تخطف حوادث الطرق أرواح الناشئين الرياضيين في مصر وسط غياب تام لمعايير السلامة وتأمين انتقالات البعثات الرسمية، بعد مصرع لاعبتي المشروع القومي للجودو بأسيوط رفيف محمد عبد المنعم محمد ولوجين عبد العزيز صابر.
​
​
وتعكس هذه المأساة الدامية حجم التردي الإداري الذي يضرب المنظومة الرياضية في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، حيث تتحول رحلات العودة من البطولات الرسمية إلى نعوش متحركة تحصد أرواح الأبرياء الصغار.

 

 

فاجعة دامية تحصد أرواح بطلات أسيوط
​
​
وفي تفاصيل الفاجعة، لقيت اللاعبتان رفيف محمد عبد المنعم محمد ولوجين عبد العزيز صابر مصرعهما إثر حادث مروري مروع أثناء رحلة عودتهما إلى محافظة أسيوط بعد انتهاء منافسات بطولة الجمهورية للجودو.
​
​
ومن جانبها، أقيمت منافسات بطولة الجمهورية للجودو تحت 13 سنة داخل صالة حلوان بالقاهرة، واختتمت فعالياتها مساء أمس قبل أن تتحول رحلة العودة إلى فاجعة أدمت قلوب أهالي صعيد مصر.
​
​
وعلى إثر ذلك، سادت حالة من الحزن الشديد والغضب العارم بين أسر الرياضيين في محافظة أسيوط، الذين ودعوا طفلتين في عمر الزهور دفعتا حياتهما ثمنا لغياب الرقابة على وسائل نقل البعثات.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، تفتقر البعثات الرياضية التابعة للمشروع القومي في المحافظات البعيدة إلى أبسط مقومات التأمين اللوجستي، مما يجبر اللاعبين الصغار على السفر ليلا عبر طرق سريعة تفتقد معايير الأمان والسلامة.
​
​
وفي هذا السياق، تترك وزارة الشباب والرياضة، خلال شهر أكتوبر الجاري، مئات الأطفال يواجهون مصيرهم المجهول على الأسفلت دون توفير حافلات مجهزة أو استراحات إلزامية تقيهم مخاطر الإرهاق والسفر الطويل.
​
​
وعلاوة على ذلك، يتكرر سيناريو نزيف الأسفلت مع الفرق الرياضية القادمة من الصعيد نتيجة إقامة كافة البطولات المركزية في القاهرة، دون مراعاة للمسافات الشاسعة التي يقطعها الأطفال في ظروف قاسية.
​
​
ومن ناحيته، يؤكد الدكتور محمد فؤاد، أستاذ الإدارة الرياضية وخبير اللوائح الأولمبية، أن نقل الناشئين تحت 13 سنة ليلا لمسافات تتجاوز 400 كيلومتر يمثل جريمة إدارية مكتملة الأركان تخالف المواثيق الدولية.
​
​
ويضيف أستاذ الإدارة الرياضية أن غياب لائحة ملزمة تفرض توفير مبيت آمن للفرق المشاركة بعد انتهاء المنافسات المسائية بصالة حلوان يضع المسؤولية الجنائية والسياسية كاملة على عاتق قيادات وزارة الشباب والرياضة.
​
​
وبناء على ذلك، تتحمل الاتحادات الرياضية وإدارات المشروعات القومية وزر هذه الدماء الزكية التي سالت نتيجة استرخاص أرواح الموهوبين وتفضيل توفير النفقات المالية على حساب أمن وسلامة الأطفال المشاركين بالبطولات.

 

 

إعانات مالية هزيلة للتغطية على الإهمال
​
​
وفي المقابل، اكتفى وزير الشباب والرياضة بإجراء اتصال هاتفي لتقديم واجب العزاء لوالدي الطفلتين الراحلتين رفيف ولوجين، موجها بصرف إعانة مالية عاجلة لأسرتيهما كإجراء روتيني معتاد عقب كل كارثة.
​
​
وبالتالي، تحاول الوزارة عبر هذه المنح المالية المحدودة إسكات أصوات الغضب الشعبي والتنصل من مسؤوليتها المباشرة عن توفير بيئة آمنة للناشئين الذين يمثلون المشروعات القومية الرسمية التابعة للدولة في المحافظات.
​
​
وفضلا عن ذلك، تخلو قرارات الوزارة من أي إجراءات عقابية رادعة ضد المسؤولين عن تنظيم رحلة العودة، أو فتح تحقيق شفاف يحدد أوجه القصور التي أودت بحياة بطلتين في مقتبل العمر.
​
​
وإلى جانب ذلك، تتجاهل المؤسسات الرياضية الرسمية في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي تطبيق منظومة التأمين الطبي واللوجستي الشامل للرياضيين الصغار، وتستبدلها ببيانات النعي الرسمية والمكالمات الهاتفية المتأخرة.
​
​
ومن جهته، يوضح الدكتور طارق عبد الجابر، الخبير في اقتصاديات الرياضة والحوكمة المؤسسية، أن ميزانيات المشروعات القومية تستنزف في الدعاية الإعلامية والمؤتمرات الصاخبة بينما تحرم البعثات من وسائل نقل آمنة ومعتمدة.
​
​
ويشدد خبير الحوكمة المؤسسية على أن صرف الإعانات العاجلة من صناديق الوزارة بعد وقوع الفاجعة يعكس عقلية الجباية والتعويض المالي الرخيص بدلا من الاستثمار الحقيقي في حماية الأرواح وتطبيق معايير السلامة.
​
​
ولهذا السبب، تتفاقم الأزمات الهيكلية داخل قطاع البطولة والمشروعات القومية، حيث تدار ملفات الناشئين بعشوائية مفرطة تفتقر إلى التخطيط العلمي وتعتمد كليا على ردود الأفعال المؤقتة لامتصاص الصدمات الجماهيرية.
​
​
وعلى الصعيد ذاته، تعاني أسر اللاعبين في الأقاليم من أعباء مالية ونفسية جسيمة نتيجة غياب الرعاية الحقيقية، قبل أن تفجع بفقدان أبنائها في حوادث طرق كان يمكن تفاديها بقرارات إدارية حاسمة.
​
​
وهكذا، تتحول المشروعات القومية للناشئين من حاضنة لاكتشاف المواهب الرياضية إلى مصيدة تحصد أرواح البراعم الصغيرة، وسط إفلاس إداري يكتفي بتسعير دماء الضحايا في شيكات مالية عاجلة لا تعيد الحياة.

 

 

أكذوبة الطرق الجديدة تبتلع أطفال الصعيد
​
​
ومن جهة أخرى، يعري الحادث المأساوي للاعبتي جودو أسيوط حجم الخلل الهندسي والفني في شبكة الطرق السريعة التي تربط محافظات الصعيد بالقاهرة، رغم إنفاق المليارات عليها خلال السنوات الماضية.
​
​
وفي الوقت نفسه، تتصدر الطرق المؤدية إلى محافظات الجنوب قوائم النقاط السوداء الأكثر حصدا للأرواح في مصر منذ شهر يناير الماضي، بسبب غياب الإنارة الكافية وتدهور طبقات الرصف وانعدام الرقابة المرورية.
​
​
وبالمثل، تفتقر هذه المحاور الطويلة إلى نقاط الإسعاف المجهزة ومراكز الطوارئ السريعة القادرة على التدخل الفوري لإنقاذ مصابي الحوادث المرورية، مما يضاعف من أعداد الوفيات بين المسافرين في ساعات الليل المتأخرة.
​
​
وعلى الرغم من الدعاية الرسمية المكثفة حول طفرة البنية التحتية في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، فإن الواقع الميداني يسجل معدلات قياسية من الحوادث المميتة التي تبتلع أرواح المواطنين يوميا.
​
​
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور مهندس هشام النجار، استشاري هندسة الطرق وسلامة المرور، أن تصميم الطرق السريعة بصعيد مصر يفتقر لمعايير الأمان العالمية ويتجاهل الفصل الآمن بين مسارات الشاحنات الثقيلة والمركبات.
​
​
ويشير استشاري هندسة الطرق إلى أن تنفيذ المشروعات المرورية بسرعة قياسية دون دراسات تربة دقيقة أو منظومة مراقبة رادارية حديثة يحول هذه الطرق إلى مسارات خطرة تهدد حياة المسافرين على مدار الساعة.
​
​
ونتيجة لذلك، يدفع أطفال مصر وشبابها الموهوبون فاتورة الفساد الهندسي والإهمال الإداري المزدوج بين وزارتي الرياضة والنقل، حيث تتقاطع عشوائية تنظيم البطولات مع خطورة الطرق السريعة لتنتج مآسي إنسانية متكررة.
​
​
ومع ذلك، تستمر الأجهزة التنفيذية في تجاهل مطالب الخبراء بضرورة وقف السفر الليلي لبعثات الناشئين، وتأهيل طرق الصعيد بوسائل الأمان الحديثة، مما يترك الباب مفتوحا أمام سقوط ضحايا جدد.
​
​
وفي النهاية، يبقى رحيل البطلتين الصغيرتين رفيف محمد عبد المنعم محمد ولوجين عبد العزيز صابر شاهدا حيا على منظومة حكم تهدر دماء أبنائها على الأسفلت، وتكتفي بتقديم العزاء الهاتفي فوق جماجم الأبرياء.