أظهرت بيانات استطلاع الرأي الصادر عن القناة 13 العبرية حدوث تحولات جوهرية في موازين القوى الحزبية داخل الساحة السياسية الإسرائيلية خلال الفترة الحالية، مما يعكس تغير المزاج العام للناخبين بشكل واضح تجاه القيادات التقليدية والحالية.
ومن ناحية أخرى، تشير النتائج المسجلة إلى تقدم لافت لصالح القوى المعارضة على حساب الائتلاف الحكومي الحالي الذي يواجه تراجعا مستمرا في شعبيته، وهو الأمر الذي يعيد رسم الخريطة الانتخابية بالكامل قبل أي استحقاق مقبل.
تقدم حزب يشار وتراجع الليكود
وفي هذا السياق، تصدر حزب يشار الذي يقوده غادي آيزنكوت قائمة الأحزاب المتنافسة بحصوله على 22 مقعدا برلمانيا وفق نتائج القناة 13 العبرية، ليفرض نفسه كقوة رئيسية قادرة على قيادة المشهد السياسي في المرحلة القادمة.
وعلى صعيد متصل، تراجع حزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو ليحل في المركز الثاني بحصوله على 19 مقعدا فقط، مما يبرز حجم الخسائر الشعبية التي يتكبدها الحزب الحاكم نتيجة السياسات والأزمات الراهنة.
وبالإضافة إلى ذلك، حل حزب معا بقيادة نفتالي في المرتبة الثالثة ضمن الترتيب العام للأحزاب بعد أن نجح في حصد 14 مقعدا، ليشكل بذلك رقما صعبا في أي مفاوضات ائتلافية مستقبلية لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
علاوة على ذلك، جاء حزب الديمقراطيون الذي يترأسه يائير غولان في المركز الرابع بحصوله على 10 مقاعد كاملة في البرلمان المقبل حسب التوقعات، مما يمنحه ثقلا سياسيا ملموسا يعزز من مكانة تيار الوسط واليسار بالانتخابات.
ومن جهة أخرى، تمكنت القائمة المشتركة من حجز موقع متقدم لها في الترتيب الحزبي العام عبر نيلها 9 مقاعد برلمانية في الاستطلاع، وهو ما يؤكد حضورها الفاعل والمؤثر في المعادلة البرلمانية رغم التحديات السياسية المحيطة.
وفي المقابل، تساوت أربعة أحزاب سياسية مختلفة في حصيلتها البرلمانية المتوقعة لتتقاسم نفس العدد من المقاعد في مشهد يعكس تفتت الأصوات الانتخابية، الأمر الذي يزيد من تعقيد الحسابات الحزبية أمام كافة الأطراف المتنافسة في الساحة.
وتفصيلا لذلك، حصل حزب إسرائيل بيتنا الذي يتزعمه أفيغدور ليبرمان على 8 مقاعد برلمانية ليحافظ على تواجده الثابت ضمن خارطة القوى السياسية، مستفيدا من قاعدته الانتخابية الصلبة التي ترفض سياسات الحكومة الحالية وتدعو للتغيير.
وبالمثل، نال حزب الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش 8 مقاعد في الاستطلاع ذاته رغم الجدل الواسع الذي يحيط بمواقفه السياسية والاقتصادية، ليواصل بذلك تمثيل التيار اليميني المتشدد داخل أروقة الكنيست خلال الفترة الانتخابية المقبلة.
وإلى جانب ذلك، حصد حزب عوتسما يهوديت اليميني 8 مقاعد برلمانية أيضا ليتساوى مع حلفائه ومنافسيه في هذه الشريحة من الترتيب الانتخابي، مما يعكس استمرار استقطاب الشارع الإسرائيلي نحو التوجهات الحزبية الحادة والمتشددة في البلاد.
وكذلك، سجل حزب يهودية التوراة الموحدة بزعامة موشيه فيغلين حضورا مماثلا بحصوله على 8 مقاعد كاملة وفقا لما أوردته القناة 13 العبرية، ليكمل عقد الأحزاب الأربعة التي اشتركت في نفس الحصيلة الرقمية داخل هذا الاستطلاع.
وفي غضون ذلك، تراجعت حصيلة كل من حزب شاس الديني والقائمة الموحدة لتقف عند حدود 7 مقاعد برلمانية لكل حزب منهما بالتساوي، وهو رقم يضعهما في ذيل قائمة الأحزاب القادرة على تجاوز نسبة الحسم.
صراع الكتل البرلمانية وموقف العرب
وعلى المستوى التكتلي، أفرزت نتائج الاستطلاع اتساع الفجوة الرقمية والسياسية بين الكتلتين المتنافستين بشكل يهدد مستقبل الائتلاف اليميني الحاكم حاليا، حيث باتت كفة المعارضة تميل نحو التفوق النسبي على حساب معسكر رئيس الوزراء.
وفي ضوء هذه المعطيات، نجحت الكتلة التي يقودها غادي آيزنكوت في الوصول إلى 54 مقعدا برلمانيا لتقترب خطوة إضافية من الأغلبية المطلوبة، مما يمنحها أفضلية معنوية وسياسية كبيرة في مواجهة المعسكر المنافس خلال الفترة الحالية.
وفي الاتجاه المقابل، توقفت حصيلة الكتلة السياسية المؤيدة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عند 50 مقعدا فقط دون تحقيق الأغلبية البرلمانية اللازمة للحكم، وهو ما يعكس تآكل شعبية الائتلاف اليميني وعجزه عن استعادة ثقة الجمهور.
ونتيجة لذلك، تبرز الأحزاب العربية كقوة حاسمة ومؤثرة للغاية بعد أن توقع الاستطلاع حصولها مجتمعة على 16 مقعدا داخل الكنيست الإسرائيلي المقبل، لتصبح بذلك بيضة القبان التي لا يمكن تجاوزها عند رسم ملامح أي حكومة.
وبناء على ما تقدم، فإن عجز أي من الكتلتين المتنافستين عن بلوغ عتبة الحسم البرلماني بمفرده يجعل من المقاعد العربية رقما محوريا، حيث ستلعب هذه المقاعد دورا مفصليا في تحديد شكل وهيكلية الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
ومن زاوية أخرى، يكشف هذا التوزيع الرقمي للمقاعد عن استمرار حالة الانسداد السياسي التي تعاني منها المنظومة الحزبية في إسرائيل منذ سنوات، إذ تظل التحالفات الهشة رهينة المفاوضات المعقدة والتنازلات المتبادلة بين مختلف القوى والأحزاب.
وفضلا عن ذلك، فإن تقدم معسكر آيزنكوت بفارق واضح عن معسكر نتنياهو يضع الأخير تحت ضغوط حزبية وشعبية متزايدة داخل ائتلافه الحكومي، لا سيما مع تصاعد المطالبات الداخلية بضرورة إيجاد مخرج للأزمات المتلاحقة التي تواجهها.
تفوق آيزنكوت وحسم توجهات الناخبين
أما على صعيد الملاءمة الشخصية، فقد وسع غادي آيزنكوت الفارق بشكل كبير وملحوظ مع منافسه بنيامين نتنياهو فيما يتعلق برئاسة الحكومة المقبلة، ليعكس الاستطلاع رغبة شعبية واضحة في البحث عن قيادة بديلة للمرحلة السياسية القادمة.
وفي هذا الإطار، فضل 47% من إجمالي المشاركين في استطلاع القناة 13 العبرية تولي آيزنكوت منصب رئاسة الوزراء لإدارة شؤون البلاد، وهي نسبة مرتفعة تترجم حجم الثقة التي يحظى بها الرجل لدى قطاعات واسعة.
وعلى النقيض من ذلك، حصل رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو على تأييد 27% فقط من أصوات المستطلعة آراؤهم بشأن أهليته للبقاء بالمنصب، مما يشير إلى تراجع حاد في رصيده الشخصي مقارنة بمنافسه الرئيسي في الاستطلاع.
وبالنظر إلى نسب المشاركة، أبدى 82% من المشاركين في الاستطلاع عزمهم الأكيد على التوجه إلى صناديق الاقتراع والتصويت الفعلي في يوم الانتخابات، وهو مؤشر قوي يعكس حجم الاهتمام الشعبي بالمشاركة في صياغة المستقبل السياسي.
وعلاوة على هذا الحماس، أكد 60% من الناخبين المشاركين أنهم قد حسموا أمرهم نهائيا ولن يغيروا تصويتهم تحت أي ظرف حتى الاقتراع، مما يدل على ثبات القناعات السياسية لدى شريحة واسعة من الجمهور الإسرائيلي حاليا.
وفي الوقت نفسه، أشار 28% من المستطلعين إلى وجود احتمال لتغيير خياراتهم الانتخابية والتصويت لصالح حزب آخر ولكن داخل الكتلة التي يؤيدونها، مما يعني أن الحركة الانتخابية ستظل محصورة داخل حدود المعسكرات السياسية ذاتها.
ومن ثم، فإن هذه النسب المئوية الدقيقة توضح أن التنافس الحقيقي خلال الفترة التي تسبق الانتخابات سيتركز داخل كل معسكر على حدة، حيث ستسعى الأحزاب المتحالفة إلى استقطاب الأصوات المترددة لتعزيز مكانتها التفاوضية داخل كتلتها.
ومع ذلك، يبقى ثبات 60% من المصوتين على مواقفهم حاجزا أمام حدوث انقلابات دراماتيكية في النتائج النهائية بين الكتلتين الرئيسيتين يوم الاقتراع، ليبقى الصراع محصورا في كيفية إدارة التحالفات وتوزيع الحقائب الوزارية بين الشركاء.
وختاما لهذه القراءة، تؤكد كافة الأرقام الواردة في استطلاع القناة 13 العبرية أن المشهد السياسي الإسرائيلي يتجه نحو مرحلة جديدة من التغيير، حيث تتراجع هيمنة الليكود لصالح قوى صاعدة تتصدرها قيادة غادي آيزنكوت وحزبه.

