأكاديمية إلى إقامة شراكات رسمية مع وزارة الأوقاف. وتسلط هذه التحولات الضوء على تساؤلات بشأن مستقبل الخطاب الديني في مصر، وحدود التعاون بين المؤسسات الدينية، ودور الأزهر في ظل تنامي نفوذ جهات أخرى تشارك في تدريب الأئمة وتجديد الخطاب الديني.

 

وبحسب تقرير نشره موقع «نون بوست»، وقّعت وزارة الأوقاف المصرية بروتوكول تعاون مع مؤسسة «طابة»، التي تتخذ من أبوظبي مقرًا لها، في أكتوبر 2026، لتوثيق علاقة تطورت على مدار سنوات من النشاط الديني والفكري داخل مصر، وشملت علاقات مؤسسها الحبيب علي الجفري بشخصيات دينية ومؤسسات رسمية وأكاديمية مصرية. ويتتبع التقرير مراحل توسع المؤسسة، من استقطاب العلماء والباحثين والمشاركة في البرامج التدريبية والفعاليات الفكرية، وصولًا إلى الشراكة الرسمية مع وزارة الأوقاف، وما تثيره من تساؤلات حول موقع الأزهر وصلاحياته.

 

 

من الترحيل إلى الحضور الرسمي.. كيف رسّخ الحبيب الجفري نفوذه في مصر؟

 

تعود علاقة الحبيب علي الجفري بالمؤسسة الدينية المصرية إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما التقى به مصريون خلال موسم الحج ودعوه إلى زيارة البلاد. وتوسعت زياراته تدريجيًا مع بداية الألفية، قبل أن ترحّله السلطات المصرية في أواخر عام 2001، وتمنعه من دخول البلاد في مناسبات عدة لاحقة. ولا تزال ملابسات تلك الواقعة محل روايات وتكهنات لم تتضح دقتها بصورة قاطعة.

 

وبحسب روايته، بدأت علاقاته بالمؤسسة الدينية المصرية من خلال زيارات متكررة ودراسة على أيدي عدد من العلماء، من بينهم الشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ إسماعيل بن صادق العدوي، كما حصل على إجازة علمية من الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم.

 

وفي مقابلة نشرتها مجلة «المصور» المصرية في يوليو 2002، بعد ترحيله، تحدث الجفري عن علاقاته بالعلماء المصريين، مؤكدًا التقارب بين المنهج الذي تعلمه في اليمن ومنهج الأزهر. وأشار أيضًا إلى لقائه أحمد الطيب، الذي كان يشغل منصب مفتي الجمهورية آنذاك، ومحمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر في ذلك الوقت، قبل ترحيله.

 

وبعد غياب استمر نحو سبع سنوات، عاد الجفري إلى مصر مطلع عام 2009، والتقى طنطاوي والطيب وعلي جمعة. وذكر أنه قدم خلال الزيارة إلى الطيب أبحاثًا أعدتها مؤسسة «طابة»، التي تولى رئاستها منذ عام 2005.

 

واتسع الحضور العام للجفري بعد ثورة يناير 2011؛ فبعدما اقتصر نشاطه قبل الثورة على الدروس الدينية والأنشطة الصوفية، أصبح ضيفًا بارزًا في البرامج التلفزيونية والنقاشات المتعلقة بالقضايا الفكرية والسياسية والهوية. كما واصل الظهور إلى جانب شيخ الأزهر في المؤتمرات التي دعا إليها الأخير.

 

وفي يناير 2011، نظمت «طابة» ندوات حول العلاقات الإسلامية القبطية بالتعاون مع جامعة زايد والهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في أبوظبي. وشارك الجفري خلال العام نفسه في مؤتمر دولي عن التصوف ترأسه شيخ الأزهر.

 

وفي ديسمبر 2012، نظمت المؤسسة محاضرة في مصر حول الحد من التحيز في إصدار الفتاوى، بحضور مفتي الجمهورية آنذاك علي جمعة. كما عقدت في مايو 2013 ندوة حول عقلانية التراث الإسلامي في سياق الفكر المعاصر، بمشاركة جمعة وعدد من الأكاديميين المصريين.

 

وتشير هذه الأنشطة إلى أن الحضور المبكر للمؤسسة في مصر اعتمد أساسًا على التواصل مع النخب الدينية الرسمية ومناقشة القضايا الفقهية والفكرية بحضور شخصيات بارزة من المؤسسات الدينية.

 

واتخذ الجفري موقفًا معارضًا لانتفاضات الربيع العربي، وأعلن بوضوح تأييده للجيش المصري وقيادته في الأحداث التي أعقبت عام 2013، مع تأكيد دعمه للأزهر. كما أظهر احترامًا واضحًا لعلي جمعة وأحمد الطيب، سواء في حضورهما أو عند الحديث عنهما.

 

 

توسع «طابة» بين 2016 و2023.. من الأنشطة الفكرية إلى بناء شبكة مؤسسية

 

شهد عام 2016 بداية مرحلة جديدة في توسع «طابة»، إذ سعت المؤسسة إلى تجاوز نطاق مقرها في أبوظبي وتعزيز حضورها في النقاشات الدينية والفكرية بالعالم الإسلامي، بالتوازي مع بناء علاقات مع الجهات الرسمية. وشاركت في العام نفسه في مؤتمر أهل السنة والجماعة بالعاصمة الشيشانية جروزني، بحضور شيخ الأزهر أحمد الطيب وعلماء من دول عدة.

 

وفي ديسمبر 2016، استضافت المؤسسة السفير المصري لدى الإمارات وائل جاد، الذي اطلع على جهودها في تطوير الخطاب الإسلامي المعاصر. كما استقبلت وفودًا دبلوماسية من الاتحاد الأوروبي وفنلندا وكندا للتعرف على أنشطتها في هذا المجال.

 

وجاءت خطوة مهمة عام 2018، عندما افتتحت المؤسسة مقرًا جديدًا في منطقة المقطم بالقاهرة، وأطلقت صالونها الثقافي بندوة حول تجديد الخطاب الديني، حضرها أسامة الأزهري. ومنحها المقر الدائم مساحة لتنظيم أنشطتها بصورة منتظمة، بعدما اعتمد حضورها سابقًا على الزيارات والفعاليات المتفرقة.

 

وعززت «طابة» تعاونها مع المؤسسات المصرية من خلال الأبحاث والأنشطة الفكرية. ففي عام 2018، تعاونت مع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لمناقشة نتائج استطلاع حول مواقف جيل الألفية من الدين والعلماء الدينيين في 18 دولة، بمشاركة ضياء رشوان وأسامة الأزهري.

 

وخلال الفترة نفسها، ترأس الجفري ورشة عمل بالتعاون مع دار الإفتاء المصرية، وشارك في فعاليات إعلامية، إلى جانب محاضراته وزياراته للجامعات المصرية، ومنها جامعتي حلوان وبورسعيد.

 

وفي عامي 2019 و2020، وسعت المؤسسة نقاشاتها حول القضايا الفكرية والاجتماعية المرتبطة بعلاقة الشباب بالدين والتحولات التي يشهدها المجتمع المصري. وواصلت تنظيم الصالون الثقافي والمنتديات الشبابية في القاهرة، بالتعاون مع باحثين وأكاديميين ومسؤولين من مؤسسات مصرية، بينها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ودار الإفتاء ومرصد الأزهر.

 

وتناولت فعالياتها أزمات الهوية والإلحاد والعنف المجتمعي وأسباب التطرف وأوضاع المرأة المصرية. كما خصصت اهتمامًا ملحوظًا لنقد أفكار سيد قطب المتعلقة بالتفوق الديني والجاهلية والحكم بغير ما أنزل الله، فضلًا عن مناقشة كيفية التعامل مع المخالفين داخل الإسلام.

 

وكشفت هذه الموضوعات عن مسارين رئيسيين في أنشطة «طابة»: التعامل مع القضايا الاجتماعية والفكرية المعاصرة، ونقد المفاهيم الدينية والفكرية المرتبطة بالإسلام السياسي.

 

وفي عامي 2021 و2022، وسعت المؤسسة نطاق أنشطتها بصورة ملحوظة، وتناولت قضايا خلافية مثل الهوية الجندرية وتغيير الجنس، إلى جانب مناهج التعامل مع النصوص الدينية والتكامل المعرفي الفقهي ومفهوم الولاء والبراء والتطرف والتعصب الديني.

 

واستمر هذا التوجه في عام 2023، عندما ناقشت المؤسسة التحولات الفكرية لدى الشباب بعد عام 2011، وحركات المثليين والمتحولين جنسيًا وسبل التعامل معها من منظور إسلامي، فضلًا عن اهتمامات الشباب وتحدياتهم النفسية. كما تناولت مفهوم «الطليعة المؤمنة» في خطاب الجماعات التكفيرية، وسبل الحد من الجمود العقدي، وما وصفته بتصاعد التيارات المتطرفة التي تنشط باسم الإسلام في العالم العربي.

 

وشكلت الفترة الممتدة من 2016 إلى 2023 مرحلة محورية في ترسيخ وجود «طابة» داخل مصر، مع افتتاح مقر بالقاهرة وتوسيع التواصل مع الشباب والأوساط الأكاديمية والدينية. كما أظهرت هذه المرحلة طبيعة مشروعها، الذي يجمع بين مناقشة القضايا الاجتماعية المعاصرة ونقد أدبيات الإسلام السياسي.

 

 

بروتوكول وزارة الأوقاف يثير تساؤلات حول دور الأزهر ومستقبل الخطاب الديني

 

شهدت الفترة الممتدة من 2024 إلى 2026 انتقال علاقة «طابة» ببعض المؤسسات المصرية من المشاركة في الفعاليات إلى التعاون التدريبي المعلن مع وزارة الأوقاف، ثم توقيع بروتوكول رسمي. كما نظمت المؤسسة برامج تدريبية وتعاونت مع جامعات ومراكز بحثية محلية ودولية، في وقت شارك فيه الجفري في فعاليات رسمية حضرها رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

 

وفي عام 2024، نظمت المؤسسة برنامجًا تدريبيًا لطلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة حول المناهج الإسلامية في دراسة العلوم الاجتماعية. كما تناولت فعاليات أخرى الرؤى الأخلاقية للعلاقات الدولية والتنوع الثقافي وفلسفة الجهاد وأحكامه في ضوء الحرب على غزة، إلى جانب قضايا فكرية واجتماعية أخرى.

 

لكن التطور الأبرز جاء خلال النصف الثاني من عام 2024، عندما نظمت «طابة» دورة تدريبية لأئمة تابعين لوزارة الأوقاف المصرية، تناولت أفكار الإلحاد الجديد وسبل مواجهتها. وشارك فيها الجفري وأحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء، وباحثون من مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

 

وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة لأنها توضح أن التعاون التدريبي بين المؤسسة والوزارة سبق توقيع بروتوكول أكتوبر 2026، ولم يبدأ معه.

 

وفي أواخر عام 2024، وقعت «طابة» بروتوكول تعاون مع مؤسسة رباط العلم، التي يرأسها عالم الأزهر الشيخ محمد يحيى الكتاني، بهدف تنسيق الأنشطة التعليمية والتدريسية وتدريب العاملين وتطوير الخطاب الديني. كما التقى الجفري شيخ الأزهر أحمد الطيب، وشارك إلى جانب أسامة الأزهري في ندوة حول التراث والحداثة.

 

وواصلت المؤسسة خلال عام 2025 تنظيم الندوات وإجراء الأبحاث وإطلاق برامج للشباب ونشر المواد الفكرية والتعاون مع الجهات الدينية والأكاديمية والدبلوماسية. ونظمت أيضًا برامج تدريبية لطلاب الجامعات المصرية، ووقعت بروتوكول تعاون مع السفارة اليمنية في القاهرة، قبل أن تشارك في منتدى لمراكز الفكر العربية بجامعة الدول العربية حول استخدام الذكاء الاصطناعي في صنع القرار.

 

وكان من أبرز فعالياتها ندوة حول التطورات في سوريا بعد التحرير، إلى جانب قضايا التطرف والهوية والعلاقة بين المجتمع والدولة. كما شارك الجفري في أنشطة دار الإفتاء خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2025، وأعلنت «طابة» إطلاق مجلة تحمل اسمها بحضور شخصيات دينية وأكاديمية مصرية.

 

وفي عام 2026، واصلت المؤسسة أنشطتها وأطلقت ناديًا سينمائيًا لمناقشة الأفلام المصرية. كما نظمت في يناير برنامجًا تدريبيًا موسعًا بعنوان «مقولات التنظيمات المتطرفة ومرتكزاتها السبعة»، بمشاركة باحثين من مراكز عدة، منها مرصد الأزهر لمكافحة التطرف ومركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم والمركز الأفريقي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، إلى جانب طلاب من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

 

 

خلافات حول تجديد الخطاب الديني وصلاحيات المؤسسات

 

تزامن توقيع بروتوكول التعاون بين وزارة الأوقاف و«طابة» في أكتوبر 2026 مع تصاعد الخلافات بشأن الجهة المخولة بإصدار الفتاوى وإدارة الشأن الديني. فمنذ إطلاق الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني عام 2015، اتسع الجدل حول الجهات المسؤولة عن هذه المهمة وطبيعة المناهج اللازمة لتأهيل الدعاة والأئمة.

 

وظهرت الخلافات بوضوح في النقاشات العلنية بين السيسي وشيخ الأزهر أحمد الطيب بشأن تجديد الخطاب الديني في نوفمبر 2018 ويناير 2020. ورد السيسي بتكليف الأكاديمية العسكرية بتدريب الدعاة والأئمة في العاصمة الإدارية الجديدة، ثم تشكيل مجلس علمي برئاسة وزير الأوقاف أسامة الأزهري في ديسمبر 2025، دون مشاركة الأزهر.

 

وحضر مراسم توقيع بروتوكول «طابة» وزير الأوقاف أسامة الأزهري، وهو عضو في مجلس أمناء المؤسسة، وظهر إلى جانب الجفري مرارًا على مدار السنوات الماضية. ونص البروتوكول على تبادل الخبرات والمعارف، وتنظيم المحاضرات والبرامج التدريبية والمؤتمرات والندوات العلمية المتعلقة بالقضايا الدينية والاجتماعية، وتعزيز التعاون العلمي والفكري، وتأهيل العاملين في القطاع الديني.

 

ولم توضح الوزارة أسباب اختيار «طابة» تحديدًا، لكن طبيعة العلاقة السابقة بين الطرفين تقدم تفسيرًا محتملًا. فقد سبقت البروتوكول برامج تدريبية مشتركة عام 2024، كما تجمع قيادة الوزارة بالمؤسسة علاقات ممتدة، وتتقاطع أولوياتهما المعلنة في تدريب الأئمة ومكافحة التطرف وتجديد الخطاب الديني. كذلك تبنت الدولة خلال السنوات الأخيرة توجهًا لتطوير برامج إعداد الدعاة.

 

وأثار الاتفاق ردود فعل متباينة؛ إذ تساءل منتقدون عن جدوى الاستعانة بمؤسسة خارجية، في ظل امتلاك الأزهر إرثًا علميًا ومؤسسيًا راسخًا يشمل هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية وجامعة الأزهر. وفي المقابل، اعتبر آخرون أن التعاون طبيعي ولا يستهدف تجاوز الأزهر أو الانتقاص من دوره.

 

كما أثار البروتوكول تساؤلات بشأن الدور الذي ستؤديه «طابة» في تطوير الخطاب الديني المصري، وما إذا كان التعاون سيقتصر على تبادل الخبرات والتدريب، أم سيؤسس لمسار عمل مستقل. وتساءل بعض المنتقدين عن أسباب لجوء وزارة الأوقاف في دولة بحجم مصر، وبوجود مؤسسة عريقة مثل الأزهر، إلى اتفاق مع مؤسسة خاصة لم يتجاوز عمرها 21 عامًا لتأهيل الأئمة المصريين وتدريبهم.

 

وقال محمد إبراهيم الأشماوي، أستاذ الحديث بجامعة الأزهر، إن وزارة الأوقاف مؤسسة دينية مصرية عريقة تمتلك خبرة واسعة في مجال الدعوة، وإن المؤسسات المصرية أسهمت بخبراتها في تأسيس مؤسسات مماثلة في العالمين العربي والإسلامي. ودعا المؤسسات المصرية إلى المبادرة والقيادة وتقديم النماذج الملهمة، بدلًا من الدخول في شراكات مع كيانات خاصة صغيرة أو جهات لا تتضح أنشطتها وتوجهاتها بصورة كافية.

 

ومن جانبه، شكك الشيخ عصام تليمة في جدوى الاتفاق، في ظل برامج التدريب التي أعلنتها الدولة المصرية سابقًا، ومنها تدريب الأئمة عبر الأكاديمية العسكرية. كما تساءل عن الخلفية العلمية والفكرية للجفري ومدى ملاءمته لتولي أدوار استشارية أو تدريبية في مجال تجديد الخطاب الديني المصري، وانتقد ما اعتبره محدودية الإنتاج البحثي والإنجازات الملموسة للمؤسسة.

 

ولم يتضمن الإعلان تفاصيل أساسية عن النص الكامل للاتفاق ومدته والبرامج المقرر تنفيذها وأسماء المدربين ومعايير اختيارهم والالتزامات المالية. كما لم يصدر الأزهر حتى الآن موقفًا علنيًا بشأن البروتوكول، ولم يوضح الإعلان ما إذا كانت المؤسسة قد شاركت في صياغته أو جرت استشارتها، مكتفيًا بالإشارة إلى موافقات «الجهات المختصة».

 

ويرى منتقدون أن الاتفاق يمثل خطوة إضافية نحو تهميش الأزهر، باعتباره المرجعية الدستورية للشؤون الدينية. ويستندون في ذلك إلى غياب المؤسسة عن مراسم التوقيع، وعدم توضيح دورها في الإعلان، فضلًا عن توتر علاقتها بوزارة الأوقاف.

 

 

مشروع «طابة» في مصر.. أجندة فكرية ونفوذ مؤسسي

 

تقدم «طابة» نفسها بوصفها مؤسسة غير ربحية تسعى إلى تجديد الخطاب الإسلامي المعاصر، وإنتاج الدراسات والتوصيات والمشروعات الموجهة إلى صناع الرأي والقرار. وتتقاطع أنشطتها المعلنة وأجندتها الفكرية في مصر مع أولويات الدولة في عهد السيسي، ولا سيما تجديد الخطاب الديني، وتفكيك خطاب الإسلام السياسي والجماعات الجهادية، وتقديم بدائل فكرية للشباب تبعدهم عن التيارات الإسلامية الحركية، وتعزيز خطاب ديني يدعم الاستقرار السياسي القائم.

 

وخلال السنوات الماضية، نجحت المؤسسة في بناء شبكة علاقات مع شخصيات مصرية بارزة وعاملين في مؤسسات دينية، من بينها الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء. وأسهمت هذه العلاقات في انتقالها من تنظيم فعاليات متفرقة إلى التعاون مع مؤسسات مصرية، ثم إقامة إطار رسمي للتعاون مع وزارة الأوقاف.

 

وظهر الجفري مرارًا في فعاليات رسمية حضرها السيسي، الذي أشاد به، كما أصبح ضيفًا منتظمًا على القنوات الفضائية المصرية ومدافعًا علنيًا عن سياسات النظام. وفي أغسطس 2025، دافع عن السلطات المصرية في مواجهة اتهامات بعرقلة دخول المساعدات إلى قطاع غزة.

 

وتتمحور أنشطة «طابة» المعلنة في مصر حول ثلاثة مسارات رئيسية تستهدف فئات اجتماعية مختلفة. يهتم المسار الأول بالقضايا الفكرية المعاصرة والأسئلة المرتبطة بالدين والهوية، ويركز الثاني على التزكية الروحية والتنمية الإنسانية والعلاقات الاجتماعية، بينما يتناول الثالث نقد وتفكيك المفاهيم والأفكار والشخصيات المرتبطة بخطاب الإسلام السياسي والجهادية.

 

وتترجم المؤسسة هذه المسارات عبر ثلاث مبادرات رئيسية في مصر؛ هي «مبادرة سؤال» التي تتناول الأسئلة الفكرية والدينية، و«مبادرة التزكية والعمارة» التي تركز على الجوانب الروحية والسلوكية، و«مبادرة سند» التي تنتقد خطاب الإسلاميين والجهاديين. وتحظى المبادرات الثلاث بمئات الآلاف من المتابعين عبر منصات التواصل الاجتماعي.

 

ولا تقتصر أنشطة المؤسسة على الشباب في المرحلة الجامعية، بل تمتد إلى الأطفال والمراهقين من خلال محتوى ديني وبرامج وفعاليات مخصصة لهم. كما أطلقت مجلة «طابة» منصةً لنشر المواد الفكرية التي يشارك في إعدادها علماء وأكاديميون وشخصيات رسمية مصرية.

 

ويعتمد حضور المؤسسة في مصر بدرجة كبيرة على كوادر وشخصيات مصرية من الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، تتولى إدارة الفعاليات وتنظيم البرامج والأنشطة البحثية. وأصبحت مقار «طابة» أيضًا مساحة للقاء شخصيات من اتجاهات مختلفة داخل الأوساط الدينية والفكرية المصرية. ويشارك شقيقا الجفري، محمد الجفري وعبد الله الجفري، بصورة متكررة في أنشطة المؤسسة داخل مصر.

 

 

هل تمثل «طابة» ذراعًا للأجندة الدينية الإماراتية؟

 

رغم أن مقر «طابة» الرئيسي يقع في أبوظبي، تكشف أنشطتها المعلنة عن حضور واسع داخل مصر، التي تبدو إحدى أهم ساحات عملها. ويرى منتقدون أن المؤسسة تمثل ذراعًا دينية للإمارات، وأن توسعها في مصر قد يؤدي إلى إنشاء قنوات موازية للأزهر لإدارة الخطاب الديني.

 

ويتطلب فهم هذه المخاوف تتبع أنشطة الجفري وعلاقاته بالمؤسسات الإماراتية الرسمية. فقد بدأ حضوره في الإمارات عام 2002 من خلال جولات دعوية نظمتها وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، قبل أن يؤسس «طابة» في أبوظبي عام 2005، عندما كان يبلغ نحو 33 أو 34 عامًا، بهدف إعادة صياغة الخطاب الإسلامي المعاصر.

 

وفي دراسة نشرها الباحث محمد عماشة عام 2020 بعنوان «الإسلامات المدعومة إماراتيًا: رسم خريطة المشهد»، وضع الباحث مؤسسة «طابة» ضمن شبكة من المؤسسات التي تلقت أشكالًا مختلفة من الدعم الإماراتي. وربط الدراسة توسع أنشطتها بالسياسة الدينية الإماراتية الرامية إلى مواجهة الإسلام السياسي وتعزيز خطاب ديني يعطي الأولوية للاستقرار السياسي وطاعة الحكام.

 

كما أثار حجم أنشطة المؤسسة في مصر تساؤلات بشأن مصادر تمويلها، في ظل نشرها كتبًا وأبحاثًا ومجلات إلكترونية مجانية، وتنظيمها مئات الفعاليات داخل البلاد، وإنشائها مبادرات متعددة تحت مظلتها.

 

وتقدم التغطيات الإعلامية والتقارير الرسمية مؤشرات إضافية على الدعم الإماراتي للمؤسسة. فقد وصفتها صحيفة «الجارديان» في تقرير نشرته عام 2016 بأنها مؤسسة تحظى بدعم أبوظبي. كما أشار تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الحريات الدينية في الإمارات لعام 2017 إلى دور «طابة» في الجهود الإماراتية الرامية إلى تعزيز الاعتدال ومكافحة التطرف.

 

وفي دراسة نشرها مركز «العربي» للأبحاث ودراسة السياسات في واشنطن عام 2020، رأى الباحث خليل العناني أن أبوظبي دعمت شخصيات ومؤسسات دينية، من بينها الجفري و«طابة»، ضمن مساعٍ أوسع للترويج لنموذج ديني يركز على الجوانب الروحية، مع الحد من نفوذ التيارات الإسلامية السياسية.

 

ورغم توافق أنشطة «طابة» مع أولويات النظام المصري في تجديد الخطاب الديني ومواجهة الإسلام الحركي، تظل أسئلة جوهرية قائمة بشأن مدى ارتباط المؤسسة بالسياسات الإماراتية، وحدود دورها المستقبلي في تشكيل المشهد الديني المصري، وانعكاسات توسعها على مكانة الأزهر ودوره التاريخي في إدارة الشأن الديني.

 

Al-Jifri’s Tabah expands in Egypt amid questions over Al-Azhar’s role