دق أستاذ الاقتصاد التطبيقي بجامعة جونز هوبكينز والمستشار الاقتصادي السابق بالبيت الأبيض، ستيف هانكي، ناقوس الخطر مؤكدا أن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي يحفر حفرة اقتصادية عميقة لمصر بسبب نزيف الإنفاق غير المدروس.
وتأتي هذه التحذيرات الصادمة عقب توقيع الحكومة المصرية في شهر أكتوبر 2026 صفقة عقارية فلكية بقيمة 11 تريليون جنيه، أي 202 مليار دولار، مع رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى لتنفيذ 4 مشاريع كبرى.
نزيف الموازنة وانفلات التضخم النقدي
ومن جانبه، يوضح ستيف هانكي عبر منصة إكس أن قيمة هذه الصفقة العقارية البالغة 11 تريليون جنيه تتجاوز ضعف إجمالي الميزانية السنوية لمصر بالكامل، والتي تبلغ نحو 5.2 تريليون جنيه فقط.
وعلاوة على ذلك، تلتهم دفعات الفوائد المقررة على الديون وحدها نحو 2.4 تريليون جنيه سنويا، وهو ما يعادل قرابة نصف الميزانية العامة للدولة، مما يثبت أن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لديه مشكلة إنفاق.
وفي السياق ذاته، يسجل معدل التضخم السنوي في مصر رسميا حوالي 14 بالمئة وفق التحديثات الأخيرة في شهر أكتوبر 2026، متجاوزا النطاق المستهدف من قبل الدولة والمحدد رسميا بين 5 إلى 9 بالمئة.
وبالإضافة إلى ما سبق، ينمو المعروض النقدي في مصر بنسبة 17 بالمئة سنويا، متخطيا معدل النمو الذهبي الذي حدده هانكي بين 11.1 و 15.1 بالمئة لضمان استقرار الأسعار والتوافق مع مستهدفات التضخم.
وبناء على هذه المؤشرات النقدية المختلة، تتوزع استثمارات الصفقة الجديدة على مشروع أبوقير الصناعي واللوجستي والسكني والسياحي قرب الميناء الجديد بمساحة 10 ملايين متر مربع وباستثمارات تبلغ 5 تريليونات جنيه.
كما تشمل الصفقة مشروعا شمال مدينة مدينتي على مساحة 5 ملايين متر مربع شرق القاهرة باستثمارات 3.2 تريليون جنيه، ومشروعا بالساحل الشمالي على مساحة 10.4 مليون متر مربع باستثمارات 970 مليار جنيه.
فضلا عن ذلك، يتضمن الاتفاق مشروعا رابعا في غرب الإسكندرية يمتد على مساحة 11.3 مليون متر مربع، بتكلفة استثمارية ضخمة تتراوح بين 1.3 إلى 1.7 تريليون جنيه وسط أزمة سيولة خانقة.
إمبراطوريات الخرسانة ومدن الأشباح المهجورة
ومن جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي والاستراتيجي ورئيس الأكاديمية المصرفية الدولية، الدكتور علاء الدين سعفان، أن السلطة تواصل السير في طريق مسدود عبر تكثيف الاستثمار في قطاعات ريعية عقيمة وتجاهل أبسط أبجديات الإدارة المالية.
وإلى جانب ذلك، يمثل هذا الهوس العمراني المفرط والاعتماد على صفقات الإسمنت والخرسانة مؤامرة اقتصادية خطيرة تهدد مستقبل البلاد، وتهمل الإنتاج الصناعي والزراعي والتصدير، مما يدمر بنية الاقتصاد المصري ومستقبله بالكامل.
بل إن هذا التوحش المالي يعكس قرارا عشوائيا فرديا كارثيا نابعا من الأهواء الشخصية، لتوجيه مقدرات وشرايين السيولة في الجهاز المصرفي المدعومة بأموال المودعين لدعم مطورين عقاريين محددين، يتصدرهم هشام طلعت مصطفى.
وفي هذا الإطار، يتمدد نفوذ مشاريع هشام طلعت مصطفى بأسلوب مريب محليا وإقليميا في السعودية والإمارات والعراق وعمان، مدعوما بشبكة تسهيلات ومكتسبات تمنح بمعزل عن معايير الشفافية والمنافسة العادلة.
ولذلك، يثير هذا التغول تساؤلات مشروعة حول علاقة هشام طلعت مصطفى بشيوخ الإمارات وبقائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الذي أفرج عنه بعفو رئاسي، والمصالح المشتركة مع أسرته على حساب بنوك مصر وودائعها.
ومن ناحية أخرى، يعيد هذا التمركز المفرط للثروة والسلطة في قطاع العقارات للأذهان الانهيارات الكبرى عالميا، مثل التجربة الصينية المريرة مع عملاق العقارات المفلس إيفرغراند والفقاعات العقارية الأمريكية المتكررة.
فقد آلت ديون شركة إيفرغراند الطائلة التي تجاوزت 300 مليار دولار إلى الإفلاس التام، وانتهت بسجن رئيس مجلس إدارتها شو جيايين مدى الحياة إثر قضايا احتيال مالي نتيجة إهمال الاقتصاد الحقيقي.
وعلى صعيد متصل، تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن وجود قرابة 13 مليون وحدة سكنية مغلقة ومهجورة في مختلف أنحاء الجمهورية، بينها ملايين الشقق في الصحراء.
ونتيجة لذلك، تحولت نحو 20 مدينة جديدة إلى مدن أشباح خاوية بناها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي دون دراسة جدوى، إثر تقليد أعمى لتجربة دبي العقارية استنزف مليارات الدولارات دون قدرة شرائية للمواطن.
انهيار الجنيه واتساع رقعة الفقر
وبالتزامن مع تلك السياسات، يرصد الأكاديمي المصري علي عبد العزيز قفزة كارثية في الأسعار تراكميا بنحو 451 بالمئة بين عامي 2014 و 2025، مما دفع ملايين المصريين نحو حفرة الفقر والعجز المعيشي.
وتبعا لهذه القفزات السعرية، ارتفع معدل الفقر الرسمي من 27.8 بالمئة في عام 2015 إلى 32.5 بالمئة في عامي 2017 و 2018، بينما قدره البنك الدولي بنحو 33.5 بالمئة في عام 2021.
علاوة على ما تقدم، واصل معدل الفقر ارتفاعه بمقدار 5 نقاط مئوية بين عامي 2022 و 2024 ليصل إلى أكثر من 38 بالمئة، فيما تحول نحو 90 بالمئة من الشعب إلى فقراء.
وفي غضون ذلك، تراجعت مصر لتحتل المرتبة 55 من بين 122 دولة في مؤشر الجوع العالمي لعام 2026، نتيجة الارتفاع المتتالي لأسعار عشرات السلع الاستراتيجية وعجز المواطنين عن تلبية الاحتياجات الأساسية.
وفي المقابل، يواجه الاقتصاد المصري، الذي يعد الثاني قاريا بعد جنوب أفريقيا والثالث عربيا بعد السعودية والإمارات، استحقاقات ديون خارجية طاحنة تبلغ 60.9 مليار دولار خلال العام المالي الحالي.
وتتوزع هذه الالتزامات الخارجية الثقيلة بين أقساط قروض واجبة السداد تتطلب نحو 53.83 مليار دولار، بالإضافة إلى الفوائد المستحقة عليها والتي تبلغ وحدها نحو 7.1 مليار دولار، وسط عجز هيكلي مزمن.
وإزاء هذا المأزق المالي، يؤكد الدكتور علاء الدين سعفان، استنادا لتقديرات مجموعة البنك الدولي، أن استمرار هذا النهج سيجبر الدولة على طباعة النقود بدون غطاء حقيقي لتغطية الالتزامات المالية المتراكمة.
وبالتالي، ينذر هذا المسار الحسابي والنقدي بانهيارات خطيرة للعملة المحلية خلال السنوات 5 المقبلة، إن لم يزل النظام خلال عام 2026 أو عام 2027، بتراجع سنوي قيمته 25 إلى 30 بالمئة.
وعليه، ستهوي قيمة الجنيه تدريجيا نحو مستويات مفزعة تقترب تباعا من 70 جنيها، ثم 90 جنيها، ثم 115 جنيها، ثم 140 جنيها، وصولا إلى 200 جنيه للدولار الأمريكي الواحد بحلول عام 2030.
وللخروج من هذا النفق، يطرح سعفان 6 مسارات استراتيجية حاسمة تشمل إعادة هيكلة الاقتصاد، وتوحيد الميزانية بإخضاع الصناديق الخاصة لوزارة المالية، وإقصاء المؤسسة العسكرية كليا عن النشاط الاقتصادي منذ انقلاب 2013.
كما تفرض هذه الروشتة وقف عقود الأمر المباشر، وتقييد السلطة الفردية، وتوجيه ودائع البنوك نحو الزراعة والصناعة والتعليم والصحة بدلا من الخرسانة، مع إطلاق الحريات والمعتقلين ورد المظالم المتراكمة منذ عام 1952.

