أثار الدكتور أمجد عمارة، العميد السابق لكلية التجارة بجامعة المنوفية، موجة عارمة من الجدل في الأوساط الأكاديمية والسياسية، عقب توجيه انتقادات لاذعة إلى إدارة "منتدى مصر 2026" المنعقد بفندق "سانت ريجيس" بالعاصمة الإدارية الجديدة، واصفًا تحويل الشخصيات العلمية غير الرسمية المدعوة بتوجيهات رئاسية إلى "مجرد ديكور" أو "كومبارس" لخدمة المشهد الشكلي دون إتاحة أي فرصة حقيقية للمناقشة أو تبادل الرؤى الإبداعية.
واستهل الدكتور عمارة شهادته بالإشارة إلى أنه تلقى دعوة للمشاركة في مائدة مستديرة بقاعة القمة، لمناقشة ملف مالي بالغ الحرج يتعلق بكيفية زيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي وإدارة ملف الديون الخارجية.
ولأهمية الحدث، كشف عمارة عن اقتطاعه مبلغ ألف جنيه من معاشه الشهري (الذي لا يتجاوز 5 آلاف جنيه) لتلبية الدعوة وتغطية تكاليف الانتقال الطويل من محل إقامته، ليفاجأ فور وصوله بتأخر انعقاد الجلسة لأكثر من ساعة ونصف دون أي إعلان رسمي، تاركين الضيوف في حالة من الحيرة والانتظار خارج القاعة.
عزل ضوئي ودائرتان للمسؤولين و"الكومبارس"
ووصف عمارة التقسيم الداخلي للقاعة الفارهة بأنه عكس تمييزًا واضحًا وهندسة معوقة؛ حيث قُسمت المقاعد إلى دائرتين:
الدائرة الداخلية (الصفوة): مكونة من صف واحد يضم مقاعد فخمة ومريحة ذات لون فاتح مميز، جُهزت لجلوس الوزراء ورجال الدولة والمسؤولين السياسيين.
الدائرة الخارجية (الحضور غير الرسمي): تفصلها مساحة وجدار مرتفع عن الدائرة الأولى، وتضم 4 صفوف دائرية بمقاعد صغيرة وضيقة للغاية وشديدة الالتصاق، صُممت للحضور غير الرسميين الذين جاءوا احترامًا وتقديرًا لملبي الدعوة الرئاسية الكريمة.
كما انتقد عميد تجارة المنوفية السابق توزيع الإضاءة، معتبرًا إياها "مدبرة ومقصودة"؛ حيث وُجهت كشافات قوية للغاية تحدث عوازل ضوئية بين جنبات القاعة، بما يمنع الحاضرين من رؤية بعضهم البعض، واصفاً المشهد بأنه تحول إلى "متاهة ملاهي" تتقطع فيها أوصال الرؤية.
غياب القيادات وحضور المجموعة الاقتصادية
وأشار عمارة إلى غياب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء عن حضور هذه الجلسة المفصلية، مع ترك مكانيهما خاليًا طوال الوقت للإيحاء بقرب وصولهما، بينما شهدت الجلسة حضورًا وافرًا لوزراء المجموعة الاقتصادية (باستثناء نائب رئيس الوزراء المختص)، ومحافظ البنك المركزي، ووزيري الطيران والسياحة، ومستشار الرئيس للشؤون السياسية، ورئيس هيئة قناة السويس.
سيناريو الأسئلة المسبقة و"الثلاثين ثانية"
وفجّر العميد السابق مفاجأة حول طريقة إدارة الجلسة من قِبل إحدى مذيعات التلفزيون المصري التابعة للشركة المتحدة للإعلام؛ مؤكدًا أنها أدارت الحوار بأسئلة مرتبة ومعدة سلفًا ومُبلغة للمسؤولين بوقت كافٍ للرد عليها، حيث استغرقت أحاديث الوزراء الجالسين في الدائرة الفخمة أكثر من ساعتين ونصف.
والصدمة الكبرى – بحسب وصفه – تمثلت في نهاية اللقاء، عندما أعلنت المذيعة عن إتاحة "دقيقة واحدة فقط" (30 ثانية) للحضور لطرح أي سؤال، لتتلقف المايك فورًا إحدى التابعات للمذيعة وتتحدث بنصف دقيقة في كلام عام، قبل أن تعيده للمذيعة التي أعلنت على عجل انتهاء الجلسة رافضة تلقي أي استفسار أو تعليق، وهو ما اعتبره عمارة "إهانة كبيرة متعددة الأبعاد للعلماء والمثقفين الحاضرين".
أحاديث تقليدية وغياب الطرح الإبداعي
وأكد عمارة أن كلمات الوزراء والمسؤولين لم تتضمن أي طرح إبداعي أو حلول مبتكرة لمواجهة الأزمة الاقتصادية الخطيرة، بل ظلت تدور في فلك "الدوائر التقليدية المتعارف عليها منذ قديم الأزل لدى المتخصصين"، مستنكراً تعامل الإدارة مع أساتذة الجامعات وكبار المبدعين على أنهم "لا يفقهون شيئًا"، لافتًا إلى أنه شعر بظلم شديد لنفسه ولعلمه (حامل دكتوراه الفلسفة في ذات المجال) لحضور مثل هذا المجلس الذي يستوجب "التوبة وحسن الاستغفار" – على حد تعبيره.
المنتدى لإرضاء وجبر خاطر الحكومة!
واختتم عمارة بالإشارة إلى أن حيرته ودهشته تبددت تمامًا عقب الاستماع لتصريحات رئيس الجمهورية اللاحقة عبر وسائل الإعلام، والتي أوضح فيها للرأي العام بأنه دعا لعقد هذا المنتدى "من أجل إرضاء الحكومة وجبر خاطرها، بعد ما سببه الشعب المصري للوزراء الأفاضل من ضيق وغضب وزعل"، مؤكداً على وجوب دعم أداء وقرارات الحكومة المميزة.
وعقّب عمارة متهكمًا في ختام رسالته: "عرفت بأنني لم أذهب إلى هذا المنتدى هباءً منثورًا، وإنما ذهبت مع هذا الجمع الكريم من الشعب المصري العظيم صاغرًا ومعتذرًا، من أجل إرضاء وجبر خاطر الحكومة، وجبر خاطر أسيادنا وتاج رؤوسنا السادة الوزراء الكبار المعصومين أعضاء الحكومة المصرية".

