تتصاعد موجة غضب عارمة داخل قرية ميت البيضا التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية، إثر تفشي هجمات الكلاب الضالة التي حولت شوارع القرية إلى ساحات رعب مفتوحة تهدد أرواح الأهالي والأطفال يوميا.
​
​
وتفرض هذه الكارثة المتفاقمة حظر تجوال إجباريا غير معلن على السكان، بينما تلتزم الأجهزة التنفيذية في حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي صمتا مطبقا يفاقم معاناة المواطنين العزل ويهدر سلامتهم الجسدية.
​
​
حصار كامل يشل الحياة اليومية بالقرية
​
​
وفي هذا السياق، تجاوزت حصيلة الإصابات المسجلة خلال يومين فقط خمس عشرة حالة عقر متفرقة بين الرجال والنساء، وسط مخاوف حقيقية من تضاعف الأرقام الفعلية نتيجة عزوف البعض عن تحرير محاضر رسمية.
​
​
علاوة على ذلك، شهد شارعا المقابر والترعة هجوما دمويا شرسا أسفر عن إصابة سبعة مواطنين دفعة واحدة، مما استدعى نقلهم سريعا إلى مستشفى الباجور لتلقي الإسعافات الأولية وجرعات المصل الوقائي اللازمة.
​
​
ونتيجة لذلك، اضطر أولياء الأمور إلى الانقطاع التام عن أعمالهم ومصادر أرزاقهم للبقاء في المنازل، بغرض حراسة أبنائهم المرعوبين الذين توقفوا قسرا عن الذهاب إلى المدارس ومراكز الدروس الخصوصية خشية الافتراس.
​
​
ومن جهته، يؤكد المواطن محمود عبدربه، أحد أهالي القرية، أن السكان يغلقون الأبواب على أطفالهم طوال اليوم، بعد استحالة خروج المصلين فجرا أو توجه العمال لأشغالهم بسبب تمركز القطعان المسعورة بالطرقات.
​
​
وفي سياق متصل، يرجع الدكتور لطفي شاور، رئيس إدارة التفتيش على المجازر والصحة العامة الأسبق، تفاقم الأزمة إلى غياب الرؤية العلمية وتقاعس المحليات عن إدارة ملف المخلفات الذي يوفر بيئة حاضنة لتكاثر الكلاب.
​
​
إضافة إلى ذلك، يوضح شاور أن الاكتفاء بالمسكنات الموضعية دون تخصيص ميزانيات كافية لبرامج المكافحة الميدانية الشاملة يترك القرى المصرية فريسة سهلة للأوبئة الفتاكة، ويبرهن على تراجع أولويات حماية الأمن الصحي للمواطنين.
​
​
خسائر فادحة تطال الأرواح والثروة الحيوانية
​
​
ومن ناحية أخرى، لم تقتصر الهجمات الضارية على البشر داخل ميت البيضا، بل امتدت لتشمل القرى المجاورة وحظائر تربية المواشي، حيث تسللت الكلاب الجائعة لنهش رؤوس الماشية وإلحاق خسائر مالية فادحة بالفلاحين.
​
​
وفضلا عن ذلك، يروي أحد المتضررين تفاصيل عودته من العمل ليجد زوجته مصابة بجروح غائرة ومواشيه مدمرة تماما، دون أن يتحرك مسؤول واحد من الوحدة المحلية لمعاينة الموقع أو تعويض الخسائر.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، تتجاوز الأزمة حدود المنوفية لتعصف بمحافظات أخرى مثل الدقهلية، التي سجلت ثلاثة وثلاثين ألف حالة عقر في المنصورة، مما دفع الأهالي لإقامة دعاوى قضائية تطالب بإبعاد الكلاب خارج الكتل السكنية.
​
​
ومن جانبه، يبين الدكتور محمد شفيق، الأمين العام الأسبق للنقابة العامة للأطباء البيطريين، أن تفاقم الظاهرة يعكس انهيار التنسيق المؤسسي بين وزارات الزراعة والبيئة والتنمية المحلية، والاكتفاء بتبادل الاتهامات بدلا من التحرك الميداني.
​
​
وبناء عليه، يشدد شفيق على أن تجميد خطط إنشاء الشلاتر الآمنة خارج المناطق المأهولة، وتجاهل توصيات الأطباء البيطريين منذ شهور طويلة، يحمل الجهات التنفيذية المسؤولية الجنائية الكاملة عن كل قطرة دم تسيل بالشوارع.
​
​
تقاعس حكومي يهدد بنقص الأمصال الوقائية
​
​
وفي غضون ذلك، تتعالى الاستغاثات الشعبية المطالبة بتدخل فوري لجمع الكلاب الضالة من الشوارع وتطهير البؤر الموبوءة، بالتزامن مع تصاعد التحذيرات البرلمانية التي حددت ثمانية مطالب عاجلة للحكومة لاحتواء الكارثة قبل انفجارها.
​
​
ورغم ذلك، تصطدم هذه المطالبات الشعبية بجدار سميك من الإهمال البيروقراطي وتجاهل غرف العمليات بالمحافظات لشكاوى القرى المهمشة، التي تفتقر لأبسط مقومات الحماية والأمان في ظل تدهور الخدمات العامة وشح الموارد المخصصة للريف.
​
​
وبالإضافة لما سبق، يخشى الأهالي من حدوث نقص مفاجئ في أمصال داء السعار بالمستشفيات الحكومية القروية، خاصة مع الارتفاع اليومي المطرد في أعداد المصابين وتزايد الضغط على الوحدات الصحية المتهالكة بمركز الباجور.
​
​
وفي هذا الإطار، يشير الدكتور علاء غنام، خبير السياسات الصحية ومدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية، إلى أن تهميش الرعاية الوقائية بالقرى يضع حياة الآلاف على المحك عند وقوع إصابات جماعية.
​
​
وعليه، يخلص غنام إلى أن تقليص الإنفاق الفعلي على الصحة العامة والاكتفاء بردود الأفعال المتأخرة، يحرم سكان الأقاليم من حقهم الدستوري في العلاج الآمن، ويكشف عورات المنظومة الإدارية العاجزة عن حماية أرواح البسطاء.